أكد الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة، في كلمة ألقاها خلال ترؤسه أشغال الدورة الـ19 للمجلس التوجيهي للمدرسة العليا الحربية، أن مكانة الدول لم تعد تُقاس بأمجادها الماضية، بل بقدرتها على تعزيز مقدراتها الجيوستراتيجية وتكييف منظوماتها الدفاعية والعلمية لمواجهة التحديات الراهنة.
هذا الخطاب، الذي يحمل لغة استراتيجية عميقة، يتطلب قراءة تحليلية معمقة لفهم مضمونه وسياقه العام، لاسيما أنه يأتي في مرحلة يشهد فيها النظام الدولي تحديات جيوسياسية معقدة. وفي هذا الإطار، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا بأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية أسامة بوشماخ، لتقديم قراءة تحليلية لخطاب الفريق أول السعيد شنقريحة.
البعد الجيوسياسي في الخطاب
أبرز أسامة بوشماخ في مداخلته البعد الجيوسياسي للخطاب، مشيرًا إلى المرحلة الراهنة التي تشهدها بنية النظام الدولي، والتي وصفها بمرحلة التحول أو الانتقال من بنية أحادية القطبية إلى نمط أكثر تعقيدًا وتعددية، حيث تتداخل فيه موازين القوة التقليدية مع عناصر جديدة قائمة على التكنولوجيا والمعرفة.
وأوضح أن المكانة الدولية للدول أصبحت تُقاس بقدرتها على التكيف مع التحولات الجارية واستيعاب ديناميكيات القوة الجديدة، وليس برصيدها التاريخي أو رمزيتها السياسية. وأضاف أن دول الجنوب تجد نفسها أمام معادلة استراتيجية دقيقة، تفرض عليها إعادة تقييم تموضعها ضمن النسق الدولي، إما عبر الاندماج الفاعل في شبكات القوة الصاعدة أو المخاطرة بالتهميش.
واعتبر أن إدراك هذه اللحظة الجيوسياسية يمثل شرطًا أساسيًا لصياغة سياسات وطنية قادرة على الاستجابة لمتطلبات النظام الدولي الجديد.
المدرسة الواقعية كإطار تحليلي لفهم لغة الخطاب
أكد بوشماخ أن مفهوم القوة الوطنية في ظل التحولات الراهنة لم يعد ينحصر في البعد العسكري، ليشمل الأبعاد الأخرى الاقتصادية، التكنولوجية، والاجتماعية.
وأضاف أن القوة الوطنية تُبنى على تكامل عدة عناصر، تشمل القدرات الجيوستراتيجية، والمرونة المؤسسية، والصلابة المجتمعية، فضلًا عن التقدم العلمي والتكنولوجي، وهي العناصر التي تطرق إليها خطاب الفريق أول السعيد شنقريحة.
وفي هذا السياق، أبرز أهمية ما يُعرف بالمرونة المجتمعية، والتي يتم فيها تحول المجتمع إلى فاعل رئيسي في معادلة الأمن الوطني، حيث يصبح قادرًا على امتصاص الصدمات والتكيف مع الأزمات.
كما نوه إلى الدور الحيوي الذي يلعبه الاقتصاد الوطني في تعزيز السيادة، بما يتيحه من استقلالية في القرار وقدرة على مواجهة الضغوط الخارجية.
وتطرق أيضًا إلى مسألة الاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا، معتبرًا إياها المدخل الأهم لتعزيز الموقع التنافسي للدول في بيئة دولية تتسم بتسارع الابتكار.
التكييف الاستراتيجي.. المرونة والاستباقية في مواجهة التهديدات
أكد الفريق أول السعيد شنقريحة في خطابه مواصلة الجيش الوطني الشعبي، تحت قيادة رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، مسار تكييف منظومته الدفاعية بمختلف أبعادها، لاسيما من خلال تطوير القدرات التكنولوجية لمنظومات الأسلحة، وتحضير الموارد البشرية وتأهيلها لاستغلال هذه المنظومات بكفاءة ونجاعة.
وانطلاقًا من ذلك، أوضح بوشماخ بروز المؤسسة العسكرية كفاعل مركزي في عملية التكييف الاستراتيجي، حيث ترتكز العقيدة الدفاعية، حسبه، على المرونة والاستباقية ومواجهة التهديدات متعددة الأبعاد.
وأشار إلى أن ذلك يشمل تطوير القدرات التكنولوجية لمنظومات التسليح، بما يتماشى مع طبيعة الحروب الحديثة التي تعتمد بشكل متزايد على التفوق التقني.
كما أكد على أهمية العنصر البشري كمحور أساسي في هذه العملية، من خلال تأهيل الموارد البشرية وتطوير كفاءاتها بما يمكنها من استيعاب التكنولوجيا المتقدمة واستغلالها بفعالية.
وتوقف أيضًا عند مسألة تحصين سلاسل الإمداد الوطنية وتوطين الصناعات الدفاعية، معتبرًا إياها نقطة حساسة في ظل تزايد الاستقطاب الدولي الحاد وتراجع مفهوم السيادة المطلقة في ظل هيمنة العولمة.
وشدد على ضرورة توطين الصناعات الدفاعية لما تكتسيه من أهمية استراتيجية، حيث تمثل صمام أمان للتخلص من التبعية الخارجية وتعزيز السيادة الوطنية، مضيفًا إلى ذلك أهمية تحصين سلاسل الإمداد كأحد الدروس المستفادة من الأزمات الدولية، بما يضمن استمرارية الجاهزية العملياتية في مختلف الظروف.
حرب السرديات
أشار بوشماخ إلى البعد الإدراكي في طبيعة الصراع كأحد أهم المسارح العملياتية اليوم، وهو ما ركز عليه الفريق أول في خطابه.
وأوضح أن الصراع في العصر الحديث لم يعد يقتصر على الأبعاد العسكرية التقليدية، بل أصبح يشمل المجال المعرفي والإدراكي، حيث باتت حرب السرديات أحد أبرز أدوات التأثير في العلاقات الدولية.
وتستهدف هذه الحرب وعي المجتمعات من خلال توظيف الأخبار الزائفة والمضامين المضللة بهدف إضعاف التماسك الداخلي للدول.
وفي هذا الإطار، شدد على ضرورة بناء وعي مجتمعي قادر على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمغلوطة، بما يعزز مناعة المجتمع ضد الحملات الدعائية المعادية.
كما أكد على الدور المحوري للإعلام الوطني في تفكيك الخطابات المضللة وكشف آليات اشتغالها، بما يسهم في إنتاج سردية وطنية متماسكة تعكس المصالح الحيوية للدولة وتدافع عنها في الفضاءين الداخلي والخارجي.
التكامل بين الدولة والمجتمع
أبرز بوشماخ أهمية التكامل بين الدولة والمجتمع في التصدي ومواجهة مختلف التحديات والتهديدات، سواء التماثلية أو غير التماثلية، موضحًا التحول النوعي في التصور الحديث للأمن القومي، والذي لم يعد يقتصر على البعد العسكري الصلب، بل يمتد إلى البعد اللين للأمن.
فالأمن، حسبه، أصبح نتاج تفاعل ديناميكي بين الدولة والمجتمع، في إطار ما يُعرف بمقاربة الأمن الشامل.
وخلص بوشماخ إلى القول بأن خطاب الفريق أول السعيد شنقريحة ينطوي على رسائل استراتيجية تؤكد استمرارية الدولة واستقرار مؤسساتها، مع طمأنة الداخل الوطني بشأن جاهزيتها لمواجهة التحديات، وإبراز وعيها بطبيعة التهديدات الحديثة، خاصة الحروب الهجينة، وسعيها للتموقع كفاعل مبادر في الساحة الدولية.
كما يعكس إدراكًا متقدمًا لمفهوم القوة والأمن، قائمًا على نموذج شامل يدمج الأبعاد العسكرية والاقتصادية والمعرفية، ويبرز أن التحدي يكمن في تحويل عناصر القوة إلى قدرة فعلية، عبر الاستباقية في التخطيط، والمرونة في القرار، والاستثمار في الإنسان والمعرفة.




