تعيش الجزائر لحظة مفصلية وهي تعيد بناء مؤسساتها على أسس عصرية، تَبرز الرّقمنة كأحد أهم رهانات الدولة لضمان الفعالية والشفافية والسيادة. وبينما يشهد العالم سباقاً محموماً نحو التحكّم في البيانات والتكنولوجيا، اختارت الجزائر أن تصنع نموذجها الخاص، المستند إلى سيادتها وإمكاناتها الوطنية.
في هذا السياق، تجسّد الوزيرة المحافظة السامية للرقمنة مريم بن مولود،صوتاً فعليا لمسار وطني غير مسبوق، تمكّنت من خلاله الدولة تحقيق تقدّم استثنائي في ظرف قياسي.
في هذا الحوار الحصري، تكشف بن مولود خبايا هذا التحوّل، وأسس السيادة الرقمية، والبنى التحتية التي وضعت لبناء دولة رقمية قوية، إلى جانب التحدّيات والآفاق المستقبلية. إنّه حوار يفتح نافذة على قلب القرار الرقمي للدولة، ويرسم صورة واضحة عن الجزائر الجديدة التي تتشكّل بخطى ثابتة وواثقة.
شرشال نيوز: كيف تفسّرون هذا التقدّم السريع الذي حقّقته الجزائر في مجال الرقمنة خلال فترة زمنية قصيرة؟
السيدة مريم بن مولود: إنّ هذا التقدّم يعود أولاً إلى الاهتمام الكبير والمتابعة المباشرة التي يوليها فخامة رئيس الجمهورية عبد المحيد تبون لهذا الملف. هذا الدّعم المستمر مكّن، بفضل الله، من تحقيق مشاريع ملموسة ورفع العديد من التحدّيات. لقد ساهمت رعاية رئيس الجمهورية في إزالة العقبات وتهيئة البيئة الملائمة للإنجازات التي نشهدها اليوم، انسجاماً مع تعهّداته.
فمنذ إنشاء المحافظة السامية للرقمنة في سبتمبر 2023، باشرنا العمل مباشرة لتنظيم الهياكل وتوظيف الكفاءات ووضع إستراتيجية محكمة التي تمّ المصادقة عليها لتكون خريطة طريق لانطلاق الأشغال منذ الأيام الأولى، و حيث بدأت الإدارة الرسمية للمشاريع في أفريل 2024، أي بعد ستة أشهر من التأسيس. خلال هذه الفترة، قمنا بهيكلة العمل واستكمال كل المتطلبات اللازمة للانطلاقة.
نحن نعتمد أساساً على الإرادة السياسية القوية للسلطات العليا وفي مقدّمتها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لدفع عملية الرقمنة والتحوّل الرقمي. فحتى مع توفر الموارد البشرية والتقنية، فإن غياب الإرادة السياسية يجعل تحقيق الأهداف أمراً صعباً. وهذه الإرادة كانت حاسمة في تسريع وتيرة الإنجاز.
كما نعتمد أيضاً على كفاءات الشباب المتخرجين من المدارس والجامعات الكبرى المتخصّصين في علوم الحاسوب والرقمنة، إضافة إلى خبرات من قطاعات كانت قد بدأت بالفعل خطوات رقمية مهمة.
شرشال نيوز: ذكرتم أن الجهود كانت سابقاً قطاعية ومنفصلة. لماذا أصبح الربط البيني بين القطاعات ضرورة ملحّة اليوم؟
السيدة مريم بن مولود : في السابق، كان كل قطاع يعمل بشكل منفصل، مستخدماً أدواته وقواعد بياناته الخاصة، ما أدّى إلى تشتّت البيانات، تكرارها، وأحياناً عدم اتساقها. أما اليوم، فإن اتخاذ قرارات صائبة ووضع سياسات عامة فعّالة يتطلبان بيانات منظمة وموحّدة وموثوقة.
لهذا يؤكّد رئيس الجمهورية دائماً أن قابلية التشغيل البيني بين القطاعات هي السبيل الوحيد لضمان انسيابية البيانات وتوحيد السياسات العامة والقطاعية.
ومنذ أفريل 2024، بدأنا في وضع الأسس التنظيمية والتقنية اللازمة لتأمين إدارة فعّالة لمشاريع الرقمنة، وهي خطوة محورية لضمان السيادة الرقمية.
ش.ن: في ظل هذا السياق، كيف تُعرّفون السيادة الرقمية بالنسبة للجزائر؟
السيدة مريم بن مولود : السيادة الرقمية لا تعني الاكتفاء باستخدام نسبة معيّنة من الأنظمة أو الحلول الأجنبية، كما يحدث أحياناً في بعض النماذج. الهدف أعمق من ذلك بكثير: هو بناء منظومة وطنية متكاملة تُدار بالكامل بقدرات محلية، وتضمن تحكّماً شاملاً بالبيانات والبنى التحتية الرقمية التي أصبحت جاهزة أو عملية اليوم، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويحمي مصالح الدولة .
ش.ن: وفيما يتعلق بإدارة البيانات وأمنها، كيف تضمنون بقاءها ضمن الإطار القانوني ومنع أي استغلال غير مشروع لها؟
السيدة مريم بن مولود : نحن اليوم في مرحلة دقيقة وحاسمة تتطلّب أن ترافق الأنظمة الحكومية عملية التطوير، خصوصاً فيما يتعلّق بالوصول إلى البيانات واستغلالها لاتخاذ القرارات. هدفنا ليس تبادل البيانات بشكل عشوائي، بل بشكل منظم وآمن.
علينا أن نعرف بدقّة كيف تنتقل البيانات من هو المرسل من هو المتلقي؟ ما هو المسار الذي تسلكه؟ وما الضمانات التي تمنع أي تسريب أو استخدام غير قانوني؟
هذه المبادئ أساسية لحماية المعلومات وتنظيم تداولها بشكل يضمن عدم خروج أيّ معطى عن الإطار القانوني والمؤسساتي
ش.ن: وما هي الآليات التي اعتمدتموها لحوكمة البيانات وحمايتها؟
السيدة مريم بن مولود: حماية البيانات تبدأ بتنظيمها. ولهذا أنشأنا المنصة الوطنية لحوكمة البيانات، وهو نظام ضخم يتيح نقل البيانات من مصدرها إلى وجهتها النهائية بشكل آمن، مهما كان نوعها أو نمط انتقالها.
ويتضمن هذا النظام منظومة أمنية متكاملة تُطبق أولاً على طبقة الشبكة ثم على المنصة بأكملها.
نحن نعمل بتنسيق وثيق مع الوكالة الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية، التي تملك إستراتيجية وطنية للأمن السيبراني وتعمل حالياً على إعداد قانون خاص بأمن المعلومات و التعاون بيننا دائم ومتبادل، بهدف رفع مستويات الأمن إلى أقصى حدّ، ليس فقط فيما يخصّ الوصول إلى البيانات، بل أيضاً لمراقبة الأشخاص المخوّل لهم التعامل معها.
لقد أسّسنا نظاماً وطنياً آمناً لحوكمة البيانات، يضمن سيادة الدولة على معلوماتها، ويتيح تدفّق البيانات بسلاسة عبر منصة وطنية موحدة (النظام الوطني للتبادل البيني بين القطاعات).
وإلى جانب ذلك، يجري تحديث الإطار القانوني، من خلال مدوّنة رقمية جديدة ستصدر قريباً لتعزيز الترسانة التشريعية الحالية.
ش.ن: ماذا عن البنى التحتية والخدمات المقدّمة للقطاعات؟
السيدة مريم بن مولود : تمتلك الجزائر اليوم شبكة وطنية سيادية عالية التدفّق تربط كل القطاعات بمراكز البيانات الوطنية. وقد أنشأنا مراكز بيانات سيادية بمعايير تقنية عالية، إضافة إلى سحابة عمومية مؤمّنة.
ستة قطاعات حيوية تمّ ربطها بالفعل، فيما يجري ربط بقية القطاعات بالتدريج. ولتخفيف الأعباء الإدارية وتسريع التحوّل الرقمي، نوفّر السحابة السيادية مجاناً بالكامل، دون أيّ إجراءات معقّدة. نقرة واحدة عبر الشبكة السيادية تكفي للحصول على بيئة رقمية جاهزة للعمل.
هذا يوفر وقتاً وجهداً وميزانيات ضخمة كانت تُستهلك في المناقصات والصفقات الطويلة والمكلفة.
ن: ما هو وضع البوابة الوطنية للخدمات العمومية الرقمية؟
السيدة مريم بن مولود : أطلقنا مرحلة تجريبية تضمّ 51 خدمة رقمية من بين الأكثر طلباً: الحالة المدنية، السجل العدلي، العقار، السكن وغيرها. لم نبدأ بعدد كبير عمداً، حرصاً على ضمان قاعدة تقنية صلبة.
واليوم، بفضل هذه القاعدة، نستعد لإضافة مئات الخدمات الجديدة خلال الأشهر المقبلة.
ش.ن: وأخيراً، هل المواطن الجزائري، خصوصاً الشباب، مستعد لهذا التحوّل الرقمي الكبير؟
السيدة مريم بن مولود : أكيد. فالشباب الجزائري يتميّز بشغف كبير بالرقمنة وفضول معرفي، وقدرة عالية على التكيّف. وقد وظّفنا عدداً كبيراً من المهندسين والمتخصصين من خريجي الجامعات والمدارس الكبرى، وهم يشكّلون المحرّك الأساسي لهذا التحوّل الوطني.
الصحفية :
شكراً لكم سيدتي الوزيرة على هذا الحوار الغني والدقيق.
السيدة مريم بن مولود : أشكركم. فالرقمنة مشروع وطني جامع، يشارك فيه الجميع من أجل خدمة الجزائر.
بورتريه السيدة مريم بن مولود… الوزيرة المحافظة السامية للرقمنة
في قلب التحول الرقمي الذي تعيشه الجزائر، يبرز اسم مريم بن مولود كأحد أبرز الوجوه النسوية التي جمعت بين الكفاءة التقنية، الصرامة الإدارية، والرؤية الاستراتيجية. فهي ليست مجرد مسؤولة تتقلّد منصباً حكومياً، بل مهندسة تعرف تفاصيل التكنولوجيا وأبعادها، وقائدة تحمل مشروع دولة تعمل على إعادة رسم علاقتها بالرقمنة والسيادة الرقمية.
من قاعات الجامعة إلى مراكز القرار
وُلدت مريم بن مولود في 17 جويلية 1980، ونشأت على قيّم العمل والانضباط. وبعد مسار دراسي متميّز، تخرجت سنة 2005 من جامعة العلوم والتكنولوجيا هواري بومدين كمهندسة دولة في الإعلام الآلي، لتبدأ رحلتها المهنية بخطوات ثابتة داخل مؤسسات الدولة.من مهندسة شابة بالوكالة الوطنية لمسح الأراضي، إلى مديرة مركزية ومسؤولة عن أنظمة الإعلام في قطاع أملاك الدولة، أثبتت بن مولود قدرة استثنائية على إدارة الملفات التقنية المعقدة، وقيادة فرق عمل متعددة، ووضع حلول عملية في بيئات إدارية تحتاج إلى التجديد.
مسار صاعد بثقة وكفاءة
تولّت عبر السنين مناصب حساسة في منظومة التسيير الرقمي، من رئاسة مكتب مركزي لأنظمة الإعلام، إلى مديريات فرعية ثم مركزية، ثم منصب مديرة أنظمة المعلومات والاتصال بوزارة المالية سنة 2021.
إلى جانب مهامها التنفيذية، كانت عضوة فاعلة في عدة هيئات وطنية، منها:
المجلس الوطني للإعلام الجغرافياللجنة الوطنية لتبسيط الإجراءات الإدارية
المجلس الوطني لتحسين مناخ الأعمال
وهي هيئات ساهمت من خلالها في تحديث الإدارة وتطوير بيئات العمل الحكومية.من الوزارة إلى المفوضية السامية… ثقة ومسؤولية
في مارس 2023، عُيّنت وزيرة للرقمنة والإحصائيات، وهو منصب جسّد الاعتراف الرسمي بمسيرتها وكفاءتها.
وفي سبتمبر 2023، أسندت إليها مهمة انشاء المحافظة السامية للرقمنة برتبة وزيرة، لتقود واحداً من اضخم المشاريع في الجزائر




