الأولى الساحل الافريقي الشؤون الديبلوماسية الوطني
✒️ ياسمين بوعلي

زيارة عبد الله مايغا إلى الجزائر.. عودة الحوار و بناء من جديد للعلاقات الجزائرية المالية

تحمل زيارة الوزير الأول ورئيس حكومة جمهورية مالي، عبد الله مايغا، إلى الجزائر، اليوم دلالات سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي، باعتبارها أول زيارة لمسؤول مالي بهذا المستوى إلى الجزائر منذ عام 2022، وتأتي بعد أزمة دبلوماسية عميقة طبعت العلاقات بين البلدين خلال الفترة الماضية.
وحلّ مايغا بالجزائر على رأس وفد حكومي هام، بدعوة من الوزير الأول سيفي غريب، حاملاً رسالة من رئيس المرحلة الانتقالية في مالي، الفريق أول أسيمي غويتا، إلى الرئيس عبد المجيد تبون. وقد استقبل الرئيس تبون الوزير الأول المالي، في خطوة تؤكد عودة قنوات الاتصال السياسي المباشر بين الجزائر وباماكو.
من الأزمة إلى الحوار
تأتي الزيارة في سياق تحرك تدريجي لإعادة بناء العلاقات الجزائرية المالية. فقد سبقها اتصال هاتفي بين الوزير الأول الجزائري سيفي غريب ونظيره المالي عبد الله مايغا في 9 أوت، جرى خلاله بحث سبل تعزيز علاقات الأخوة والتضامن وإعادة دفع التعاون بين البلدين.
وتشير هذه التطورات إلى أن الطرفين اختارا العودة إلى الدبلوماسية المباشرة والحوار السياسي بعد فترة من التوتر، وهو ما يجعل زيارة مايغا اختبارًا حقيقيًا لقدرة الجزائر ومالي على تجاوز تداعيات المرحلة السابقة وبناء آلية أكثر استقرارًا لإدارة الخلافات.
فالعودة إلى الحوار لا تعني بالضرورة أن جميع الملفات الخلافية قد حُسمت، وإنما تعني أن الطرفين باتا أمام فرصة لإعادة بناء الثقة تدريجيًا، وهو أمر ستكون نتائجه مرتبطة بما ستفرزه المحادثات من خطوات عملية.
الساحل في قلب الحسابات
يصعب قراءة العلاقات الجزائرية المالية بمعزل عن التحولات الأمنية والسياسية المتسارعة في منطقة الساحل.
فالجزائر ومالي تتقاسمان حدودًا طويلة، ما يجعل استقرار مالي مرتبطًا بصورة مباشرة بالأمن الإقليمي والحدود الجنوبية للجزائر. كما أن تنامي التحديات الأمنية في منطقة الساحل، من الإرهاب والجريمة المنظمة إلى تهريب الأسلحة والمخدرات، يجعل التنسيق بين دول المنطقة مسألة تتجاوز العلاقات الثنائية.
ومن هذا المنظور، فإن استعادة التواصل الجزائري المالي يمكن أن تفتح المجال أمام بحث الملفات الأمنية بصورة أكثر انتظامًا، مع الحفاظ على مبدأ الحوار واحترام سيادة الدول.
ملف شمال مالي.. الأكثر حساسية
يبقى ملف شمال مالي من أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين البلدين، بالنظر إلى الدور الذي لعبته الجزائر تاريخيًا في الوساطة بين الأطراف المالية.
غير أن التعامل مع هذا الملف يحتاج إلى قدر كبير من الحذر، خصوصًا أن التطورات السياسية والأمنية التي عرفتها مالي خلال السنوات الأخيرة غيّرت المعطيات التي كانت قائمة عند إطلاق مسار الجزائر للسلام.
لذلك، فإن عودة الحوار بين الجزائر وباماكو لا تعني تلقائيًا إعادة إطلاق المسار السابق بصيغته نفسها، وإنما قد تكون مقدمة لبحث ترتيبات جديدة تتلاءم مع الواقع السياسي والأمني الحالي.

الاقتصاد.. ورقة أخرى لإعادة بناء العلاقات
ولا يقتصر مستقبل العلاقات الجزائرية المالية على السياسة والأمن. فالبعد الاقتصادي يمكن أن يشكل أحد أهم مفاتيح المرحلة المقبلة.
فالجزائر تمثل بالنسبة إلى مالي بوابة مهمة نحو شمال إفريقيا والمتوسط، في حين يمكن لتطوير المبادلات التجارية والتعاون في مجالات الطاقة والنقل والبنية التحتية أن يمنح العلاقات الثنائية بعدًا عمليًا.
كما أن تعزيز التعاون الاقتصادي يمكن أن يساهم في معالجة بعض جذور عدم الاستقرار، خاصة أن التنمية وخلق فرص العمل وتحسين شبكات النقل والتبادل التجاري تعد عوامل أساسية في استقرار منطقة الساحل.
رسالة غويتا.. دلالة سياسية
ويكتسب حمل مايغا رسالة من أسيمي غويتا إلى الرئيس تبون أهمية خاصة.
فالرسالة، إلى جانب الزيارة نفسها، تعكس رغبة في إبقاء الاتصال المباشر بين قيادتي البلدين، وتوفر إطارًا سياسيًا يمكن من خلاله الانتقال من مرحلة تبادل المواقف إلى مرحلة الحوار حول المصالح المشتركة والخلافات القائمة.
وهنا تكمن أهمية الزيارة ليست في كونها إعلانًا عن انتهاء الخلافات، وإنما في كونها مؤشرًا على استعداد الطرفين لإدارة هذه الخلافات عبر الاتصال المباشر بدل القطيعة.
الجزائر أمام فرصة دبلوماسية جديدة
بالنسبة إلى الجزائر، تتيح عودة الحوار مع مالي فرصة لتعزيز حضورها الدبلوماسي في منطقة الساحل والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع أحد أهم جيرانها في الجنوب.
كما أن استقرار العلاقة مع باماكو يخدم المصالح الأمنية والاقتصادية الجزائرية، بالنظر إلى الترابط الجغرافي بين البلدين وإلى أهمية استقرار منطقة الساحل بالنسبة للأمن الإقليمي.
أما مالي، فتستفيد بدورها من إعادة فتح قناة سياسية مباشرة مع الجزائر، خاصة في ظل حاجة المنطقة إلى علاقات حسن جوار وتنسيق إقليمي في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية.

المؤشرات الحالية تسمح بالحديث عن ديناميكية جديدة في العلاقات الجزائرية المالية، وهو توصيف تؤكده أيضًا التغطية الرسمية الجزائرية التي تحدثت عن توجه نحو بناء شراكة جديدة تعكس الإرث التاريخي والأخوي بين البلدين.

وعليه، يمكن اعتبار زيارة عبد الله مايغا بداية لمسار جديد أكثر من كونها نهاية للأزمة. فالطريق نحو استعادة الثقة الكاملة قد يكون بدا اليوم
من بوابة الحوار المباشر، وهي خطوة تكتسب أهمية خاصة في منطقة الساحل التي تحتاج إلى الاستقرار والتنسيق أكثر من أي وقت مضى.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام