الأولى الشؤون الديبلوماسية الوطني

حين يقترن التاريخ بالحاضر…. العلاقات الجزائرية الإيطالية.. خلّدها الراحل “انريكو ماتيي” وعزّزتها المصالح الاقتصادية

ينعقد في العاصمة الإيطالية روما الجمعة منتدى الحوار المتوسطي الذي انطلق أول مرة عام 2015 ، ووضع في أعلى أجنداته الحوار والتعاون المشترك. وتشارك الجزائر في هذا اللقاء الاستراتيجي بوفد هام يتقدمه وزير الخارجية والجالية الوطنية في الخارج رمطان لعمامرة، مشاركة تحمل في طيّاتها وشائج قوية وعلاقات تاريخية رسخها الراحل “انريكو ماتيي” وعزّزتها العلاقات الاقتصادية التي تحكمها المصالح المتبادلة وقذفت بها أزمة الطاقة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية إلى خانة هامة من التعاون الاستراتيجي المشترك ..

فايزة سايح

بوفد هام يتقدّمه وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، رمطان لعمامرة، ووزير الطاقة والمناجم، محمد عرقاب، تشارك الجزائر في الطبعة الثامنة لمنتدى الحوار المتوسطي رفيع المستوى الذي افتتحت أشغاله رسميا الجمعة 2 ديسمبر بالعاصمة الايطالية، روما. وأوضحت وزارة الخارجية في بيانها ان “الوفد الجزائري سيغتنم فرصة مشاركته ليبرز مساهمات الجزائر في ترقية السلم والازدهار في المنطقة ويطرح رؤيتها بخصوص التطورات التي شهدتها الساحة الدولية مؤخرا ويقترح توصياتها بهدف بناء عالم أفضل”.

منتدى الحوار المتوسطي إطار لتبادل الرؤى..

أطلقت الحكومة الايطالية عام 2015 منتدى الحوار المتوسطي بالشراكة مع المعهد الايطالي للدراسات السياسية الدولية، هذا الملتقى الاستراتيجي دأبت فيه إيطاليا على جمع مسؤولين رفيعي المستوى، من بينهم رؤساء دول ووزراء وممثلين عن منظمات إقليمية ومؤسسات، بصفة سنوية، بهدف ترقية الحوار والتعاون لمواجهة مختلف التحديات التي تواجه الفضاء الأورومتوسطي.

وترى ايطاليا في منتدى الحوارات، الذي أطلقته بأنه فرصة لإعادة البحر الأبيض المتوسط إلى صدر جدول الأعمال الدولية، بغية تحفيز النقاش النشط حول تحدّيات ذات أولوية استراتيجية بالنسبة لإيطاليا، إضافة إلى تشجيع التفكير لتطوير استراتيجية لإعادة إطلاق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، من خلال التعريف المشترك لـ “جدول أعمال إيجابي” للمنطقة.

يشار الى أن منتدى روما يشكل إطارا لتبادل الرؤى حول سبل تحقيق التوازن الإقليمي وتعزيز الشراكات الاقتصادية والتعاون والتنسيق الوثيق بين دول المتوسط في مواجهة التحديات المشتركة لتحقيق الأمن والاستقرار والرخاء في المنطقة.

علاقات متقاربة ومتفرّدة

تشهد العلاقات الجزائرية الإيطالية تقاربا غير مسبوق، خاصة خلال الأشهر الماضية، وقد كانت زيارة وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو للجزائر بتاريخ 28 فيفري 2022 على قدر كبير من الأهمية، لتبلغ مرحلة حاسمة من التعاون بزيارة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى العاصمة روما في ماي المنصرم .

وتأتي الطبعة الثامنة لمنتدى الحوار المتوسطي في وقت تشهد العلاقات البينية ديناميكية كبيرة في العام الحالي جسّدتها زيارة الرئيس تبون إلى روما إلى جانب انعقاد القمة الحكومية المشتركة الرابعة الجزائرية-الإيطالية في شهر جويلية الماضي وانتهت بلقاء على هامش مؤتمر المناخ في مصر بين الرئيس تبون و رئيسة مجلس الوزراء الإيطالي، جيورجيا ميلوني.

ويربط مراقبون التقّارب الجزائري الإيطالي بعدة أسباب منها دواع تاريخية وأخرى أسباب اقتصادية التي زاد الحرب الروسية الأوكرانية والأزمة الدبلوماسية مع مدريد من أهميتها.

هذا ومرّت العلاقات بين الدولتين بعدة مراحل هامة على غرار ميثاق الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقّع في بداية الألفية الثانية في جانفي 2003 الى جانب زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الايطالي كارلو أزيليو شامبي ، يوم الـ27 إلى الـ 28 جانفي 2003 ، وكذا زيارة العمل والصداقة التي قام بها رئيس مجلس الوزراء الايطالي، ماتيو رنزي للجزائر، ديسمبر2014 في الوقت الذي كانت تتولى ايطاليا رئاسة الإتحاد الأوربي وغيرها من المحطات.

“أنريكو ماتيي”..قصة رجل خلّد علاقات روما والجزائر

يقال ان لكل قصة بداية، وبداية قصة العلاقات الجزائرية الإيطالية تعود إلى مئات السنين، فقد شهدت الفترة الممتدة بين القرنين 15 و18 عقد عدة اتفاقات للسلام والتبادل التجاري بين إيالة الجزائر والممالك الايطالية، غير ان المنعرج الحاسم لهذه العلاقة كان خلال الفترة التحريرية.
فإلى جانب الشخصيات الإيطالية المرموقة من مثقفين ومفكريين وسياسيين على غرار ” سالم جوليانو” الايطالي الأصل الذي شارك في الثورة التحريرية المباركة، نجد ان هذه العلاقات نقشها وخلّدها الراحل “أنريكو ماتيي” وفي هذا السياق تكشف عدة مصادر أن هذه العلاقة التاريخية تمخّضت عن العلاقات الوثيقة بين الراحل عبد الحفيظ بوالصوف، و رجل الطاقة الإيطالي، الراحل أنريكو ماتيي. وهذا ما أفاد به المجاهد والدبلوماسي، “أحمد لقرع” في وقت سابق في تصريحات صحفية حين قال ان إيطاليا التي تكبّدت الخسارة بعد الحرب العالمية الثانية وجدت صعوبة في الظفر بمكانة في سوق النفط العالمية التي سيطرت عليها الدول المنتصرة في الحرب. حينها كان أنريكو ماتيي رجل الطاقة والسياسي والمؤسس التاريخي لشركة ” ايني ” ، يبحث عن الوصول إلى مصادر النفط.

بدأت علاقته مع الثورة التحريرية في رحلة قادته الى جمهورية الصين الشعبية، “بينما كان الزعيم الإيطالي على متن الطائرة مغادرا بكين، لاحظ وفدا يحظى باحترام كبير في البروتوكول من قبل الصينيين، ولما سأل عن هوية هذا الوفد المميّز، قيل له بأن هذا وفد الحكومة الجزائرية المؤقتة” فكانت هذه أولى بوادر العلاقة التي ترسّخت بعد ذلك من خلال الصداقة بين الراحل عبد الحفيظ بوالصوف، وبفضله حصلت الحكومة المؤقتة على ملفات لا تقدّر بثمن، اعتمدت عليها في إدارة المفاوضات مع فرنسا في قضية الصحراء والنفط، في مفاوضات إيفيان حسب تصريحات الدبلوماسي والمجاهد احمد لقرع، الذي كشف أيضا ان صديق الثورة الجزائرية، أنريكو ماتيي، فقد حياته في سنة 1962، بسبب دعمه للثورة الجزائرية، حيث اغتيل هو ورئيس بلدية إيفيان، التي احتضنت المفاوضات بين وفد الحكومة الجزائرية المؤقتة والحكومة الفرنسية، والتي توّجت بالتوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار ومن ثم استقلال الجزائر.

وسبق للجزائر التأكيد بأن علاقاتها مع أصدقائها مبنية أساسًا على “الثقة وعلى الكلمة الواحدة والموحدة التي لا تتغير”، مؤكدة أن “ما سجلته الذاكرة الجزائرية إزاء إيطاليا الصديقة هو إيجابي جدا، سواء قبل، أو خلال الثورة التحريرية، مع بداية الاستقلال والى غاية يومنا هذا”.

ورغم رحيل ماتيي الا ان العلاقات الجزائرية الإيطالية مرّت بمراحل كثيرة جعلتها تترسّخ أكثر مع مرور السنين .

