200 ألف طن من إضافات البنزين و100 ألف طن من المواد الأساسية لصناعة المنظفات و500 ألف طن من البولي بروبيلين سنوياً؛ قدرات إنتاجية تستهدف الجزائر تطويرها عبر مشاريع صناعية في أرزيو وسكيكدة، ضمن برنامج استثماري يقارب 13 مليار دولار للتكرير والبتروكيماويات حتى 2030.
وتكشف طبيعة هذه المشاريع عن توسيع دور المحروقات في تموين الصناعات الوطنية بالمواد الأولية والوسيطة، وتقليص الاعتماد على الاستيراد، إلى جانب إنتاج مشتقات قابلة للتصدير.
وتأتي هذه الاستثمارات ضمن تحول في النشاط الصناعي لمجمع سوناطراك، الذي يوسع حضوره في الصناعات التحويلية المرتبطة بالنفط والغاز، بالتوازي مع تطوير أنشطة الاستكشاف والإنتاج. وقد أعاد تقرير نشرته منصة Africa Business Insight الدولية يوم 19 أكتوبر 2026 تسليط الضوء على هذه المشاريع، ضمن قراءة لبرنامج الاستثمارات الجزائرية البالغ 71.6 مليار دولار، والذي عرضه وزير الدولة، وزير المحروقات والمناجم محمد عرقاب، أمام البرلمان يوم 17 أكتوبر.
وتبرز خصوصية البرنامج في طبيعة المنتجات المستهدفة، إذ لا تقتصر المشاريع الجديدة على زيادة إنتاج البنزين والمازوت، بل تشمل مواد تدخل في تصنيع منتجات صناعية واستهلاكية متعددة. ويمثل هذا التوجه توسعاً من صناعة الوقود إلى تطوير مواد كيميائية وبوليمرات تستخدمها مؤسسات أخرى، بما يمنح الاستثمارات الطاقوية امتداداً مباشراً داخل النسيج الصناعي الوطني.
وفي أرزيو، تجسد وحدة إنتاج MTBE هذا الترابط بين الصناعات النفطية والطلب الوطني على المنتجات الوسيطة. فالمادة التي تبلغ طاقتها الإنتاجية المستهدفة 200 ألف طن سنوياً تستخدم في تصنيع البنزين الخالي من الرصاص، وكانت سوناطراك قد حددت الاكتفاء المحلي منها والتوقف عن استيرادها ضمن أهداف المشروع.
ويسمح توطين هذا النشاط بتوسيع مراحل تصنيع الوقود داخل الجزائر، من معالجة النفط الخام إلى توفير بعض المواد اللازمة لضبط مواصفات البنزين. كما أن إمكانية تصدير الفائض من MTBE، التي تحدثت عنها سوناطراك، تمنح المشروع بعداً تجارياً إضافياً، بشرط توفر كميات تفوق الاحتياجات الوطنية وتستجيب لمتطلبات الأسواق الخارجية.
وفي المنطقة الصناعية نفسها، يبرز مشروع البولي بروبيلين بأرزيو ضمن الاستثمارات التي يمكن أن توفر مدخلات أساسية للصناعات التحويلية الوطنية. ويستهدف المجمع إنتاج 500 ألف طن سنوياً من هذه المادة، انطلاقاً من تحويل البروبان، بما يسمح بتوسيع الاستفادة الصناعية من أحد مشتقات الغاز والنفط.
وتستخدم مادة البولي بروبيلين في تصنيع العبوات والأغلفة البلاستيكية والأنابيب والمنتجات المنزلية وعدد من المكونات الصناعية. ويمنح هذا التنوع في الاستخدامات المشروع أهمية بالنسبة إلى المؤسسات العاملة في التغليف والصناعات الغذائية ومواد البناء والتجهيزات، خصوصاً إذا ترافق الإنتاج المحلي مع منظومة توزيع صناعي منتظمة وأسعار تنافسية.
أما في سكيكدة، فيرتبط مشروع إنتاج الألكيل بنزين الخطي «LAB» بصورة مباشرة بصناعة المنظفات، التي تعتمد على هذه المادة بوصفها مدخلاً أساسياً في تصنيع المواد الفعالة سطحياً. وتبلغ الطاقة الإنتاجية المستهدفة للمشروع 100 ألف طن سنوياً، ضمن برنامج سوناطراك لتوسيع الصناعات البتروكيماوية.
ويعني تطوير هذا النشاط إمكانية توفير مادة وسيطة تحتاج إليها مؤسسات الصناعات الكيميائية محلياً، بما يسمح بتحسين ارتباط قطاع المحروقات بسلاسل الإنتاج اللاحقة. كما يوفر فرصاً للمؤسسات المتخصصة في التركيبات الكيميائية والتعبئة والتغليف والتوزيع، دون أن يعني ذلك بالضرورة الاستغناء الكامل عن جميع المواد المستوردة المستخدمة في صناعة المنظفات.
وتكمن الأهمية الاقتصادية لهذه المشاريع في أنها تستهدف مراحل إنتاج تقع بين استخراج الموارد الطبيعية وصناعة السلع النهائية. فبدلاً من اقتصار علاقة قطاع المحروقات ببقية الاقتصاد على توفير الطاقة، يصبح بإمكانه تزويد المصانع بمواد تدخل مباشرة في عمليات الإنتاج، وهو ما يعمق الروابط بين الصناعات الأساسية والأنشطة التحويلية.
ومن شأن هذا الترابط أن يوفر فرصاً جديدة للمناولة والصيانة والهندسة الصناعية والخدمات اللوجستية، فضلاً عن تشجيع مؤسسات أخرى على الاستثمار في تحويل المواد البتروكيماوية إلى منتجات نهائية. وتتوقف هذه الآثار على توافر الطلب والأسعار المناسبة وشروط التعاقد والتوريد بين المؤسسات الكبرى والمصنعين المحليين.
وفي قطاع الوقود، توفر مصفاة حاسي مسعود الجديدة جانباً مكملاً من هذه المنظومة، من خلال رفع قدرات معالجة النفط الخام بخمسة ملايين طن سنوياً، مع استهداف بدء إنتاج المازوت في أكتوبر 2027. ويساهم هذا المشروع في تعزيز تأمين احتياجات السوق الوطنية، لا سيما مع توجه الجزائر إلى إنهاء واردات هذه المادة بعد توقف استيراد البنزين منذ 2023.
وتكتسب إضافة المصفاة أهمية بالنظر إلى زيادة الطلب المحلي على الوقود، الذي يرتبط بتوسع حركة النقل والنشاط الفلاحي والصناعي ومشاريع البنية التحتية. كما أن توفير منتجات مكررة محلياً يتيح تقليص الحاجة إلى اقتنائها من الأسواق الخارجية، مع تعزيز الاستفادة من الموارد النفطية الوطنية.
وفي المقابل، يبرز اختلاف واضح بين المشاريع الموجهة إلى تأمين الاستهلاك الداخلي والمجمعات المصممة لإنتاج مواد صناعية وسيطة، إذ يستهدف النوع الأول أساساً توفير الوقود، بينما يوفر النوع الثاني منتجات تدخل في تصنيع سلع أخرى. ويمنح الجمع بينهما البرنامج الجزائري بعداً صناعياً يتجاوز زيادة قدرات التكرير وحدها.
ويكشف تقرير المنصة الإفريقية أيضاً أن هذه الاستثمارات تأتي ضمن خطة أوسع لرفع نسبة تحويل وتثمين المحروقات من نحو 30% إلى أكثر من 50% بحلول 2030. ويمثل هذا الهدف انتقالاً مستهدفاً بأكثر من عشرين نقطة مئوية في حصة الموارد التي تخضع للمعالجة والتحويل، بما يتطلب توسعاً في القدرات الصناعية وتوفير إمدادات مستقرة من المواد الأولية.
ولهذا خصص البرنامج 52 مليار دولار لأنشطة الاستكشاف والإنتاج، ضمن إجمالي الاستثمارات البالغ 71.6 مليار دولار، بهدف دعم تطوير الموارد وتأمين الاحتياجات الداخلية والخارجية. وتؤكد هذه التركيبة أن رفع التصنيع يعتمد على استمرار نشاط الحقول القائمة وإدخال موارد جديدة حيز الإنتاج، حتى لا تتحول محدودية المواد الأولية إلى عائق أمام تشغيل الوحدات الصناعية.
ويأتي البرنامج كذلك في مرحلة يشهد فيها الاستهلاك الداخلي للغاز الطبيعي ارتفاعاً. فقد أوردت Africa Business Insight أن استهلاك الجزائر من الغاز بلغ 57.27 مليار متر مكعب في 2025، بزيادة 8.9%، بينما سجل 33.14 مليار متر مكعب خلال الفترة من جانفي إلى جويلية 2026، وهو ما يبرز الحاجة إلى التوفيق بين متطلبات الاستهلاك الوطني والتوسع الصناعي والالتزامات التصديرية.
وتمنح هذه المعطيات أهمية إضافية لتطوير كفاءة استخدام الموارد، خصوصاً أن الغاز الطبيعي لا يؤدي دوراً في إنتاج الكهرباء والتموين المنزلي والصناعي فقط، بل يدخل أيضاً في عدد من العمليات البتروكيماوية وإنتاج المواد الأساسية للصناعة.
وعلى المستوى التجاري، يتيح توسيع إنتاج المواد البتروكيماوية للجزائر تنويع محفظة مبيعاتها ضمن قطاع المحروقات، والاستفادة من أسواق تختلف في طبيعة الطلب عن الأسواق التقليدية للنفط الخام والغاز الطبيعي. كما يمكن لإنتاج المواد الوسيطة محلياً أن يدعم تخفيض واردات بعض الصناعات، بشرط توافر القدرات التحويلية اللازمة لاستيعابها.
أما المشروع المقرر في تركيا لإنتاج البولي بروبيلين، فيمثل امتداداً استثمارياً خارجياً لنشاط سوناطراك في البتروكيماويات. ويختلف أثره المباشر عن منشآت أرزيو وسكيكدة، لكنه يوفر للمجمع حضوراً في سوق صناعية دولية، ضمن تنويع مواقع استثماراته ونشاطاته التجارية.
وبذلك، تبرز مشاريع التكرير والبتروكيماويات الجزائرية باعتبارها استثمارات تهدف إلى ربط إنتاج المحروقات بالصناعة الوطنية، عبر توفير الوقود والمواد الكيميائية والبوليمرات محلياً، وتطوير فرص التصدير. ومع تخصيص نحو 13 مليار دولار لهذه الأنشطة حتى 2030، ستكون مساهمة المشاريع في تقليص الواردات وتزويد المؤسسات الوطنية بالمواد الأولية وتوسيع الإنتاج الصناعي من أبرز النتائج الاقتصادية التي تستهدفها الخطة.
وردة جزائري




