الأولى الوطني تحاليل وآراء

المفكر التونسي محسن الخوني لـ”شرشال نيوز”: الأمير عبد القادر قدّم نموذجًا إنسانيًا عالميًا للتعايش قبل عصره

في عالمٍ باتت فيه قيمُ «العيش المشترك» من أعقد القضايا التي تُرهق الواقع الإنساني، تبدو الإجابات الحاسمة نادرةً ومراوغة. فكلما بحثت المجتمعات عن السلام، اصطدمت بأسئلة الهوية والعدالة وكيفية إدارة الاختلاف؛ وهنا تبرز الفلسفة لا كترفٍ فكري، بل كضرورة لفهم المعضلات التي تجعل الاستقرار هدفًا بعيد المنال.

وفي قلب هذا المخاض الحضاري، يسطع اسم الأمير عبد القادر؛ لا بوصفه رمزًا للمقاومة فحسب، بل كصاحب مشروع إنساني وفلسفي صوفي استبق عصره في فهم العلاقة بين الشعوب والأديان.

إن التأمل في تجربة الأمير يقودنا إلى استكشاف نموذج حضاري ملهم، قادر على تقديم أجوبة حيّة للعالم اليوم، لا سيما في الفضاءين المغاربي والإفريقي، وسط زخم الأزمات والانقسامات الطائفية التي تشهدها العديد من الدول. فحين نستحضر سيرة الأمير في منفاه، نجد حكيمًا امتلك بصيرة نافذة في ذروة الأزمات.

ففي دمشق سنة 1860، استطاع هذا الرجل الجزائري المسلم أن يفعل ما عجزت عنه القوى السياسية آنذاك؛ فبلا جيش أو سلاح، أوقف فتنة طائفية كادت أن تتحول إلى وصمة عار في تاريخ البشرية، حين فتح أبواب بيته وقصر «باكما» والمساجد المجاورة لإيواء نحو 15 ألف مسيحي، مجسدًا بذلك أسمى قيم الأخلاق والفروسية والإنسانية.

وفي هذا الشأن، تفتح جريدة “شرشال نيوز” نافذة على فكر وفلسفة الأخلاق والقيم عند الأمير عبد القادر، بإجراء هذا الحوار مع المفكر التونسي محسن الخوني؛ لنغوص معه في فهم الأسس الفكرية التي اعتمدها الأمير في معالجة أزمات العيش المشترك ونبذ الأفكار الهدامة.

-شرشال نيوز: بداية بروفيسور محسن الخوني، بعيداً عن السير الذاتية الأكاديمية الجافة، كيف يحب “محسن الخوني” المفكر والإنسان أن يقدم نفسه للقارئ الجزائري؟

– بروفيسور محسن الخوني: لا أحب أن أعرّف نفسي بالألقاب أو بالمناصب، فهي مراحل في حياة الشخص وليست هويته. أفضّل أن أقدّم نفسي بوصفـي باحثًا شغوفًا بالفلسفة، أؤمن بأن وظيفتها ليست إنتاج أجوبة نهائية، وإنما تنمية القدرة على التفكير الحر والنقدي، وعلى فهم الناس، أفرادا ومجموعات، في تعقيداتهم. وقد قادتني هذه القناعة إلى الاهتمام بالفلسفة الأخلاقية والفلسفة السياسية وتاريخ الأفكار، وإلى البحث في معايير الحياة المشتركة داخل المجتمعات قديمها وحديثها.

ما يشدني في الفكر ليس الدفاع عن هوية ضد أخرى، ولا تمجيد حضارة على حساب أخرى، وإنما البحث عما يمكن أن يجعل البشر، على اختلاف ثقافاتهم وأديانهم وتاريخهم، أكثر قدرة على التفاهم والاعتراف المتبادل. لذلك وجدت نفسي أقرأ فلاسفة الأنوار كامتداد لفلاسفة الإغريق والمسلمين، كما أقرأ ابن خلدون والفارابي وابن باجة والأمير عبد القادر وغيرهم من أعلام تراثنا، لا باعتبارهم رموزًا جامدة، بل بوصفهم شركاء في حوار إنساني متواصل حول الحرية والعدالة والكرامة.

وإذا أردت أن أقول للقارئ الجزائري شيئًا عن نفسي، فسأقول إنني لا أنظر إلى الجزائر من موقع الجار فقط، بل من موقع الشريك في فضاء مغاربي جمعته الجغرافيا والتاريخ والثقافة، وما يزال في حاجة إلى أن يكتشف عناصر وحدته الفكرية والإنسانية أكثر مما يكتفي باستحضار ذاكرته المشتركة.. وأعتقد أن مهمة المتفلسف، كما أراها في نفسي، ليست المساهمة في مزيد انقسام العالم بل المساعدة على فهم أسباب الانقسام ويفتح إمكانات جديدة للتعايش السلمي.

-شرشال نيوز: لماذا نحتاج اليوم إلى “الفلسفة الأخلاقية والاجتماعية” كمدخل أساسي لفهم الصراعات الطائفية والعرقية؟ وهل أخفقت المقاربات السياسية والأمنية وحدها في احتواء هذه النزاعات؟

– بروفيسور محسن الخوني: في تقديري، لا يمكن فهم الصراعات الطائفية والعرقية بالاقتصار على المقاربة السياسية أو الأمنية، لأن هذه الصراعات ليست مجرد تنافس على السلطة أو المصالح، بل هي أيضًا أزمات في منظومة القيم، وفي صورة الإنسان عن نفسه وعن الآخر، وفي معنى التعايش والتواصل. فعندما يُختزل الإنسان في انتمائه الديني أو المذهبي أو العرقي، ويُنظر إلى الاختلاف باعتباره تهديدًا للوجود لا مصدرًا لإثراء الموجود، يصبح العنف نتيجة محتملة، مهما بلغت كفاءة المؤسسات السياسية أو الأمنية.

لهذا لا ينبغي أن تُفهم الفلسفة الأخلاقية والاجتماعية على أنها خطاب مثالي منفصل عن الواقع، بل هي بحث في الشروط التي تجعل الحياة المشتركة ممكنة. فهي لا تطرح فقط سؤال: كيف تُدار الدولة أو تُوزَّع السلطة؟ وإنما تطرح سؤالًا أسبق وأعمق” ما الغاية من السياسة؟ وما القيم التي تمنحها مشروعيتها؟ وكيف يمكن أن تظل السلطة في خدمة المواطن لا أن تحوله إلى مجرد أداة لخدمتها؟”

وأعتقد أن هيمنة المقاربات السياسية والأمنية في معالجة هذه القضايا تعود، إلى حد بعيد، إلى تأثير تيار مهم في الفلسفة السياسية الحديثة يُعرف بالواقعية السياسية، وهو تيار شدد على استقلال السياسة عن الأخلاق، ورأى أن منطق الدولة تحكمه اعتبارات القوة والمصلحة قبل أي اعتبار آخر. ولا شك أن هذا الاتجاه أسهم في تطوير الفكر السياسي وفي فهم آليات السلطة والدولة، لكنه لا يمثل الحقيقة الوحيدة، ولا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه الأفق النهائي للتفكير في السياسة.

وفي المقابل، ظل هناك تقليد فلسفي عريق يرفض هذا الفصل الحاد بين الأخلاق والسياسة. نجده عند فلاسفة اليونان والفلاسفة المسلمين واستمرّ إلى فلسفة الأنوار التي أعادت الاعتبار إلى الحرية والكرامة الإنسانية، كما نجده في الفكر المعاصر لدى فرانز فانون ومن خلال لاهوت التحرير وفلسفة التحرير وأخلاق التحرير، ولا سيما عند إنريكي دوسيل، الذي جعل من الإنسان المهمش والمقصي نقطة الانطلاق لكل تفكير أخلاقي وسياسي. فالسياسة، من هذا المنظور، لا تستمد مشروعيتها من قدرتها على إدارة القوة فحسب، بل من قدرتها على توجيه القوة نحو خدمة الإنسان وتحقيق العدالة.

ولهذا نجد أن كثيرًا من الشخصيات التي ارتبطت في الذاكرة الإنسانية بحركات التحرر لم تكن تتحرك بدافع سياسي مجرد، بل انطلقت من التزام أخلاقي سابق على الفعل السياسي نفسه. وهذا ما نلمسه، مع اختلاف المرجعيات، في تجربة تشي غيفارا، وفرانز فانون، ونيلسون مانديلا، وغيرهم من المناضلين الذين لم يكن نضالهم مجرد سعي إلى تغيير موازين القوى، بل كان، قبل ذلك، دفاعًا عن الكرامة الإنسانية، والحرية، والمساواة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وما منح هذه التجارب بعدها الإنساني هو أنها تجاوزت حدود المصالح المباشرة لتتجه نحو مصلحة أعم، يمكن التعبير عنها بقيم الإنسانية والأخوة والعدالة.

ومن هنا أميل إلى القول إن الأخلاق تسبق السياسة من حيث المعيار لا من حيث التاريخ، فهي التي تحدد الغايات الكبرى التي ينبغي أن تتجه إليها السياسة، بينما تتولى السياسة البحث عن الوسائل الواقعية لتحقيقها. وعندما تنفصل السياسة عن هذا الأفق الأخلاقي تتحول إلى مجرد إدارة للمصالح وموازين القوى، أما عندما تستلهم قيم الإنسانية والكرامة والأخوة والعدالة، فإنها تصبح مشروعًا لبناء مجتمع أكثر إنصافًا واستقرارًا.

لذلك فإن التحدي الحقيقي في عالمنا اليوم ليس في إخضاع السياسة للأخلاق أو في الفصل التام بينهما، بل في إعادة بناء العلاقة بينهما على نحو يجعل الأخلاق تمنح السياسة معناها الإنساني، وتجعل السياسة تُترجم تلك القيم إلى مؤسسات وقوانين وسياسات عامة تحفظ كرامة الإنسان، وتصون الحريات، وتعزز الثقة بين المواطنين، وتفتح آفاقًا أرحب للتعامل والتواصل.

ولعلني أختصر موقفي كله في عبارة واحدة: السياسة تجيب عن سؤال: كيف نحكم؟ أما الأخلاق فتجيب عن سؤال أسبق: لماذا نحكم، ولصالح من؟ فإذا غابت الإجابة عن السؤال الثاني، فقدت الإجابة عن السؤال الأول جزءًا كبيرًا من معناها.

 -شرشال نيوز: كيف يمكن استحضار فكر الأمير عبد القادر اليوم في معالجة أزمات العيش المشترك التي تعرفها بعض المجتمعات الإفريقية والمغاربية؟

– بروفيسور محسن الخوني: أعتقد أن استحضار فكر الأمير عبد القادر لا يعني البحث في تراثه عن حلول جاهزة لمشكلات لم يعرفها عصره، وإنما يعني العودة إلى المبادئ التي وجَّهت مواقفه، ثم التفكير في كيفية الإفادة منها في سياقاتنا الراهنة. فالفكر الكبير لا يعيش لأنه يجيب عن كل الأسئلة، بل لأنه يساعدنا على طرح الأسئلة الصحيحة.

ومن هذا المنطلق، فإن الأمير عبد القادر لا يلفت انتباهنا فقط بوصفه قائدًا للمقاومة الجزائرية، وإنما أيضًا بوصفه صاحب رؤية أخلاقية وروحية وفكرية استطاعت أن تجعل من الاختلاف الديني والثقافي مجالًا للاعتراف المتبادل لا سببًا للإقصاء. وهذه، في تقديري، هي الرسالة التي ما تزال تحتفظ براهنيتها.

إن كثيرًا من الأزمات التي تعرفها بعض المجتمعات المغاربية والإفريقية لا ترجع إلى التنوع في حد ذاته، فالتنوع حقيقة تاريخية وثقافية لازمت هذه المجتمعات منذ قرون، وإنما تنشأ عندما يتحول التنوع إلى انقسام، وعندما تصبح الهويات المغلقة أهم من المواطنة، وتُستغل الانتماءات الدينية أو الإثنية أو القبلية في الصراع على السلطة والثروة والنفوذ.

وهنا تكمن أهمية الأمير عبد القادر. فهو لم ينظر إلى الاختلاف باعتباره تهديدًا ينبغي القضاء عليه، بل باعتباره معطى إنسانيًا ينبغي تنظيمه أخلاقيًا وسياسيًا. وكان وعيه الديني، المستند إلى التصوف الإسلامي، يرسخ فكرة أن كرامة الإنسان لا تسقط باختلاف الدين أو الأصل، وأن القوة الحقيقية لا تُقاس بالقدرة على إقصاء الآخر، بل بالقدرة على صون حقه في الحياة والكرامة. وهذا ما يمنح تجربته بعدًا يتجاوز ظروفها التاريخية الخاصة.

غير أن أفضل تكريم يمكن أن تقدمه الأمم لرموزها التاريخية ليس أن تحيطهم بهالة من التقديس، وإنما أن تجعل أفكارهم موضوعًا للتفكير والنقد والإبداع. فالرموز العظيمة لا تكبر بالاحتفال بها وحده، وإنما بقدرتها على الدخول في حوار دائم مع أسئلة الحاضر. ومن هذا المنظور، فإن تحويل الأمير عبد القادر إلى رمز وطني جامع أمر مفهوم ومشروع، لكن قيمته تزداد عمقًا عندما يُنظر إليه أيضًا باعتباره شخصية إنسانية أسهمت في إثراء التراث الأخلاقي العالمي.

ولهذا فإن استحضار الأمير اليوم لا يعني استعادة الماضي، بل استعادة سؤال ما يزال مطروحًا علينا جميعًا: كيف نبني مجتمعًا يعترف بالتعدد من دون أن يتحول إلى الانقسام؟ وكيف نجعل من الهوية مصدرًا للتعارف لا ذريعة للإقصاء؟ وكيف نجعل من المواطنة إطارًا جامعًا لا يُلغي الخصوصيات الثقافية والدينية، بل يضمن احترامها في ظل المساواة أمام القانون؟

إنني أعتقد أن هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن أن نتعلمه من الأمير عبد القادر. فهو لا يدعونا إلى تكرار تجربته، وإنما إلى استلهام روحها، أي إلى الإيمان بأن السياسة لا تستغني عن الأخلاق، وأن الهوية لا تكتمل إلا بالانفتاح على الآخر، وأن كرامة الإنسان ينبغي أن تظل المبدأ الأعلى الذي تنتظم حوله الدولة والمجتمع والعلاقات بين البشر. وعندما نقرأ الأمير عبد القادر بهذه الروح، فإنه لا يعود ملكًا للذاكرة الجزائرية وحدها، بل يصبح أحد الأصوات الإنسانية الكبرى التي ما تزال قادرة على إلهام عالم يبحث، أكثر من أي وقت مضى، عن أسس جديدة للتعايش السلمي.

 -شرشال نيوز: هل تعتقد أن العالم المعاصر، في ظل تصاعد خطابات الكراهية، يعيش حالة “يتم فكري” تتطلب استعادة نماذج عالمية كالأمير عبد القادر لمواجهة هذا التفكك؟

– بروفيسور محسن الخوني: لا أعتقد أن العالم المعاصر يعيش حالة يُتم فكري بالمعنى الدقيق للكلمة، لأن الأصوات الداعية إلى السلم في إطار الحوار الاعتراف والتسامح لم تنقطع، بل ربما لم يسبق أن كثرت المواثيق الدولية، والمؤسسات المدنية، والخطابات المدافعة عن حقوق الإنسان كما هو الحال اليوم. لذلك فالمشكلة ليست في غياب الأفكار أو في ندرة النماذج الأخلاقية.

المشكلة، في تقديري، تكمن في أن هذه الأفكار تجد نفسها اليوم في مواجهة منظومات إعلامية واقتصادية وسياسية تمتلك قدرة هائلة على تشكيل الوعي الجماعي. فالعالم يعيش تحت تأثير أجهزة دعائية متطورة، لا تكتفي بنقل الأخبار أو المعلومات، بل تعمل على صناعة الصور الذهنية، وتوجيه الانفعالات، وإعادة تشكيل الإدراك الجماعي بما يخدم مصالح سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية. وفي مثل هذا المناخ، تصبح خطابات الكراهية أكثر قدرة على الانتشار، لأنها تخاطب الخوف والهوية الجريحة والانفعال، بينما يحتاج الخطاب الأخلاقي إلى زمن للتفكير والتأمل والنقاش.

ومن المفارقات الكبرى أننا نعيش عصر الاتصال الكوني بامتياز، لكن هذا الاتصال لا يعني بالضرورة ازدهار الحوار الفكري. لقد أصبحت الصورة أسرع انتقالًا من الفكرة، والانفعال أسرع انتشارًا من البرهان، والشعار المختصر أكثر تأثيرًا من الحجة العقلانية. وهكذا أصبحنا نتبادل الأحاسيس قبل أن نتبادل الأفكار، ونتفاعل مع المشاهد أكثر مما نتفاعل مع المعاني.

وقد انعكس هذا التحول على مفهوم الثقافة ذاته. فالثقافة، في معناها الكلاسيكي، كانت تقوم على القراءة والتكوين والتأمل والحوار وتنمية الحس النقدي. أما اليوم فقد أصبحت، في جانب غير قليل منها، خاضعة لمنطق السوق ولآليات التسويق، ولثقافة “المؤثرين”، حيث تُقاس قيمة الخطاب بعدد المتابعين والمشاهدات أكثر مما تُقاس بعمقه أو بإسهامه في بناء الوعي. ولا أقول هذا بدافع الحنين إلى الماضي أو رفض الوسائط الرقمية، فلكل عصر أدواته، ولكن لأن سرعة تداول المعلومات لا تعني بالضرورة إنتاج معرفة أعمق أو حكمة أوسع.

في هذا السياق، تكتسب الشخصيات التاريخية الكبرى، ومنها الأمير عبد القادر، أهمية خاصة. وليس ذلك لأننا نفتقد النماذج الأخلاقية، بل لأننا في حاجة إلى إعادة إدماج هذه النماذج في النقاش العمومي بوصفها مصادر للتفكير، لا مجرد رموز للاحتفال أو للتعبئة الوطنية. فالأمير عبد القادر لا يهمنا لأنه شخصية من القرن التاسع عشر، وإنما لأنه يقدم مثالًا على إمكانية الجمع بين قوة الفعل السياسي وسمو الالتزام الأخلاقي، وبين الوفاء للهوية والانفتاح على الإنسانية.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس نقص الرموز أو غياب الأفكار، وإنما ضعف الثقافة النقدية القادرة على استيعاب هذه النماذج، وإعادة قراءتها، وتحويلها إلى قوة تربوية وأخلاقية في مواجهة خطابات التعصب والكراهية. فالأمم لا تتقدم بكثرة الرموز التي تحتفي بها، وإنما بقدرتها على تحويل تراثها الفكري والأخلاقي إلى جزء من وعيها الحاضر ومن مشروعها للمستقبل.

ولعل هذا ما يدعونا إلى إعادة الاعتبار لدور الفلسفة والثقافة في المجال العام. فهما لا تقدمان حلولًا تقنية للمشكلات، لكنهما تساعدان المجتمع على التمييز بين ما هو نافع وما هو مضلل، وبين ما يخدم الإنسان وما يستغله، وبين الاختلاف الذي يثري الحياة المشتركة، والانقسام الذي يقود إلى العنف.

وأختصر هذه الفكرة في مفارقة أراها معبرة عن عصرنا: لقد نجح العالم في تعميم وسائل الاتصال لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في تعميم وسائل الفهم. لقد أصبح الوصول إلى المعلومة أسهل من أي وقت مضى، لكن الوصول إلى الحكمة لم يصبح أسهل بالضرورة. ومن هنا تظل الحاجة قائمة إلى مفكرين وتجارب إنسانية كبرى، لا لكي نكررها، بل لكي نتعلم منها كيف نفكر في حاضرنا ونبني مستقبلًا أكثر إنسانية.

 -شرشال نيوز: ما الذي جعل تجربة الأمير تتجاوز بعدها التاريخي والزمني لتتحول إلى “مرجعية أخلاقية وإنسانية عالمية” تتقاطع مع القيم الكونية؟

– بروفيسور محسن الخوني: أعتقد أن تجربة الأمير عبد القادر تجاوزت زمانها ومكانها، لا لأنها انفصلت عن سياقها التاريخي، بل لأنها استطاعت أن تحوّل تجربة وطنية خاصة إلى تجربة إنسانية ذات دلالة عامة. والقائد السياسي أو البطل الوطني لا يصبح تلقائيا مرجعًا أخلاقيًا يتجاوز حدود بلده، فالذي يمنح التجربة هذا الامتداد هو قدرتها على التعبير عن قيم يتعرف فيها الإنسان، مهما اختلفت ثقافته أو دينه أو وطنه، عن الانسانية كقيمة القيم.

والأمير عبد القادر لم يكتسب هذه المكانة بسبب موقف واحد، على عظمته، وإنما لأن ذلك الموقف كان التعبير العملي عن رؤية متكاملة للإنسان والعالم. فقد جمع في شخصيته بين قائد المقاومة، ورجل الدولة، والفقيه، والمتصوف، والمربي، ولذلك لم تكن الأخلاق عنده مجرد مواعظ تُقال في أوقات السلم، بل كانت مبدأ يوجّه الفعل السياسي والإنساني في أشد لحظات الصراع. وعندما جاءت لحظة الامتحان، لم يتصرف على خلاف مبادئه، بل تصرف وفقها، ولهذا بقيت تجربته حية في الذاكرة الإنسانية.

وفي تقديري، لا ينبغي أن نفهم عالمية الأمير عبد القادر على أنها تعني خروجه من ثقافته أو اقترابه من منظومة قيم جاءت من خارجها. بل على العكس، إن ما يمنحه هذه المكانة هو أن تجربته الإسلامية، بما تحمله من عمق روحي وأخلاقي، التقت مع قيم إنسانية يتقاسمها البشر على اختلاف حضاراتهم، مثل الكرامة والعدل وحماية الإنسان واحترام الاختلاف والوفاء بالعهد. فهذه القيم ليست ملكًا لحضارة بعينها، وإنما هي ثمرة إسهامات متعددة شاركت في بنائها حضارات وثقافات وأديان مختلفة.

ومن هنا فإنني أتحفظ قليلًا على الفكرة التي تجعل القيم الكونية وكأنها تصدر عن مركز حضاري واحد ثم تنتشر إلى بقية العالم. فالكونية، في معناها الفلسفي، ليست تعميمًا لخصوصية ثقافية، وإنما هي ثمرة حوار طويل بين التجارب الإنسانية المختلفة. والأمير عبد القادر يمثل، في نظري، إحدى هذه الإسهامات الكبرى التي قدمها الفكر الإسلامي إلى الضمير الإنساني، مثلما أسهمت تقاليد فلسفية ودينية أخرى في بناء هذا التراث الأخلاقي المشترك.

ولذلك أرى أن الأمير يجسد ما يمكن أن نسميه “كونية الهوية” أو “الكونية المنفتحة” فهو لم يتخل عن هويته الإسلامية، ولم ير في الانفتاح على الآخر تنازلًا عنها، بل كان انطلاقه من عمق هويته هو الذي أتاح له أن يعترف بإنسانية المختلف عنه. فالهوية الواثقة لا تحتاج إلى إقصاء غيرها، بل تزداد رسوخًا كلما انفتحت على الحوار والاعتراف المتبادل.

وهنا أود أن أشير إلى فكرة أعتبرها أساسية، وهي أن أفضل تكريم يمكن أن تقدمه الأمم لرموزها التاريخية ليس أن تحيطهم بهالة من التقديس، وإنما أن تجعلهم شركاء في التفكير في قضايا الحاضر. فالرموز العظيمة لا تكبر بكثرة الاحتفاء بها، وإنما بقدرتها على أن تظل مصدرًا للأسئلة والإلهام. ولهذا فإن قيمة الأمير عبد القادر لا تكمن في أنه صفحة مشرقة من تاريخ الجزائر فحسب، بل في أنه يفتح أمامنا أفقًا للتفكير في العلاقة بين الهوية والأخلاق والسياسة والتعايش السلمي.

ولعل هذا هو السبب في أن الاهتمام بالأمير عبد القادر لم يبق حبيس الذاكرة الوطنية الجزائرية، بل أصبح موضوعًا لحوار فلسفي وتاريخي يتجاوز الحدود. فهو لا يدعونا إلى تمجيد الماضي، بل إلى التفكير في سؤال ما يزال مطروحًا على الإنسانية كلها: كيف يمكن للإنسان أن يظل وفيًا لعقيدته وهويته، وفي الوقت نفسه منفتحًا على كرامة الإنسان أينما كان؟ وكيف يمكن أن تتحول الهوية من عامل انغلاق إلى مصدر للانفتاح؟

وأعتقد أن هذا هو المعنى الأعمق لتجربة الأمير عبد القادر. فهي لا تقدم لنا نموذجًا تاريخيًا نكرره، بل تقدم لنا مبدأً أخلاقيًا نستأنس به في مواجهة أسئلة الحاضر. ولذلك فإن حضوره لا يعود إلى كونه شخصية من القرن التاسع عشر، بل إلى كونه شاهدًا على حقيقة ما تزال راهنة: أن السياسة تبلغ أسمى معانيها عندما تستنير بالأخلاق، وأن الهوية تبلغ أسمى معانيها عندما تنفتح على الإنسانية.

-شرشال نيوز: بروفيسور، أنت متخصص في الفلسفة؛ هل تعتقد أن “النزعة الصوفية” في فكر الأمير هي التي منحت موقفه في دمشق ذاك البعد الإنساني المتعالي؟ وهل الفكر الصوفي قادر اليوم على تقديم حلول لمعضلاتنا الراهنة؟

– بروفيسور محسن الخوني: في تقديري، لا يمكن فهم موقف الأمير عبد القادر في دمشق سنة 1860 فهمًا عميقًا إذا عزلناه عن تكوينه الروحي والفكري. ولا أقصد بذلك أن التصوف وحده يفسر هذا الموقف، فالأمير كان أيضًا فقيهًا، وعالمًا بالشريعة، ورجل دولة، وقائدًا سياسيًا وعسكريًا. غير أن النزعة الصوفية منحت شخصيته بُعدًا خاصًا، لأنها جعلت علاقته بالإنسان تتجاوز الانتماءات الضيقة إلى أفق أخلاقي وروحي أرحب.

ففي التصوف الإسلامي، في أفضل تجلياته، لا يُنظر إلى الإنسان أولًا من خلال دينه أو مذهبه أو أصله، وإنما من خلال كونه مخلوقًا مكرمًا. ولذلك لم يكن إنقاذ الأمير للمسيحيين في دمشق خروجًا عن عقيدته، بل كان، في نظره، تعبيرًا صادقًا عنها. لقد كان وفيًا لإسلامه لأنه كان وفيًا لإنسانيته، ولم ير أي تعارض بين الأمرين.

ومن هنا، أعتقد أن التصوف يمثل أحد الوجوه المضيئة في التراث الإسلامي، لأنه يذكرنا بأن الدين ليس فقط منظومة أحكام، بل هو أيضًا تربية للنفس، وتهذيب للضمير، وتحرير للإنسان من التعصب والكراهية وحب السيطرة. وهذه الأبعاد، في تقديري، لا تقل أهمية عن الأبعاد الفقهية أو العقدية، بل هي التي تمنحها معناها الأخلاقي.

ولعل من المؤسف أن جزءًا غير قليل من تاريخ المسلمين استُهلك في صراعات مذهبية طويلة بين السنة والشيعة، وبين الاتجاهات الفقهية والكلامية، وأحيانًا أيضًا مع بعض التيارات الصوفية. ولا أعتقد أن هذه الصراعات، مهما كانت جذورها التاريخية، ينبغي أن تستمر في تشكيل وعينا المعاصر. لقد دفعت مجتمعاتنا أثمانًا باهظة بسبب تحويل الاختلاف المذهبي إلى خصومة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية.