نفق التسعينات..” ايطاليا والجزائر الصديق وقت الضيق “

يقال ان” الصديق يعرف وقت الضيق”، وفي أصعب وقت عرفته الجزائر خلال فترة التسعينات الدموية، وجدت الجزائر نفسها وحيدة في مواجهة آلة ارهاب دموي ووسط حصار دولي معلن وغير معلن، باستثناء ” يد العون ” الممدودة من إيطاليا التي خفّفت من عبء وشدة الحصار الدولي .
هذا ما أكّده الرئيس تبون في احد تصريحاته من العاصمة الإيطالية روما، حين قال ” أنه لما دخلت الجزائر في نفق مظلم ودموي في سنوات التسعينات لم نجد إلى جانبنا إلا إيطاليا،” وأشار الرئيس تبون،” إلى أن إيطاليا ساندت الجزائر في أصعب الظروف التي مرّت بها، بما في ذلك في فترة التسعينيات، موضحًا بالقول “فرض علينا حصار جوي قوي، وبري، وكانت الشركة الوحيدة التي كسّرت الحصار هي ايطاليا”.

وذكّر رئيس الجمهورية، أيضا بدعم إيطاليا المالي للجزائر في أزمتها المالية بداية التسعينات، مُشيدا بمواقفها عندما عجزت الجزائر عن تسديد ديونها تجاه صندوق النقد الدولي، ولم يتبق في خزينتنا سوى 300 مليون دولار من خلال فتحها خطوط ائتمان جعلت الجزائريين لا يشعرون بالعزلة”.

فقد حافظت ايطاليا على علاقاتها مع الجزائر أثناء المحنة التي مرّت بها خلال العشرية السوداء في الوقت التي تخلّت فيه عديد الدول الغربية وحتى العربية عن الجزائر وتركتها تواجه وحدها الجماعات الارهابية بل عملت على محاصرتها ومقاطعتها بشكل معلن أو غير معلن.

وكانت ايطاليا قد عبّرت عن تضامنها ودعمها للجزائر حينما كانت تواجه الإرهاب في فترة التسعينات، حيث كانت من أكبر الداعمين لاستقرار الجزائر ونتج عن ذلك تعاونا أمنيا، بحيث لم تكن تبخل بالمعلومات التي تحصل عليها في إطار مكافحة الجماعات الارهابية. ولا تحتفظ الذاكرة الجزائرية بأن ايطاليا كانت تشكل ملاذًا آمنًا للإرهابيين وداعميهم كما لم تكن كذلك تشكل منطلقًا لأعمال عدائية أو دعائية ضدها عكس دول غربية أخرى.

وفي هذا السياق، وصف الرئيس تبون، العلاقات التي تجمع الجزائر بإيطاليا بأنها متينة ومن أقوى العلاقات العربية-الأوروبية في منطقة الحوض المتوسط.

هذه الوقفة الاستثنائية من إيطاليا مع الجزائر خلال أزمتها الخانقة أثبتت مقولة “ان الصديق وقت الضيق” وكذلك كانت إيطاليا.

“طريق الحرير الجديد”.. ومحطات روما والجزائر

هذه العلاقة التاريخية الاستثنائية بين الجزائر وروما، عزّزتها العلاقات الاقتصادية من خلال التبادل التجاري ومشروع” الطريق والحزام ” إلى جانب ملف الطاقة الذي أخذ منحى تصاعدي في التعاون الثنائي عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. يذكر أنه تمثل كل من الجزائر وإيطاليا أهم محطات طريق الحرير الجديد، باعتبار أن الجزائر هي بوابة الصين في إفريقيا وإيطاليا تمثّل بوابة الصين إلى أوروبا وما يكتسيه هذا الخط من أهمية اقتصادية وسياسية بالغة. وإيطاليا تعتبر خطا آمنا لولوج المنتجات الجزائرية والإفريقية إلى أوروبا وهو ما جعل السلطات الجزائرية تفكّر في خلق خط بحري يربط جنوب البحر الابيض المتوسط بشماله.

يشار الى أن الجزائر وإيطاليا يعقدان العزم على التعاون في عدة مجالات منها صناعة السفن والطيران والصناعات الخفيفة، مثل الصناعات الغذائية والأثاث.

هذه الحركية الاقتصادية جاءت لتعزيز العلاقات التاريخية والاستثنائية التي تجمع بين العالمين المتواجدين على ضفتي المتوسط والمتابعين في المواقف المشتركة .

“لولا الجزائر لما كانت الخزانات الإيطالية مملوءة بالغاز في الشتاء”.. الطاقة الرقم الصعب في العلاقات البينية

أثنى الرئيس المدير العام لمجموعة إيني الإيطالية كلاوديو ديسكالزي، على الجزائر وشركة سوناطراك، بعد قرار رفع إمدادات الغاز لإيطاليا، مما أدّى لملئ الخزانات في بلاده بنسبة 95 بالمائة.

وقال سكالوني في كلمة له بمناسبة تدشين مشروع مشترك مع سوناطراك خاص بالطاقة الشمسية: “نشكر سوناطراك، لأنه لولا سوناطراك ولولا الجزائر لم يكن بإمكاننا ملء مخزوناتنا من الغاز للشتاء القادم”، مضيفًا: “نحن لدينا ثقة كبيرة في الجزائر، وفي هذه السنة فقط استثمرنا أكثر من مليار دولار”.

وتابع مدير إيني: “للذين يتساءلون لماذا اختارت الجزائر إيطاليا لتقديم كميات إضافية من الغاز، نقول لهم اختيار الجزائر نابع على الثقة في شريك. لقد استثمرنا كثيرًا في السوق الجزائرية أين كانوا هم عندما نحن وسعنا استثماراتنا؟ الجزائر لديها مكانة خاصة بالنسبة لإيطاليا”.

تصريح يوجز علاقات الجزائر وإيطاليا في مجال الطاقة، فالجزائر تعدّ الشريك الاقتصادي الأول بالنسبة لإيطاليا في القارة الأفريقية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما تعتبر إيطاليا “المستثمر التاريخي” بقطاع الطاقة الاستراتيجي للجزائر منذ 60 عامًا.

وتسيطر الجزائر على سوق يربط أنبوب الغاز العابر للبحر المتوسط (ترانسماد) بين الجزائر وإيطاليا، والذي يربط البلدين منذ سنة 1983 مرورا بتونس، ويمتلك قدرة إمداد تبلغ 33.15 مليار متر مكعب في السنة.

وسمح هذا الأنبوب للجزائر بتصدير 14.8 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى إيطاليا سنة 2020، بزيادة 12% مقارنة بسنة 2019، ما سمح للجزائر بأن تصنف كثاني مورد للسوق الإيطالية بحصة تناهز 22%.

هذا التقارب الجزائري الإيطالي اتّضح بشكل جلي عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية من جهة، عبر مساعي روما لتقليص الاعتماد على الغاز الروسي، مقابل رفع امداداتها من الغاز الجزائري، وهو الاتفاق الذي تمّ بين الدولتين حينما تمّ التوافق على رفع الإمدادات بـ9 مليار متر مكعب بين سنتي 2023 و2024.

هذا الدعم الجزائري لايطاليا في عزّ أزمة الطاقة المحتدمة بإمكان الجزائر الاستفادة من تنمية اقتصادها وبنيتها التحتية ودعم مؤسساتها الصغيرة والمتوسطة من طرف الشريك الإيطالي الذي يمتلك الخبرة والتقنية.

إن التعاون الاقتصادي الذي يأخذ منحى تصاعدي خاص في مجال الطاقة يندرج في سياق العلاقات الاستراتيجية التي تسعى الجزائر لبنائها مع الشركاء الموثوق بهم تظهر روما كشريك اقتصادي استراتيجي ، معزّز بعلاقات تاريخية خلدها صديق الثورة “انريكو ماتيي” وأكّدتها المصالح الاقتصادية.

فايزة سايح

 

بلغة الأرقام وبالتصريحات …علاقات روما والجزائر استثنائية

• تصريح سفير ايطاليا بالجزائر جيوفاني بوغلييس العلاقات الجزائرية الايطالية بانها ” متكاملة 360 درجة”

• حجم التبادلات التجارية
وبلغ الحجم الاجمالي للمبادلات التجارية بين الجزائر وايطاليا سنة 2020 حوالي 6 مليار دولار منها 3.5 مليار دولار صادرات جزائرية نحو ايطاليا (سيما المحروقات) و 2.42 مليار دولار واردات من هذا البلد (خاصة التجهيزات).

• 200 مؤسسة وشركة إيطالية تنشط بالجزائر
تنشط في الجزائر 200 من الشركات والمؤسسات الإيطالية، في قطاعات الأشغال العمومية الكبرى والصناعة. وقدم الرئيس تبون عرض أمام رؤساء الشركات وكبار المستثمرين الإيطاليين عن قانون الاستثمار الجزائري الجديد الذي أقره مجلس الوزراء في 19 ماي الماضي، والذي يتضمن تسهيلات كبيرة لصالح المستثمرين، وامتيازات جبائية وتيسيرا للإجراءات البيروقراطية.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام