شهدت الساحة السياسية في الجزائر، على مدى عدة سنوات، بروز جملة من المظاهر التي شوّهت الظاهرة الحزبية وأضعفت مصداقية العمل السياسي، ما أدى إلى فقدان عدد من الأحزاب ثقة الشارع، وتحول أخرى إلى مجرد تنظيمات سياسية لا ترقى، من حيث الوصف القانوني، حتى إلى مستوى جمعية سياسية.
ومن بين أبرز هذه المظاهر، تبرز ظاهرة التجوال السياسي، التي تُعد من الظواهر غير الصحية في المشهد السياسي الجزائري، بالنظر إلى تأثيرها السلبي على استقرار العمل الحزبي ومصداقية الممارسة الديمقراطية.
وفي هذا السياق، جاء قانون الأحزاب الجديد حاملاً قواعد قانونية واضحة المعالم، تهدف إلى إصلاح المنظومة الحزبية وإعادة بعث الساحة السياسية على أسس أكثر صلابة وتنظيمًا، حيث يسعى إلى الحد من مختلف الظواهر السلبية، وعلى رأسها ظاهرة التجوال السياسي.
وقد نصّت المادة 24 من قانون الأحزاب الجديد، بصريح العبارة، على مكافحة هذه الظاهرة، من خلال إقرار تبعات قانونية صارمة في حق المنتخبين الذين يغيّرون انتماءاتهم الحزبية، بما يعزز الانضباط السياسي ويكرّس أخلاقيات العمل الحزبي.
ولتفصيل أكثر حول الموضوع، استضافت “شرشال نيوز” المحلل السياسي رابح لعروسي، للحديث عن ظاهرة التجوال السياسي وتوصيفها، وكذا إبراز أهمية هذا القانون في إعادة بعث ديناميكية جديدة في الحياة السياسية، وانعكاساته المحتملة على المشهد الحزبي في الجزائر.
“الترحال الحزبي” يعكس أزمة بنيوية في الوساطة الحزبية
يرى المحلل السياسي رابح لعروسي أن مشروع القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية، لا سيما في شقه المرتبط بالتجوال السياسي، والذي يُطلق عليه أحيانًا مصطلح “الترحال الحزبي”، يعكس أزمة بنيوية في الوساطة الحزبية أكثر مما يعكس ديناميكية سياسية صحية. ففي التجربة الجزائرية، لا يرتبط التجوال بتقلب الخطاب أو التحالفات السياسية بقدر ما يرتبط بتغيير اللون السياسي بعد النجاح في الانتخابات، خاصة على مستوى المؤسسة البرلمانية.
سلوك له تداعيات سلبية على الأداء البرلماني
وأوضح المتحدث أن هذا السلوك أثّر سلبًا على التركيبة السياسية للمجموعات البرلمانية، سواء من حيث استقرارها أو من حيث أدائها وانخراطها في العملية التشريعية، إلى جانب ما نتج عنه من غياب واضح للانضباط الحزبي تحت قبة البرلمان، ما جعل التجوال السياسي أحد أكبر التهديدات لمصداقية الاستحقاقات الانتخابية.
مشروع القانون الجديد ينطلق من تشخيص نقدي للحالة السياسية الجزائرية
وأضاف أن غياب الثبات الأيديولوجي لدى الأحزاب السياسية ساهم بدوره في انتقال قيادات ومنتخبين بين مختلف التشكيلات الحزبية، مشيرًا إلى أن مشروع القانون الجديد ينطلق من تشخيص نقدي للحالة السياسية الجزائرية، ويتضمن اعترافًا ضمنيًا بفشل العمل الكلاسيكي للأحزاب من حيث قدرتها على التكيّف مع بيئة سياسية متغيرة.
وأكد لعروسي أن الإشكال يعود أساسًا إلى غياب مشروع مجتمعي واضح لدى الطبقة السياسية من جهة، وتكريس أزمة ثقة بين المنتخبين والقيادات الحزبية من جهة أخرى، ما جعل التجوال السياسي هاجسًا مرتبطًا بالاستحقاقات الانتخابية.
الانتهازية السياسية وافراغ العمل الحزبي من مضمونه
كما اعتبر أن ضعف التأطير الديمقراطي داخل الأحزاب، وأحيانًا تغليب منطق الانتهازية، دفع بالعديد من المنتخبين إلى تغيير انتماءاتهم السياسية داخل البرلمان، محذرًا من أن تكرار هذه الظاهرة حوّلها إلى سلوك انتهازي أفرغ العمل الحزبي من مضمونه.
تحصين العمل الحزبي ودور القانون الجديد
وختم بالقول إن معالجة هذه الظاهرة يجب أن تنطلق أولًا من داخل الأحزاب السياسية نفسها، مؤكدًا أن مشروع القانون جاء لتحصين تواجد الأحزاب داخل المؤسسة البرلمانية، بما يساهم في إنتاج واستقرار النخب الحزبية، ويحد من تآكل مصداقية الأحزاب، ويعزز دورها في الحياة السياسية.




