يواصل المغرب انحداره نحو مزيد من الارتباك والفوضى، بعد أن شلّت أزمة حادة في مادة الكيروسين حركة مطاراته، التي طالما روّج لها المخزن كواجهة “للتحديث” و”الانفتاح”. فقد وجدت شركات الطيران نفسها مضطرة إلى الهبوط في المطارات المغربية بخزانات ممتلئة عن آخرها، تفادياً للتزود بالوقود داخل المملكة، في مشهد يعكس هشاشة منظومة يُفترض أنها من ركائز السيادة اللوجستية.
وأصدرت المديرية العامة للطيران المدني تعليمات واضحة لشركات الطيران، تقضي بتعبئة الطائرات بكميات كافية من الوقود قبل الإقلاع الحد الأقصى للرحلات الطويلة، وما يكفي للذهاب والإياب بالنسبة للرحلات القصيرة والمتوسطة، في إجراء استثنائي يعكس عمق الأزمة. وقد أشار موقع 360 في تقرير له يوم الاثنين، إلى أن هذه الأزمة تعود، حسب الرواية الرسمية، إلى موجة أمطار غزيرة وفيضانات وصفت بـ”الاستثنائية”، أدّت إلى إجلاء أكثر من 100 ألف شخص شمال البلاد.
غير أن ما تخفيه هذه التبريرات المناخية هو واقع أكثر قتامة. فخلف ستار “الظروف الطارئة” يبرز الوجه الحقيقي للمخزن: هشاشة بنيوية، وسوء تسيير مزمن، وفساد ينخر مفاصل الدولة. فالموانئ، التي يفترض أن تستقبل ناقلات الوقود، تعطّلت، ما أدى إلى شحّ في التزويد بالمنتجات البترولية، في بلد يعتمد كلياً على الاستيراد لتأمين حاجياته الطاقوية.
والأخطر من ذلك، غياب أي مخزون استراتيجي حقيقي. فإلى غاية 5 فيفري، لم تتجاوز الاحتياطات 617 ألف طن، أي ما يعادل 20 يوماً فقط من الاستهلاك، وهو رقم هزيل مقارنة بـ11.7 مليون طن استُهلكت سنة 2022، وفق الأرقام الرسمية. فهل يتعلق الأمر بسوء تقدير؟ أم بانهيار كامل لمنظومة تدبيرية تُهدر فيها الأموال العمومية في شبكات الريع والمحسوبية، المرتبطة ببارونات المحروقات ومراكز النفوذ القريبة من القصر؟
إن هذه الأزمة ليست حادثاً عرضياً، بل نتيجة طبيعية لنظام قائم على الفساد والزبونية. ففي الوقت الذي يستعرض فيه المخزن مشاريعه العملاقة، من طنجة المتوسط إلى الداخلة الأطلسية، تبقى الاحتياطات الحيوية في أدنى مستوياتها. فالفيضانات لم تُنشئ الأزمة، بل كشفت هشاشة نظام يفضّل خدمة نخبه على تأمين أبسط مقوّمات الاستقرار.
وتتزايد التساؤلات حول مصير شحنات الوقود هل تصل فعلاً إلى وجهتها، أم تُحوّل إلى قنوات غير معلنة تخدم مصالح المتنفذين؟ إن ما أظهرته هذه الأزمة هو قابلية النظام المغربي للانكشاف عند أول اختبار حقيقي، في ظل غياب التخطيط، وتغليب الارتجال، وهيمنة منطق الرشوة على حساب الحكامة الرشيدة.
هكذا يدفع المغرب ثمن منظومة لا تتقن سوى القمع وتوزيع الامتيازات، فيما تتهاوى أسس الأمن الطاقوي، ويُترك المواطن والاقتصاد رهينة لعجز المخزن في تسيير أزماته.




