لا يمكن قراءة ما تشهده مياه البحر الأبيض المتوسط اليوم على أنه مجرد موجات عادية من المهاجرين الباحثين عن ضفة أمل جديدة بعيدًا عن يابسة المملكة المخزنية، بل نحن أمام ظاهرة سياسية بالغة الخطورة تستدعي تفكيكًا متأنيًا لخلفياتها وأبعادها الخفية. ذلك أن توقيت هذه الموجة وحجمها غير المعتاد يتقاطعان زمنيًا مع محطة سياسية دقيقة في العلاقات الأورومتوسطية، مما يستدعي طرح السؤال: لماذا الآن تحديدًا؟
السياق الذي يفسّر التوقيت
فالمشهد الرهيب لآلاف المهاجرين المغاربة ليس حدثًا معزولًا، بل يتقاطع زمنيًا مع تحولات جذرية تشهدها العلاقات الأورومتوسطية، والمتجهة نحو صياغة شراكات جديدة قائمة على المصالح المتبادلة بين الدول ذات السيادة، وفي مقدمتها الجزائر التي تثبت يومًا بعد يوم حضورها كقوة إقليمية صاعدة ذات سيادة. فقد استطاعت الجزائر، خلال الأشهر القليلة الأخيرة، بناء شراكات قوية ذات بعد استراتيجي مع كل من إيطاليا وألمانيا وتركيا، فضلًا عن إعادة تفعيل علاقات الشراكة مع إسبانيا، عبر مجموعة من التفاهمات والاتفاقيات المبرمة خلال الزيارة الأخيرة لرئيس الحكومة الاسباني، بيدرو سانشيز إلى الجزائر. وهذا التقارب هو ما يمنح موجة الهجرة بعدها السياسي؛ فهي لا تأتي في فراغ، بل في لحظة تعيد فيها مدريد ترتيب أولوياتها الإقليمية جنوبًا مع شريك استراتيجي موثوق.
الآلية التي تُوظَّف بها الهجرة
وفي هذا السياق، تبرز تحركات الرباط نموذجًا لتوظيف الملفات الإنسانية في الصراعات الجيوسياسية؛ إذ يعكس استغلال ورقة الهجرة والمهاجرين كفزّاعة للضغط على العواصم الأوروبية أسلوبًا في إدارة الأزمات عبر الابتزاز السياسي، من خلال التحكم في وتيرة الرقابة الحدودية، رفعًا وخفضًا، بحسب مقتضيات كل محطة تفاوضية مع الجانب الإسباني، وهو ما ظهر جلايا لقوات الأمن المغربية وهي تساعد آلاف المغاربة للوصول الى المناطق الحدودية مع إسبانيا.
وتعيش حكومة بيدرو سانشيز تبعات هذه السياسات غير الأخلاقية، إذ يجد رئيس الحكومة الإسبانية نفسه محاصرًا بضغوط مزدوجة يغذيها تصعيد اليمين المتطرف الساعي إلى استثمار الأزمات الحدودية لإحراج الائتلاف الحاكم وتقويض استقراره السياسي، بما يجعله غير مستعد لاتخاذ خطوات أكثر عملية مع الشريك الاستراتيجي في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، وهو الجزائر.
هذا ما تخشاه الرباط من هذا التقارب
وتتضح معالم هذا الابتزاز أكثر حين نتأمل ما يهدده التقارب الجزائري الإسباني من مصالح مباشرة للرباط؛ فهذا التنسيق يسعى إلى الارتقاء بالعلاقات الثنائية، ويهدد بفضح الحسابات الإقليمية الضيقة للمملكة في المنطقة المغاربية، والمتمثلة في استمرار التوسع على حساب إقليم الصحراء الغربية، واستغلال الطلب المتزايد على الطاقات المتجددة عبر جلب الشركات متعدد الجنسيات خاصة الأوروبية منها إلى الإقليم، بما يضفي شرعية زائفة على احتلاله للأراضي الصحراوية. ومن هنا تصبح ورقة الهجرة أداة ضغط مزدوجة الغرض؛إرباك مدريد من جهة، وصرف الانتباه عن هذه الحسابات الاستعمارية من جهة أخرى.
إذ يلجأ النظام المغربي، في تعاملاته مع الجار الأوروبي، إلى افتعال الأزمات الحدودية ودفع أحزاب أقصى اليمين في إسبانيا إلى الواجهة لابتزاز الحكومة الإسبانية، محاولًا عرقلة أي تقارب إقليمي جاد، وتخفيف وطأة انكشافه الاستراتيجي جراء احتضانه للكيان الإسرائيلي، وهو الاحتضان الذي لا ينحصر أثره في الخارج، بل يمتد إلى الداخل المغربي نفسه، من خلال السيطرة على دواليب السلطة والعبث بمؤسسات الدولة، بما يجعلها دولة وظيفية في المنطقة تخدم أجندات توسعية خطيرة.
البعد الداخلي لهذا الانكشاف
ويأتي هذا التصعيد في وقت باتت فيه المنطقة الغربية من شمال إفريقيا أكثر عرضة للانفلات الأمني، لا سيما مع تسلل النفوذ الإسرائيلي إلى مفاصل القرار داخل المملكة عبر مستشارين ذوي عقيدة صهيونية يعبثون بالتوازنات الداخلية ويغرقون المؤسسة الحاكمة في صراعات جانبية على حساب قضايا الشعب الحقيقية، الذي لم يعد قادرًا على العيش في ظل هذا النظام الصهيومغربي. وهكذا تبدو الأزمة مع إسبانيا مجرد انعكاس خارجي لأزمة داخلية أعمق في مسار القرار المغربي ذاته.
إن ممارسة دبلوماسية الضغط عبر” فزّاعة الهجرة” الموجهة إلى أوروبا بأسرها تؤكد أن التنافس الجيوسياسي الذي تقوده الرباط بات يتخلى عن أبسط القواعد الأخلاقية في العلاقات الدولية، وفي ممارسة السياسة الخارجية، وهو ما يفنّد تمامًا ادعاءات المخزن بالتزامه بالقيم والمبادئ الدبلوماسية في محيطه الإقليمي والدولي. وهذا الابتزاز، في نهاية المطاف، لا يستهدف إسبانيا وحدها، بل يسعى تحديدًا إلى لطم مسار التقارب الجزائري الإسباني من جهة والجزائري الأوروبي من جهة أخرى والذي بات يزعج حسابات الرباط الإقليمية.
ويبقى الرهان في هذا التوقيت بالذات قائمًا على مدى وعي الحكومة الإسبانية وتمسكها بخياراتها الاستراتيجية في مواجهة هذه الابتزازات السياسية، وعدم الانجرار وراء مخططات تفكيك المنطقة وتأجيج أزماتها لصالح أجندات خارجية تستهدف أمن واستقرار إسبانيا مستقبلا.
مهدي الباز