ولهذا أرى أن الوقت قد حان للانتقال من منطق الجدل المذهبي إلى منطق التواصل المذهبي، أي إلى بناء دينامية جديدة تقوم على الاعتراف المتبادل والاحترام والتسامح والحوار بين مختلف المدارس الإسلامية، من دون أن يُطلب من أحد أن يتخلى عن قناعاته. فالاعتراف لا يعني الذوبان، والتسامح لا يعني إلغاء الاختلاف، وإنما يعني الإقرار بحق الآخر في أن يختلف، مع المحافظة على وحدة المجال الحضاري والأخلاقي المشترك.

وأعتقد أن التصوف بهذا المعنى يستطيع أن يسهم في هذه الدينامية، لا لأنه يقدم حلولًا سياسية جاهزة، وإنما لأنه يربي الإنسان على فضائل التواضع، ومراجعة الذات، واحترام الآخر، وتقديم المحبة على الكراهية، والحوار على الإقصاء. وهذه قيم تحتاجها مجتمعاتنا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

لكنني، في الوقت نفسه، لا أرى أن التصوف وحده قادر على حل أزمات عالمنا المعاصر. فهذه الأزمات لها أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية معقدة. والتصوف قادر على أن يقدم ما لا تستطيع السياسة وحدها أن تقدمه، وهو إعادة بناء الإنسان من الداخل، لأن كل إصلاح للمؤسسات يظل ناقصًا إذا لم يصاحبه إصلاح للضمير. وبعبارة أخرى، فإن التصوف لا يقدم حلولًا تقنية لمشكلات السياسة، لكنه يقدم الشروط الأخلاقية والروحية التي تجعل تلك الحلول ممكنة.

ولعل هذا هو الدرس الأعمق الذي تقدمه لنا تجربة الأمير عبد القادر. فهي لا تدعونا إلى أن نصبح متصوفة بالمعنى التاريخي للكلمة، وإنما تدعونا إلى استعادة البعد الروحي والأخلاقي للدين، وإلى إدراك أن قوة الإيمان لا تُقاس بحدة الخصومة مع المخالف، وإنما بالقدرة على إنصافه واحترام كرامته والاعتراف بإنسانيته.

وأحسب أن مجتمعاتنا المغاربية والإفريقية، بما عرفته من تداخل تاريخي بين المدارس الفقهية والتقاليد الصوفية، تمتلك رصيدًا حضاريًا مهمًا يمكن أن يؤسس لثقافة دينية أكثر انفتاحًا واعتدالًا. وليس المطلوب أن ينتصر مذهب على آخر، وإنما أن تنتصر القيم التي جاء الدين من أجل ترسيخها: الرحمة، والعدل، والكرامة، والأخوة الإنسانية.

وأود أن أختم بفكرة أراها جديرة بالتأمل. لقد سعى ابن رشد إلى إقامة الاتصال بين الحكمة والشريعة، أي بين العقل الفلسفي والوحي الديني، وكان ذلك من أعظم مشاريعه الفكرية. وربما أصبح من المشروع اليوم أن نوسع هذا الأفق، فنضيف إلى الحكمة والشريعة بُعدًا ثالثًا هو الإحسان، بمعناه الروحي والأخلاقي الذي بلوره التصوف الإسلامي في أفضل صوره. فالعقل يمنحنا القدرة على الفهم، والشريعة ترشدنا إلى الواجب، أما الإحسان فيمنح هذا كله روحًا تجعل الإنسان أكثر تواضعًا ورحمة وانفتاحًا على غيره. وأحسب أن هذا التكامل بين الحكمة والشريعة والإحسان يمكن أن يشكل أحد المداخل الواعدة لتجديد الفكر الإسلامي، ولإعادة بناء العلاقة بين الدين والأخلاق والإنسان في عالمنا المعاصر.

 -شرشال نيوز: بالنظر إلى القارة الإفريقية التي تموج بالتحولات، كيف تقرأ واقع التعايش الديني والعرقي اليوم؟ وما هي أبرز التحديات التي تهدد الاستقرار المجتمعي في منطقتنا؟

– بروفيسور محسن الخوني: إذا أردنا أن نفهم واقع التعايش الديني والعرقي في إفريقيا اليوم، فعلينا أولًا أن نتحرر من القراءات التبسيطية. فالقارة الإفريقية ليست فضاءً للأزمات فقط، كما تُقدَّم أحيانًا في وسائل الإعلام، بل هي أيضًا فضاء لتجارب طويلة في التعايش والتبادل الثقافي والديني. لقد عرفت إفريقيا، عبر تاريخها، أشكالًا متعددة من التعدد اللغوي والديني والإثني، واستطاعت في كثير من الأحيان أن تحول هذا التنوع إلى مصدر من مصادر ثرائها الحضاري.

غير أن هذا التوازن تعرض لاختبارات قاسية، وكان الاستعمار أحد أهم أسبابها. فهو لم يكتف باحتلال الأرض واستغلال الثروات، بل أعاد رسم الحدود، وأعاد تصنيف السكان، ورسخ في كثير من الأحيان تقسيمات عرقية وثقافية ودينية لم تكن تحمل من قبل ذلك الطابع الصدامي الذي اكتسبته لاحقًا. واعتمدت السياسات الاستعمارية، في أكثر من منطقة، على مبدأ “فرِّق تسد”، فعمقت الفوارق، وحولت بعضها إلى أدوات للحكم والسيطرة، وتركت آثارًا استمرت حتى بعد نهاية الاستعمار المباشر.

لكن العلاقة بين إفريقيا والعالم لا يمكن اختزالها في مرحلة الاستعمار وحدها. فإفريقيا لم تكن هامشًا في التاريخ العالمي، بل كانت أحد صانعيه، وإن كان ذلك في كثير من الأحيان في ظروف مأساوية. فقد شهدت القارة أكبر موجة من الاستعباد والترحيل القسري عرفها التاريخ الحديث، حيث اقتُلع ملايين الأفارقة من أوطانهم، واستُغلت طاقتهم البشرية في بناء جانب مهم من الاقتصاد الأطلسي الحديث وفي تراكم الثروات التي قامت عليها نهضة أوروبا والأمريكتين. ومن الصعب فهم التاريخ الاقتصادي والسياسي للعالم الحديث من دون الاعتراف بهذا الوجه المظلم من التاريخ.

وفي الوقت نفسه، لا تزال إفريقيا واحدة من أغنى قارات العالم بمواردها الطبيعية، فهي خزان هائل للمعادن الاستراتيجية، والطاقة، والأراضي الزراعية، والثروات المائية. ومع ذلك، ما تزال قطاعات واسعة من شعوبها تعاني الفقر والهشاشة وضعف التنمية. وهذه إحدى المفارقات الكبرى في عصرنا: قارة غنية بمواردها، لكنها لم تستفد بعد، بالقدر الكافي، من ثمار هذه الثروة، بسبب تداخل عوامل داخلية وخارجية، من بينها استمرار أنماط جديدة من التبعية الاقتصادية والاستنزاف غير المتكافئ للموارد.

لكن من الإنصاف أيضًا ألا نحمل الماضي وحده مسؤولية الحاضر. فقد كان من المنتظر أن تعمل الدول الوطنية، بعد الاستقلال، على بناء دولة المواطنة، وعلى تجاوز الانقسامات التي خلفها الاستعمار، إلا أن ذلك لم يتحقق دائمًا بالقدر المطلوب. ففي بعض الحالات استمرت العصبيات القديمة، أو أُعيد إنتاجها في أشكال جديدة، بفعل الصراعات السياسية، وضعف المؤسسات، واختلال التنمية، والتدخلات الخارجية التي ما تزال تؤثر في عدد من مناطق القارة.

ومن الأفكار التي أرى ضرورة مراجعتها أيضًا الاعتقاد بأن شمال إفريقيا فضاء منفصل عن إفريقيا أو أنه ينتمي إلى عالم آخر. فهذا التصور، في تقديري، هو أحد الموروثات الفكرية التي غذتها الحقبة الاستعمارية، حين جرى التعامل مع البحر الأبيض المتوسط بوصفه حدًا يفصل بين عالمين، أكثر من كونه فضاءً للتواصل بينهما. والحقيقة أن شمال إفريقيا هو جزء أصيل من القارة الإفريقية، مثلما هو جزء من الفضاء العربي والمتوسطي والإسلامي. وهذه الانتماءات ليست متنافسة، بل متراكبة ومتكاملة، وتعكس تاريخًا طويلًا من التفاعل الحضاري. ولا أرى أي تعارض بين أن يكون الإنسان مغاربيًا وإفريقيًا وعربيًا ومتوسطيًا في آن واحد، فالهويات الحية لا تقوم على الإقصاء، وإنما على التراكم والانفتاح.

ولعل من أبرز تجليات هذه الاختلالات التاريخية والاقتصادية ظاهرة الهجرة الجماعية التي تشهدها منطقتنا اليوم. فالهجرة ليست مجرد قضية أمنية، كما تُقدَّم أحيانًا، بل هي أيضًا قضية إنسانية، وحقوقية، وتنموية، وأخلاقية. إنها تعكس تفاوتًا عميقًا في فرص الحياة الكريمة بين الشمال والجنوب، وتطرح أسئلة صعبة حول العدالة الدولية، وحرية التنقل، وحقوق المهاجرين، ومسؤولية المجتمع الدولي تجاه شعوب ظلت لعقود طويلة تدفع ثمن الاستغلال، والنزاعات، والتفاوت الاقتصادي. ولذلك فإن معالجة الهجرة لا تكون بإقامة مزيد من الأسوار والحواجز، وإنما بإزالة الأسباب التي تدفع الإنسان إلى مغادرة وطنه قسرًا بحثًا عن الأمن أو الكرامة أو الأمل.

أما التحدي الأكبر الذي يواجه إفريقيا اليوم، في نظري، فهو الانتقال من مجرد التعايش إلى ثقافة الاعتراف. فالتعايش قد يعني أحيانًا مجرد تجنب الصراع، أما الاعتراف فيعني أن يرى كل فرد في الآخر مواطنًا كامل الكرامة والحقوق، مهما كان دينه أو لغته أو عرقه أو مذهبه. وهذا الانتقال لا تصنعه القوانين وحدها، بل تصنعه المدرسة والجامعة والثقافة والإعلام والخطاب الديني، وكل المؤسسات التي تسهم في تشكيل الوعي الجماعي.

ولهذا أرى أن إفريقيا لا تحتاج إلى استيراد نماذج جاهزة، بقدر ما تحتاج إلى استعادة ثقتها بنفسها، وإلى إعادة قراءة تاريخها قراءة نقدية تعترف بجراح الماضي، ولكنها لا تجعل منها قدرًا محتومًا. فالمصالحة مع التاريخ لا تعني نسيانه، وإنما تعني فهمه حتى لا نستمر في إعادة إنتاج آلياته وأخطائه.

ولعلني أختصر هذه الرؤية في فكرة واحدة: لقد علّمنا الاستعمار أن نرى حدودًا حيث كان التاريخ يرى جسورًا، وأن نبحث عن الفوارق أكثر مما نبحث عن المشتركات. وربما تكون إحدى مهمات الفكر اليوم هي إعادة اكتشاف تلك الجسور، لا بين دول إفريقيا فحسب، بل بين مكوناتها الثقافية والدينية واللغوية أيضًا. فمستقبل القارة لن يُبنى على استدعاء ذاكرة الجراح وحدها، وإنما على تحويل تلك الذاكرة إلى وعي نقدي يحرر الإنسان الإفريقي من كل أشكال التبعية، ويجعله فاعلًا في صناعة مستقبل قارة تمتلك من الإمكانات البشرية والحضارية والثقافية ما يؤهلها لأن تكون أحد المراكز الكبرى في عالم الغد.

-شرشال نيوز : ختاماً، كيف يمكن للمؤسسات التعليمية والثقافية في إفريقيا والمغرب العربي الاستفادة من فكر الأمير عبد القادر في ترسيخ ثقافة السلام لدى الأجيال الصاعدة؟

أعتقد أن أهم درس يمكن أن نستفيده من تجربة الأمير عبد القادر هو أن بناء السلام لا يبدأ من المعاهدات وحدها، ولا من الأجهزة الأمنية وحدها، وإنما يبدأ من تكوين الإنسان. ولهذا فإن السؤال التربوي يسبق، في كثير من الأحيان، السؤال السياسي. فالمجتمعات لا تصبح أكثر سلمًا لأنها تمتلك قوانين أفضل فقط، وإنما لأنها تنجح في تربية مواطنيها على احترام الإنسان والاعتراف بالاختلاف وتحمل المسؤولية.

ومن هنا أرى أن المؤسسات التعليمية والثقافية في إفريقيا والمغرب العربي ينبغي ألا تكتفي بوظيفتها التعليمية، مهما كانت أهميتها، بل عليها أن تستعيد رسالتها التربوية. فهناك فرق بين أن نكوّن متعلمًا، وأن نكوّن مواطنًا. الأول يكتسب معارف ومهارات، أما الثاني فيتعلم أيضًا كيف يعيش مع غيره وكيف يحترم القانون وكيف يدير الاختلاف بالحوار لا بالعنف وكيف يجعل من الحرية مسؤولية لا مجرد حق.

وفي تقديري، يمثل الأمير عبد القادر نموذجًا تربويًا أكثر منه مجرد شخصية تاريخية. فهو يعلمنا أن الدفاع عن الوطن لا يتعارض مع احترام الإنسان، وأن الاعتزاز بالهوية لا يبرر التعصب، وأن الوفاء للدين لا يناقض الانفتاح على أتباع الديانات الأخرى. وهذه دروس تحتاجها أجيالنا اليوم، لأنها تساعدها على التمييز بين الاعتزاز المشروع بالخصوصية الثقافية وبين الانغلاق الذي يحول الهوية إلى أداة للإقصاء.

وأعتقد أن التربية المعاصرة مطالبة بتحقيق توازن دقيق بين مستويين متكاملين. فمن جهة، ينبغي أن ترسخ لدى الناشئة الانتماء إلى أوطانهم والاعتزاز بتاريخهم ولغاتهم وثقافاتهم، لأن الإنسان لا يعيش بلا جذور. ومن جهة أخرى، ينبغي أن تنفتح على أفق إنساني أوسع، حتى لا تتحول الخصوصية إلى تعصب، ولا الهوية إلى جدار يفصل الإنسان عن بقية البشر.

وهذا، في نظري، هو المعنى الحقيقي للكونية. فهي ليست إلغاءً للهويات، ولا فرضًا لنموذج ثقافي واحد، وإنما هي كونية تعددية، تقوم على الاعتراف المتبادل، وتتيح لكل شعب أن يسهم، انطلاقًا من خصوصيته، في بناء المشترك الإنساني.

ولهذا فإنني أتمنى أن تمنح مؤسساتنا التعليمية مكانة أوسع للفلسفة، وللتربية المدنية، ولتاريخ الأفكار، وللحوار بين الثقافات والأديان، وأن تفتح المجال أمام الطلبة لا لحفظ المعلومات فحسب، بل لتعلم التفكير النقدي، والإصغاء، واحترام الرأي المخالف، والبحث المشترك عن الحقيقة. فهذه ليست معارف تكميلية، بل هي شروط أساسية لبناء مواطن قادر على العيش في مجتمع تعددي وديمقراطي.

كما أن استحضار الأمير عبد القادر في المدرسة أو الجامعة لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفاء بسيرته، وإنما ينبغي أن يكون مدخلًا إلى مناقشة الأسئلة الكبرى التي واجهها: كيف نجمع بين القوة والرحمة؟ بين الهوية والانفتاح؟ بين الدين والأخلاق؟ وبين المواطنة والانتماء الإنساني؟ فهذه الأسئلة لم تفقد راهنيتها، بل ربما أصبحت اليوم أكثر إلحاحًا مما كانت عليه في القرن التاسع عشر.

ولعلني أختم بفكرة أرى أنها تختصر هذا الحوار كله. لقد كان مشروع الأمير عبد القادر، في جوهره، مشروعًا لتربية الإنسان قبل أن يكون مشروعًا لبناء الدولة. ولذلك فإن مستقبل إفريقيا والمغرب العربي لن يتوقف على الإصلاحات السياسية والاقتصادية وحدها، وإنما أيضًا على قدرتنا على بناء إنسان حر ومسؤول ومنفتح، يجمع بين الاعتزاز بهويته والانفتاح على الإنسانية.

فالوفاء الحقيقي للأمير عبد القادر لا يكون بالاكتفاء بالحديث عنه، وإنما بالعمل على تكوين أجيال تجعل من الأخلاق أسلوبًا في التفكير، ومن التواصل والحوار أسلوبًا في العيش، ومن الإنسانية أفقًا تتسع له جميع الهويات.

حاوره :مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام