الأولى

الماكرونية والأوليغارشية… الدولة الفرنسية نحو المجهول

تعيش فرنسا اليوم واحدة من أعقد مراحلها منذ تأسيس الجمهورية الخامسة، حيث يجد الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه في مواجهة أزمة سياسية متشابكة الأبعاد، تتقاطع فيها التحديات الاقتصادية والاجتماعية مع احتدام الصراع الحزبي بين اليمين واليسار، وتعمّق نفوذ الأوليغارشية المالية والإعلامية داخل دوائر القرار.

منذ الانتخابات التشريعية المبكرة في جوان 2024، دخلت فرنسا مرحلة من الاضطراب السياسي المستمر، عكسته سلسلة من الاستقالات الحكومية، أبرزها استقالة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بعد 14 ساعة فقط من تعيينه، في مشهد غير مسبوق في تاريخ الجمهورية الخامسة، كشف هشاشة النظام السياسي وتآكل الثقة بين الإليزيه ومؤسسات الدولة.
احتجاجات الشارع… غضب اجتماعي متجذر.

في سبتمبر 2025، عادت فرنسا إلى الواجهة مع موجة جديدة من المظاهرات تحت شعار “Bloquons Tout” (فلنُعطل كل شيء)، التي شملت أكثر من 200 مدينة من بينها العاصمة الفرنسية “باريس”؛احتجاجًا على ارتفاع الأسعار وسياسات التقشف، وسط اتهامات للحكومة بأنها تُدير البلاد لصالح نخبة من رجال المال “الأوليغارشية “على حساب الطبقات الوسطى والفقيرة.

هذه الاحتجاجات التي أخذت في البداية طابعا سلميا تحوّلت إلى مواجهات عنيفة بين المحتجين وقوات الشرطة، ورفعت خلالها شعارات تندد بـ”حكومة الأثرياء” و”تزاوج السلطة بالمال”، في تعبير مباشر عن رفضٍ شعبيٍّ واسع للسياسات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة بفرنسا.

أخذ الاعلام الفرنسي على غرار صحيفة لوموند وصف ما يجري داخل فرنسا بأنه “انفصال اجتماعي خطير” بين النخبة السياسية والمجتمع الفرنسي، معتبرة أن الأزمة تجاوزت الطابع الاقتصادي لتتحوّل إلى أزمة سياسية و اجتماعية تهدّد أحد أهم ركائز الجمهورية الفرنسية ككل وهي الديمقراطية.

️ الصراع بين اليسار واليمين… فرنسا بين رؤيتين متناقضتين كليا

الأزمة السياسية التي يعيشها ماكرون لم تعد محصورة في ضعف الأغلبية البرلمانية وحسب، بل تفاقمت مع احتدام الصراع بين اليسار الفرنسي الموحّد في إطار “الجبهة الشعبية الجديدة” بقيادة جان-لوك ميلانشون واليمين المحافظ واليميني المتطرف ممثلًا في “التجمع الوطني” بقيادة جوردان باردِلا.

اليسار يرى أن سياسات ماكرون تمثّل امتدادًا لنهج نيوليبرالي يخدم الأوليغارشية، ويطالب بإلغاء إصلاح قانون التقاعد الذي رفع سن التقاعد إلى 64 عامًا، إضافة إلى مراجعة سياسات التقشف وإقرار موازنة اجتماعية أكثر عدلًا.

أما اليمين، وخاصة حزب “التجمع الوطني”، فيستغل حالة السّخط الشعبي لتقديم نفسه بديلاً عن الطبقة السياسية الحالية، متّهمًا الحكومة بالعجز عن حماية القدرة الشرائية والهوّية الفرنسية، فيما يحاول اليمين التقليدي التوفيق بين الدعوة إلى الاستقرار المالي وعدم الدخول في إجراءات تقشفية مفرطة قد تضعف قاعدته الشعبية.

وفي ظل هذا التناحر السياسي، يجد ماكرون نفسه معزولًا، حيث لم يتمكّن من بناء تحالف متماسك لا مع اليسار ولا مع اليمين، مما جعل تمرير الموازنة العامة للبلاد أمرًا بالغ الصعوبة أو بالأحرى مستحيلا.

