ودّعت البرازيل كأس العالم بطريقة لم يكن يتوقعها كثيرون. لم يكن السقوط أمام الأرجنتين أو فرنسا أو إسبانيا، بل أمام النرويج، المنتخب القادم من بلد لا يتجاوز عدد سكانه ستة ملايين نسمة. مفارقة أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول واقع كرة القدم البرازيلية ومستقبلها.
عندما تُذكر البرازيل، تستحضر الذاكرة خمسة ألقاب عالمية صنعتها أجيال من النجوم ومدربون برازيليون قادوا المنتخب إلى القمة. وكان آخر تتويج عام 2002 بقيادة لويز فيليبي سكولاري، حين ضمت التشكيلة أسماء خالدة مثل كافو وروبيرتو كارلوس وريفالدو ورونالدينيو ورونالدو، الذي سجل ثمانية أهداف وقاد منتخب بلاده إلى اللقب الخامس.
أما اليوم، فإن المقارنة بين جيل 2002 والجيل الحالي تكشف حجم التحول الذي عرفته كرة القدم البرازيلية. فباستثناء فينيسيوس جونيور، يصعب العثور على لاعب قادر على صناعة الفارق بشكل دائم في أعلى المستويات. ويبدو أن بلاد السامبا لم تعد تنتج المواهب بنفس الوتيرة التي اشتهرت بها لعقود طويلة.
ويرى كثير من المتابعين أن المشكلة لا تتعلق فقط باللاعبين، بل تمتد إلى منظومة التكوين بأكملها. فالمواهب الشابة تغادر مبكراً نحو أوروبا قبل استكمال مراحل تكوينها، بينما تراجع حضور المدرب البرازيلي على الساحة العالمية. فلا يوجد اليوم مدرب برازيلي يقود منتخباً كبيراً أو نادياً أوروبياً من الصف الأول، وهو مؤشر يعكس حجم التراجع الذي تعيشه المدرسة البرازيلية.
وفي محاولة للبحث عن حلول، لجأ الاتحاد البرازيلي إلى المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي، أحد أنجح المدربين في تاريخ اللعبة. غير أن المدرب المخضرم وجد نفسه أمام مجموعة تفتقد إلى الجودة التي عرفت بها البرازيل تاريخياً، فلم يتمكن من تكرار نجاحاته السابقة.
في المقابل، لم يكن تأهل النرويج إلى هذا الدور ثم إقصاؤها للبرازيل وليد الصدفة. فالمنتخب الاسكندنافي يضم عناصر متميزة يتقدمها إرلينغ هالاند ومارتن أوديغارد وألكسندر سورلوث، إلى جانب الحارس أورجان نيلاند الذي لعب دوراً محورياً في المباراة، خاصة بعد تصديه لركلة جزاء شكلت نقطة تحول حاسمة في المواجهة.
ورغم أن نيلاند لم يحظ بمسيرة استثنائية على مستوى الأندية، فإن تألقه مع منتخب بلاده أعاد إلى الأذهان نماذج عديدة لحراس مرمى نجحوا دولياً أكثر مما نجحوا مع أنديتهم. وهو ما يفتح بدوره باب النقاش حول قيمة الخبرة والدور الذي يمكن أن يؤديه اللاعبون المخضرمون داخل المنتخبات الوطنية.
لكن خلف نجاح النرويج يقف اسم آخر لا يقل أهمية عن نجوم الفريق داخل المستطيل الأخضر، وهو المدرب ستاله سولباكن. الرجل الذي عاش تجربة إنسانية استثنائية بعدما تعرض لأزمة قلبية عام 2001 وتوقف قلبه عن النبض لعدة دقائق قبل أن يعود إلى الحياة، أنهى مسيرته لاعباً واتجه إلى التدريب، حيث صنع أمجاد نادي كوبنهاغن قبل أن يتولى قيادة المنتخب النرويجي.
ومنذ تعيينه، وضع سولباكن هدفاً واضحاً يتمثل في إعادة النرويج إلى الواجهة العالمية بعد عقود من الغياب عن كأس العالم. واعتمد على مشروع فني بسيط وواضح المعالم، يقوم على بناء منظومة جماعية تخدم قدرات هالاند الهجومية، مع الاستفادة من رؤية أوديغارد في صناعة اللعب، وتأمين الخطوط الخلفية بتنظيم دفاعي صارم.
وأثبتت النتائج نجاح هذا المشروع، بعدما تمكن المنتخب النرويجي من العودة إلى الساحة العالمية بقوة، وصولاً إلى تحقيق إنجاز تاريخي بإقصاء البرازيل من المونديال.
وتبقى كرة القدم وفية لقاعدتها الأزلية: الأسماء الكبيرة والتاريخ العريق لا يكفيان وحدهما للفوز بالمباريات. ففي زمن التخطيط والعمل الجماعي، يمكن لمنتخب صغير من حيث عدد السكان أن يتفوق على عملاق يملك خمسة ألقاب عالمية، إذا أحسن بناء مشروعه الرياضي واستثمر موارده البشرية بالشكل الصحيح.
عبد العزيز بن سعيداني




