يتّجه تكتل”بريكس” الذي يضمّ الدّول صاحبة أسرع نمو اقتصادي عالميا، إلى فتح أبوابه للجزائر ، التي قدمت طلبا رسميا للانضمام للمجموعة التي تضم أبرز الاقتصادات الصاعدة وهي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا ، وفي أولى مؤشرات القبول رحبت روسيا والصين اللتان تعدان من ركائز التكتل بانضمام الجزائر. وإن تحقّق فعليا لحاقها بركب ” نادي الكبار” تكون الجزائر قد سجلت نجاحا استراتيجيا هاما وبارزا، خاصة في ظل التجاذبات التي تطغى على الساحة الدولية..
فايزة سايح
تجمع مختلف الدراسات والتقارير على أن العالم يمرّ في الفترة الراهنة بتحوّلات عميقة في بنية النظام العالمي، وأصبح يتحرّك تحرّكا حثيثا نحو مزيد من التكتلات الاقتصادية الكبرى، والانضمام الى هذه التكتلات أضحى ضرورة للدول لمواجهة مختلف التحديات. في هذا الشأن أكّد الخبراء أن دواع اهتمام الجزائر بالانضمام إلى هذا التكتل الاقتصادي، مرتبط أساسا بالعلاقات الدولية والحسابات الإستراتيجية والتحالفات بالنظر إلى ما يشهده العالم من تحولات جيوسياسية، خاصة وأن هذه المجموعة تسعى لايجاد توازانات جديدة في العالم عبر تعزيز التعاون الاقتصادي. وقد أخذت البريكس اهتماما أكبر من السابق بعد الحرب الأوكرانية والاتجاه نحو تكتلات جيو-سياسية وجيو-اقتصادية أو جيو-استراتيجية. برزت أهمية البريكس خصوصا بعد الاجتماع الأخير الذي ضمّ تقريبا عشرين دولة بينهم السعودية، الجزائر، إندونيسيا، وماليزيا، وأصبحت هذه المنظمة تضاهي وتوازي منظمات مثل مجموعتي السبع والعشرين”.
مجموعة بريكس.. تسجّل أعلى معدلات نمو اقتصادي في العالم
تحوّل ” البريكس “في غضون سنوات قليلة إلى تكتل اقتصادي عالمي هام ، حيث بات يسجّل أعلى معدلات نمو اقتصادي في العالم، ويساهم بنسب كبيرة من نمو الاقتصاد العالمي .
وهو منظمة دولية مستقلة، تضم عدد من الدول على درجة من التنظيم ولكن يؤسس على فكرة التعاون في الأمور الاقتصادية والسياسية .
وكانت روسيا هي التي شرعت في إنشائها، ففي 20 سبتمبر 2006 تم عقد أول اجتماع وزاري للمجموعة بدعوة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتمثل دول بريكس 40% من مساحة العالم، وتسهم بـ 25 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، بينما يبلغ عدد سكانها نحو 40% من سكان العالم،. ومن المتوقع بحلول عام 2050 أن تنافس اقتصادات هذه الدول، اقتصاد أغنى الدول في العالم حالياً، حسب مجموعة غولدمان ساكس البنكية العالمية.
وتكشف الأرقام أن البريكس تصدّر 24 بالمئة من صادرات العالم و40 بالمئة من الطاقة، في وقت يقارب فيه عدد سكانها 40 بالمئة (3 مليارات نسمة) من مجموع سكان العالم، يعيشون فوق ثلث اليابسة، كما أنها أنشأت “البنك الجديد للتنمية” لتحقيق توازن في السياسة النقدية والمالية العالمية ، التي باتت تمتلك ما مجموعه 200 مليار دولار.
تلك المعطيات الهامة والهائلة في آن واحد، جعلت من البريكس قوة اقتصادية وجيوإستراتيجية وديمغرافية واعدة بوتيرة نموّ متصاعدة، يمثل الانتماء إليها حلم دول كثيرة.
تشكلت النواة الأولى لما بات الآن يعرف بدول بريكس عام 2001، من طرف البرازيل وروسيا والهند والصين، وكانت تسمى حينها دول “بريك”، ثم انضمت لها جنوب أفريقيا لتحمل اسم ” بريكس” .
الجزائر …في مساع للبحث عن شراكة “رابح – رابح “
كشفت المقابلة الإعلامية التي جمعت رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بوسائل الإعلام نهاية جويلية الماضي عن أولى رغبات الجزائر في الانضمام للبريكس وأضاف تبون أن الجزائر لديها معظم الشروط المطلوبة للانضمام إلى مجموعة بريكس، بدوره صرّح وزير الخارجية رمطان لعمامرة في مؤتمر صحفي عقده في التاسع من أكتوبر الماضي، بأن للجزائر القدرة على تقديم قيمة مضافة إلى مجموعة بريكس.
هذه التصريحات جاءت لتؤكد أن الجزائر في مساع حثيثة للبحث عن تحالفات اقتصادية وسياسية جديدة تعود عليها بالنفع وفق قاعدة ” رابح – رابح ” ، تكون بديلة لـ “اتفاق الشراكة” مع الاتحاد الأوروبي، الذي أثبت الواقع فشله بعد 17 سنة من تطبيقه.
وفي أولى ردود الفعل على الطلب الجزائري بالانضمام قالت الصين على لسان وزير خارجيتها وانغ يي أن الجزائر بلد ناشئ كبير وممثل للاقتصادات الناشئة، مبرزة أنها ترحب بانضمامها لعائلة بريكس، كما أكدت استعدادها للعمل مع الجزائر، من أجل لعب دور بناء في تحقيق السلام والتنمية العالمية. من جهتها، ردّت روسيا التي تعدّ إحدى دعامات البريكس بالايجاب عن الطلب الجزائري، وكان السفير الروسي في الجزائر فاليريان شوفايف قد قال في وقت سابق إن روسيا لا تعترض على انضمام الجزائر إلى مجموعة بريكس”.
مقوّمات وإمكانيات الجزائر
تُدرك الجزائر جيدا حجم إمكانياتها وتسعى بالتوازي مع ذلك لمعالجة النقائص، وفي هذا الإطار تسعى إلى رفع الدخل القومي بشكل يمكّنها من الانضمام إلى مجموعة بريكس وهي تعمل في هذا الاتجاه، فهي تعمل على تنويع الصادرات خارج المحروقات و قد كشفت سعيها لتصدير 7 مليارات دولار من منتجات خارج الهيدروكربونات بنهاية 2022، مما يؤهلها للانضمام إلى بريكس.
وبالموازاة من ذلك تمتلك الجزائر عديد الامكانيات التي تؤهلها للانضمام لتكتل البريكس ، وعلاوة على الثروات الطبيعية التي تزخر بها ، فالجزائر تتربع على موقع جغرافي استراتيجي قريب من القارة الأوروبية و يعدّ بمثابة بوابة للقارة السمراء .
كما أن الجزائر دولة متحررة من الديون الخارجية، ولها احتياطي جيد من العملة الصعبة يفوق الـ44 مليار دولار، وهي ثالث دولة من حيث احتياطي الذهب بـ 173 طنا إلى جانب ثروات طبيعية ومعدنية كبرى .
منافع انضمام الجزائر إلى البريكس
عديد الخبراء أكدوا ان انضمام الجزائر لتكتل بريكس سيحمل معه عدة منافع وفوائد ، فهذا التكتل الخماسي يضم قوة مالية واقتصادية تضاهي أوروبا الغربية في الحجم التجاري والناتج الداخلي. ويمكن للجزائر الاستفادة منه في توثيق الصلة مع حليفين تاريخيين وشريكين يؤتمن جانبهما في عدة مجالات، هما الصين وروسيا إضافة إلى تعزيز أواصر التعاون والشراكة مع أحد أقطاب القارة الأفريقية وهي جنوب إفريقيا، والبرازيل التي تعدّ قوة اقتصادية في أمريكا اللاتينية، إضافة الى الهند بما تشكّله من ثقل اقتصادي وسياسي في المنطقة الاسياوية. وبالتالي الانضمام إلى المجموعة يمكن الجزائر من الظفر بشركاء متعددين في مختلف قارات العالم، فالصين التي هي أكبر اقتصاد في العالم والهند وهي ثالث اقتصاد في العالم ثم روسيا التي هي أكبر مصدر للطاقة في العالم”. وهذه الدول لا ترى في نهوض الاقتصاد الجزائري اي تهديد لمصالحها.
يضاف إلى هذا من بين المنافع المأمول الحصول عليها عقب الانضمام لتكتل البريكس هي التسهيلات التجارية والاقتصادية خاصة وان هناك استفادة استراتيجية للتجارة والأنظمة المالية والنقدية العالمية خلال السنوات المقبلة.
وعلى وقع الأزمات مع الدول الأوروبية على غرار الأزمة مع اسبانيا والعلاقات المتأرجحة مع فرنسا، ستتمكّن الجزائر من خلال البريكس من توسيع قاعدتها الاقتصادية ونفوذها السياسي، فالصين مثلا هي أكبر مستورد للطاقة في العالم وهذا يعني أنها قادرة على استيعاب كل صادرات الجزائر من الغاز والنفط، كما أن بإمكانها أن تخصّص جزءا من استثماراتها لصناعة النفط والغاز الجزائريين.
و يمكن للجزائر من الاستفادة من خبرات دول البريكس استنادا إلى مقوماتها الجغرافية وشساعة مساحتها في التحوّل من مستورد رئيسي للقمح والمواد الغذائية إلى دولة قادرة على تأمين أمنها الغذائي وتصدير الفائض إلى العالم”.
كما سيسمح الانضمام بتعزيز مبدأ عدم الانحياز الذي تنتهجه الجزائر في ظل تغيّر المعطيات الدولية بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
ميناء شرشال، غار جبيلات ، ومشاريع استراتيجية اخرى
إضافة الى العلاقات التاريخية التي تجمع بين الجزائر والصين وروسيا ، يبرز بشكل جلي التعاون الاقتصادي بين هذه الدول فروسيا تعتبر حليفا إستراتيجيا هاما للجزائر من الناحية العسكرية، كما تجمعها مع الجزائر علاقة استراتيجية ، حيث بلغت قيمة التجارة بين موسكو والجزائر العام الماضي فقط 3 مليارات دولار. وعلى غرار التعاون مع موسكو ، فتحت الجزائر أبوابها لزيادة التبادل التجاري مع الصين، ووقّعت معها عدّة اتفاقيات شراكة آخرها مشروع منجم غار جبيلات الضخم ، دون اغفال أنّ الصين تقود مبادرة “الحزام والطريق” أو ما يسمى طريق الحرير الجديد ، التي تُتيح للدول الناشئة ومن بينها الجزائر بدفع عجلة التنمية لديها بعيدا عن القروض الغربية المشروطة، بحسب رؤية بكين التي تراهن هنا على ميناء الوسط بالحمدانية في شرشال للوصول إلى الأسواق الأفريقية.
وإضافة إلى تعزيز الشراكة الاقتصادية، تتجّه الجزائر الى توقيع مشاريع جديدة في قطاعات الفلاحة والمناجم والثروات الباطنية، ونقل الخبرة والتكنولوجيا، واستحداث اتفاقيات تفاضلية والاستفادة من تمويلات جديدة، والنهل من تجارب هذه الدول في التنمية، مع إحداث نقلة صناعية سريعة.
ومن خلال هذا يتّضح أن الاندماج ضمن “البريكس ” أضحى بمثابة فرصة مهمة للجزائر يجب اغتنامها خاصة بعد فشل تجارب الشراكة مع عدد من الدول الأوروبية إلى جانب المفاوضات المتعثرة مع منظمة التجارة العالمية، وبالتالي فإن الانضمام سيكون بمثابة خطوة للاستثمار الاقتصادي في إطار الشراكة وفق قاعدة “رابح- رابح”.
فايزة سايح




