افتتاحية شرشال نيوز الأولى الاجتماعي الوطني تحاليل وآراء

حرائق الغابات… عندما تصبح الصورة أخطر من ألسنة اللهب

لم تعد حرائق الغابات مجرد تهديد يمس البيئة وسلامة المواطن، بل تحولت إلى أحد أبرز التحديات التي تلامس مفهوم الأمن القومي بمختلف أبعاده. فمع تزايد عدد الحرائق خلال السنوات الأخيرة، وتزامنها مع موجات الحر القياسية، لم يعد النقاش يقتصر على أسباب اندلاع النيران أو سبل إخمادها، بل امتد ليشمل سؤالًا أكثر عمقًا يتعلق بكيفية إدارة المعلومة، ودور الإعلام في مرافقة الأزمات، ومدى جاهزية المجتمع لمواجهة موجة الأخبار والصور التي ترافق كل كارثة.
إدارة المعلومة… المعركة التي تبدأ مع اندلاع الحريق

في زمن المنصات الرقمية (فيسبوك، انستغرام ، تيك توك)، لم تعد الحرائق تشتعل في الغابات فقط، بل تمتد إلى الفضاء الإعلامي الرقمي. فخلال دقائق، تتحول مئات الصور ومقاطع الفيديو والمنشورات إلى مصدر رئيسي للمعلومة بالنسبة للرأي العام، بغض النظر عن مدى دقتها أو سياقها الزمكاني. وهنا يبرز التحدي الحقيقي للإعلام الوطني، الذي لم يعد دوره يقتصر على نقل الخبر، وإنما أصبح مطالبًا بإدارة المعلومة، والحد من تضارب الروايات، وتقديم صورة متوازنة تعكس حقيقة ما يجري في الميدان، بما في ذلك حجم الخسائر، والجهود المبذولة لإخماد الحرائق، وعمليات التدخل والإجلاء.

حين تتحول الإثارة إلى وقود للأزمة

تؤكد التجارب أن تصاعد مشاعر الخوف والذعر لا يرتبط بحجم الكارثة وحده، وإنما أيضا بطريقة تقديمها إعلاميًا. فبعض المضامين المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تبني سرديات تقوم على الإثارة والتهويل، وتدفع بالرأي العام إلى الانشغال بالمشاهد الصادمة أكثر من الاهتمام بالوقائع كما هي.
والإشكال الأكبر يظهر عندما تنساق بعض وسائل الإعلام، ولو من دون قصد، إلى إعادة إنتاج هذا الخطاب، فتتبنى لغة أقرب إلى “الإعلام الفيسبوكي”، حيث تتقدم سرعة النشر وعدد المشاهدات على حساب الدقة والتحليل و تنوير الرأي العام.
ويتجلى ذلك في تداول جملة من المقاطع الغير المكتملة من بينها مقاطع تُظهر وسائل إطفاء بسيطة (بدائية) أو مشاهد معزولة لمحاولات التدخل، وكأنها تعكس المشهد كاملاً، بينما تغيب الصورة الشاملة التي توثق حجم الإمكانات التي سخرتها الدولة لمواجهة حرائق الغابات، من خلال تجنيد مختلف الأسلاك، وتعزيز الجاهزية العملياتية للحماية المدنية ومصالح الغابات، وتوظيف وسائل حديثة للرصد والإنذار المبكر، من بينها الطائرات دون طيار، ضمن استراتيجية وطنية لإدارة المخاطر الكبرى.

الحرب على المعنويات… وجه آخر للأزمات

ان المعلومة غير الدقيقة، كما الصورة المجتزأة، قد تتحول إلى عامل يضاعف آثار الأزمة، لأنها تؤثر في معنويات المجتمع وثقته.
وفي عالم اليوم، لم تعد الحروب تستهدف الحدود فقط، بل أصبحت تستهدف الإدراك الجمعي للمجتمعات، من خلال نشر الخوف، وإضعاف الثقة في المؤسسات، وإثارة الارتباك داخل الجبهة الداخلية. ولذلك، فإن معركة الوعي أصبحت جزءًا من معركة الأمن القومي، لا تقل أهمية عن المعركة الميدانية.

الذكاء الاصطناعي… تحديات جديدة للمعلومة

يزداد هذا التحدي مع الانتشار المتسارع للمحتوى المنتج بتقنيات الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح قادرا على إنتاج صور ومقاطع فيديو يصعب التمييز بينها وبين المحتوى الحقيقي. وفي ظل ضعف ثقافة التحقق من الأخبار، وعدم قدرة وسائل الاعلام الإلكترونية على خلق فضاء اعلامي قوي في ظل ماتعانيه من نقائص، تتحول هذه المواد إلى أرضية خصبة للإشاعات والتأويلات.
كما أن نشاط بعض المواقع الإخبارية والحسابات والمنصات الإلكترونية التي تدار من خارج الوطن، وتستهدف الرأي العام الجزائري بمحتوى مضلل، يجعل من الأمن الإعلامي أحد مكونات الأمن القومي، ويؤكد أن مواجهة الحرائق لم تعد تقتصر على إخماد النيران، بل تشمل أيضا حماية الفضاء المعلوماتي والإعلامي من حملات التضليل.

الإعلام… شريك في إدارة الأزمة

لهذا، فإن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح شريكا استراتيجيا في إدارة الأزمات. فالمهنية اليوم تقتضي تقديم المعلومة الدقيقة في وقتها، والتصدي للأخبار الزائفة، وإبراز الجهود الميدانية بمسؤولية، مع تحقيق التوازن بين حق المواطن في المعرفة وضرورة الحفاظ على الاستقرار المجتمعي، بعيدا عن الإثارة أو التهويل.

بناء ثقافة الوقاية

ولا يمكن أن تتحقق هذه المعادلة دون بناء ثقافة مجتمعية تقوم على الوعي والوقاية، وهو ما يتطلب تكامل أدوار الإعلام، والمدرسة، والجامعة، والمؤسسات الدينية (المساجد و الزوايا)، ومختلف فواعل المجتمع المدني، لترسيخ السلوك المسؤول تجاه الغابة، وتشجيع ثقافة التبليغ عن كل الممارسات التي تهدد الثروة الغابية، سواء بإشعال النيران، أو قطع الأشجار، أو رمي النفايات.
فالمعركة هنا ليست فقط مع الحرائق، بل مع الثقافة التي تحيط بالغابة، ومع الطريقة التي تُنتج بها المعلومة وتُتداول داخل المجتمع.

الوعي… خط الدفاع الأول

إن اختزال حرائق الغابات في بعدها البيئي وحده لم يعد كافيا لفهم طبيعة هذا التحدي. فالأزمة اليوم تتجاوز ألسنة اللهب لتشمل الفضاء الإعلامي والنفسي، حيث يمكن للصورة المضللة أن تثير من الخوف ما قد لا تفعله النيران نفسها.
ومن هنا، يصبح الاستثمار في الإعلام المهني لاسيما الإلكتروني، وتعزيز الثقافة الإعلامية الإلكترونية، وترسيخ الوعي المجتمعي، خيارا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الاستثمار في وسائل الإطفاء والوقاية. فالدول لا تحمي غاباتها بالمعدات وحدها، وإنما تحميها أيضا بمجتمع واعٍ، وإعلام مسؤول، ومعلومة دقيقة، ومواقع اخبارية إلكترونية نشطة في الساحة الإعلامية و الفضاء المعلوماتي.
لأن أخطر ما تخلفه الحرائق ليس دائما ما تحرقه النيران، بل أحيانا ما تزرعه الصورة في العقول من خوف، وإحباط، وفقدان للثقة. وهذه هي المعركة التي ينبغي كسبها بالتوازي مع معركة إخماد الحرائق.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام