تعيش الجزائر اليوم مرحلة متقدمة من الوعي الاستراتيجي في مختلف المجالات، ما يؤهلها لتتبوأ مكانة الدولة الإقليمية الرائدة في محيطها الجيوسياسي، مستفيدة من موقعها جيواستراتيجي، ووزنها السياسي، ومواردها الاقتصادية المتنوعة.
ويأتي انطلاق فعاليات المعرض التجاري البيني الإفريقي، الذي تحتضنه الجزائر هذه الأيام، ليكرّس هذا التوجه ويمنحه بعداً عملياً على أرض الواقع.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وتبلور معالم نظام عالمي جديد “متعدد الأقطاب”، تدرك الجزائر أن الاقتصاد بات حجر الزاوية في معادلة القوة والتأثير، وأن التكامل الإقليمي هو ضرورة استراتيجية لنهوض بالقارة الافريقية وتعزيز مكانتها في قلب المنظومة العالمية.
فقد اعتبر الدكتور رابح لعروسي، المحلّل السياسي و أستاذ العلوم السياسة بجامعة الجزائر 3، في مداخلته للجريدة الالكترونية “شرشال نيوز”، موضوع التكامل الاقتصادي في القارة الإفريقية يكتسي أهمية بالغة، خاصة وأنه يُطرح في سياق دولي يتسم بتسارع الاستقطابات بين القوى الكبرى
وأوضح الدكتور رابح لعروسي أنّ الجهود التي تبذلها الجزائر تندرج في إطار مقاربة استراتيجية لدعم التعاون جنوب–جنوب، باعتباره الخيار الأمثل لبناء شراكات متوازنة تعكس مصالح الشعوب الإفريقية بعيدًا عن منطق التبعية. واعتبر أنّ هذه المقاربة تمنح لإفريقيا فرصة حقيقية للتموقع كقوة صاعدة في النظام الدولي الجديد.
كما أشار إلى نقطة جوهرية تتعلّق بضرورة التحدّث بصوت واحد دفاعًا عن القارة، حيث أكّد أنّه إذا أرادت إفريقيا أن ترافع لصالح قضاياها العادلة، فإنّ المطالبة بمقعدين قارّيين داخل مجلس الأمن الدولي تقتضي أن تكون موحّدة على قالب واحد، بما يسمح لها بالمرافعة عن سيادتها وحماية مصالحها الاستراتيجية.
وتوقّف الدكتور لعروسي عند التحدي الأكبر، والمتمثّل في كيفية إدراك الأفارقة أنفسهم لرهانات المرحلة، وكيفية تجسيد منطق التعاون جنوب–جنوب والتكامل الإفريقي في إطار واضح ومتوازن يقوم على تبادل المصالح المشتركة. واعتبر أنّ الدفاع عن السيادة الإفريقية لن يتحقّق إلا من خلال هذا النهج الجماعي الذي يعيد الاعتبار للقارة كفاعل دولي مستقل قادر على صياغة موقعه في النظام العالمي.
وبذلك، فإنّ الجزائر، وهي ترافع من أجل تكامل إفريقي متوازن قائم على التعاون جنوب–جنوب، ترسّخ موقعها كفاعل أساسي في بناء مستقبل القارة، وتثبت أنّ الرهانات الدولية لا يمكن كسبها إلا بوحدة الصف والسيادة المشتركة.
مهدي الباز