الموازنة العامة وقانون التقاعد… شرارة الانقسام السياسي

تعد أزمة الموازنة العامة لعام 2025 إحدى أكثر القضايا حساسية في المشهد الفرنسي الراهن. فالحكومة تواجه عجزًا تجاوز 5.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وتخضع لضغوط أوروبية من أجل خفض الإنفاق العام، ما دفعها إلى تبني خطة تقشفية تقضي بتقليص النفقات بما يقارب 40 مليار يورو، وفرض ضرائب جديدة على الشركات الكبرى والأثرياء بنحو 20 مليار يورو.
إلا أن هذه الإجراءات فجّرت خلافات حادة داخل الجمعية الوطنية، إذ اعتبرها اليسار ضربًا للعدالة الاجتماعية، بينما وصفها اليمين المتطرف بأنها “خضوع مهين” لتوجيهات الاتحاد الأوروبي.

تعمّقت الأزمة أكثر مع استمرار الجدل حول قانون التقاعد، الذي يشكّل محور الرفض الشعبي الأوسع منذ 2023. فالحكومة تصرّ على أن الإصلاح ضروري لضمان توازن النظام المالي، بينما ترى النقابات العمالية أن هذا القرار يحمّل العمال مسؤولية فشل النخب السياسية والاقتصادية في إدارة موارد الدولة.

الأوليغارشية الفرنسية… الحاكم الخفي

وراء هذه الفوضى السياسية والاقتصادية، يبرز النفوذ المتعاظم للأوليغارشية الفرنسية التي باتت تمسك بخيوط اللعبة في الدولة، من خلال تحكّمها في مفاصل الاقتصاد والإعلام والسياسة.

وفي هذا الإطار، يقدّم الدكتور رياض الصيداوي، مدير المركز العربي للأبحاث السياسية والاجتماعية في جنيف، قراءة عميقة للمشهد الفرنسي، إذ يرى أن ما تعيشه فرنسا اليوم ليس سوى انعكاس مباشر لهيمنة أوليغارشية مالية وإعلامية باتت تتحكّم بمسار القرار الوطني.

ويؤكد الصيداوي أن هذه النخبة، المكوّنة من كبار رجال المال والأعمال وأصحاب المؤسسات المصرفية والإعلامية، أصبحت تمتلك سلطة تفوق سلطة المؤسسات المنتخبة، حيث تؤثر في التوجّهات الاقتصادية الكبرى، وتُوجّه الخطاب السياسي، وتشكّل الرأي العام من خلال أدواتها الإعلامية.

ويضيف أن فرنسا، في ظل هذا التداخل العميق بين المال والسياسة والإعلام، أصبحت أقرب إلى نموذج “الديمقراطية الشكلية”، إذ تُجرى الانتخابات بانتظام، لكن القرار الحقيقي يُصاغ في كواليس مغلقة تخدم مصالح “الأوليغارشية” أكثر مما تعبّر عن إرادة الشعب.

بفعل ماكرون فرنسا نحو المجهول والجمهورية الخامسة على حافة الأفول

الأزمة التي يعيشها ماكرون اليوم تتجاوز حدود حكومته لتطال البنية العميقة للنظام السياسي الفرنسي، الذي يتآكل تحت وطأة التناقضات الطبقية والحزبية من جهة، وغليان الشارع الفرنسي من جهة أخرى، ذلك الشارع الذي يرى في حكم ماكرون السبب المباشر لما آلت إليه البلاد من أزمات خانقة.

ومع استمرار النفوذ الأوليغارشي المتزايد، وفشل الحكومة في الاستجابة لمطالب المواطنين، وتصاعد الصراع الحزبي بين اليمين واليسار في ظل غياب مشروع سياسي جامع يُعيد الثقة إلى الشعب الفرنسي، تبدو فرنسا وكأنها تتّجه نحو مرحلة أفول الجمهورية الخامسة على يد إيمانويل ماكرون نفسه.

ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل تشهد فرنسا ميلاد جمهورية سادسة تعيد للشعب صوته المفقود، أم أنّها ماضية نحو الزوال؟

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام