في ظل التحوّلات الجذرية التي يشهدها النظام الدولي، تكتسي منطقة الساحل الأفريقي أهمية متزايدة في الحسابات الجيوسياسية للقوى الكبرى، بعدما ظلّت لعقود تُعامل كمنطقة هامشية في التفاعلات الدولية. إلا أن هذه النظرة قد تغيّرت جذريًا، حيث باتت المنطقة تمثّل اليوم مسرحًا جيوستراتيجيا مفتوحا لصراع النفوذ، وتقاطعات المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية، وسط أوضاع داخلية شديدة الهشاشة، وتحديات أمنية وتنموية متفاقمة.
أمن الساحل.. بين الإدراك الجيوسياسي والمقاربات القاصرة
لم تعد منطقة الساحل الأفريقي مجرد رقعة جغرافية تعاني من التهميش، بل أصبحت امتدادًا حيويًا للأمن القومي للعديد من الفاعلين الدوليين والاقليميين. هذا الواقع الجيوسياسي الجديد يفرض على دول المنطقة أن تتعامل مع قضايا الأمن من خلال رؤية استراتيجية شاملة، تتجاوز المنظور العسكري الضيّق، نحو مقاربة تنموية تعالج جذور الأزمات، وتؤسس لبناء مؤسساتي جديد، يقوم على العدال و المساواة بين مختلف المكوّنات المجتمعية، وتعزيز السيادة الوطنية.
المقاربة الجزائرية اتزان لانظير له
وفي الوقت الذي تتسابق فيه القوى الكبرى لترسيخ نفوذها في المنطقة، تبرز الجزائر كنموذج للدولة التي تسعى إلى تقديم مقاربة متوازنة، تقوم على الحوار السياسي، والتنمية المستدامة، وتكامل الأبعاد الأمنية والاقتصادية والثقافية، بما يخدم الأمن القومي الأفريقي ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي.
فوضى الانقلابات وتنامي الفواعل غير الدولتية
ما تشهده منطقة الساحل من انقلابات متكرّرة، وصعود الجماعات المسلحة، وتفاقم التدخلات الأجنبية، يعكس بوضوح غياب الوعي الاستراتيجي لدى بعض النخّب السياسية، التي ما تزال تدور في فلك المصالح الذاتية الضيّقة، وتتعاطى مع التحوّلات الدولية بذهنيات تقليدية، غير قادرة على قراءة المتغيرات أو التكيّف معها. وهو ما أدى إلى تفكيك مؤسسات الدولة، وزيادة الاعتماد على الخارج، وإضعاف فرص التنمية المستدامة.
لقد أثبتت التجربة أن المعالجة الأمنية الخالصة، بمعزل عن الأبعاد التنموية والاجتماعية، لم تفلح إلا في تعقيد المشهد، بل وأسهمت – في كثير من الأحيان – في تعميق الأزمات، وفتح المجال أمام فواعل غير دولتيه لملء الفراغ، في ظل هشاشة الدولة، وضعف الثّقة بين المواطنين والسلطات، وانعدام مبدأ تساوي الفرص.
نحو نموذج تنموي أفريقي مستقل
الحاجة اليوم ماسّة إلى قيادة أفريقية تمتلك وعيًا استراتيجيًا قادرًا على بلورة سياسات وطنية مستقلة، تعزز من السيادة، وتوظف الموارد الطبيعية والبشرية في مشاريع تنموية تنهض بالمجتمعات، وتحصّنها من التدخلات الخارجية. وفي هذا السياق، لا بد من تبني رؤية الاتحاد الأفريقي في الإصلاح السياسي والتكامل الاقتصادي، وتعزيز آليات الحوكمة الرشيدة، بما يُعيد الثقة بين الدولة والمواطن، ويؤسس لنموذج تنموي أفريقي مستقل، يضع مصلحة الشعوب في صلب أولوياته.
إن إفريقيا اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة دورها في النظام الدولي، من خلال تنويع شراكاتها، وتبني دبلوماسية متعددة الاتجاهات، تستثمر موقعها الجغرافي الاستراتيجي وثرواتها الهائلة، لا بوصفها عبئًا، بل كمحرّك رئيسي للنهوض وصناعة القرار.
ضرورة الانتقال من التبعية إلى الفاعلية
إن التحدي الأكبر الذي يواجه النخب الأفريقية ليس فقط في مكافحة الفقر والتخلّف، بل في كسر دائرة الجهل الاستراتيجي، والخروج من موقع التبعية إلى موقع الفاعلية. فمستقبل القارة لن يُبنى بقرارات تُتخذ خارج حدودها، بل بإرادة سياسية وطنية، تستند إلى وعي تاريخي ومعرفي راسخ، يدرك أن الأمن والازدهار لا يُمنحان من الخارج، بل يُنتزعان من الداخل، عبر بناء مؤسسات قوية، واقتصاد تنافسي، ومجتمعات متماسكة.
إن منطقة الساحل الأفريقي، بما تحمله من فرص وتحديات، تمثّل اليوم اختبارًا حقيقيًا لقدرة النخب السياسية والفكرية في القارة على تجاوز منطق التبعية، وبناء مسار مستقل يحقّق الأمن والتنمية لشعوبها. ولا سبيل إلى ذلك إلا عبر الوعي الاستراتيجي، الذي يشكّل حجر الزاوية لأي مشروع نهضوي أفريقي، يرنو إلى غدٍ تُكتب فيه قصة القارة بيد أبنائها، لأجل مستقبل يصنعه الأفارقة بأنفسهم، ويليق بطموحات شعوبهم.
مهدي الباز




