تحظى قضية الكفاءات الجزائرية المقيمة في الخارج باهتمام متزايد في الأوساط النخبوية، ليس باعتبارها مجرد ملف مرتبط بالهجرة أو استنزاف رأس المال البشري، وإنما بوصفها قضية استراتيجية ذات أبعاد اقتصادية عميقة.
وفي هذا الصدد أجرت “شرشال نيوز” اتصالا بالخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، من أجل فهم هذا الموضوع وأبعاده الاقتصادية، حيث أكد في مداخلته لـ”شرشال نيوز” أن هذا الملف “لم يعد مسألة مرتبطة بالهجرة أو باستنزاف رأس المال البشري، بل أصبح جزءًا من سؤال اقتصادي واستراتيجي أوسع وهو كيف يمكن للجزائر أن تحوّل انتشار كفاءاتها عبر العالم إلى مصدر للقيمة والاستثمار والمعرفة والتكنولوجيا؟”.
وأضاف أن “الدول لا تُقاس فقط بما تملكه داخل حدودها، وإنما أيضًا بقدرتها على توظيف شبكاتها البشرية والاقتصادية خارج الحدود لخدمة اقتصادها الوطني”.
من التحويلات المالية إلى شبكات الخبرة
وأوضح الخبير الاقتصادي في هذا الشأن بتناوله لمفهوم “الدياسبورا”- وهو الكنز الذي تمتلكه الجزائر بفضل جاليتها المقيمة عبر مختلف دول العالم-، قائلاً: “لم تعد الجالية مجرد مصدر للتحويلات المالية، وإنما أصبحت تمثل شبكة من الخبرات والعلاقات والأسواق والاستثمارات والتكنولوجيا”.
ويرى الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن الجزائري المقيم في أوروبا أو أمريكا أو آسيا “يمكن أن يكون مستثمرًا أو باحثًا أو مستشارًا أو شريكًا تجاريًا، أو حلقة وصل بين مؤسسة جزائرية وشركة دولية، حتى وإن لم يعد للإقامة الدائمة في الجزائر”.
“تدوير الكفاءات” بدل “استرجاع الأدمغة”
ودعا الخبير الاقتصادي إلى مراجعة الفلسفة الجزائرية تجاه هجرة الكفاءات، مقترحًا التخلي عن هدف “إعادة الأدمغة” لصالح مفهوم أكثر واقعية هو “تدوير الكفاءات”، موضحًا “ليس بالضرورة أن يعود الباحث أو المهندس أو الخبير نهائيًا حتى تستفيد منه الجزائر، بل يمكن أن يعمل من الخارج لصالح مشاريع وطنية، ويشارك في البحث العلمي، ويؤطر الطلبة، وينقل التكنولوجيا، ويفتح الأسواق أمام المؤسسات الجزائرية”.
وبهذا المنطق، يعتبر الخبير الاقتصادي تيغرسي أن الهجرة يمكن أن تتحول “من علاقة خسارة واسترجاع إلى علاقة تواصل وإنتاج وتبادل”، شريطة توفر آليات مؤسساتية واضحة تمكّن الخبير الجزائري في الخارج من الاستثمار والمساهمة في البحث ونقل الخبرة وبناء الشراكات.
الجامعة.. نقطة الانطلاق الضرورية
وشدد الأستاذ هواري تيغرسي على أن تفعيل دور الدياسبورا لا يمكن فصله عن إصلاح وظيفة الجامعة الجزائرية، معتبرًا أن “الجامعة التي تنتج المعرفة ولا تجد طريقًا لتحويلها إلى ابتكار ومنتج وشركة تبقى بعيدة عن أحد أهم أدوار الاقتصاد الحديث”.
وأضاف أن الرهان الحقيقي هو “بناء جسر بين الباحث والمؤسسة والمستثمر والكفاءة الجزائرية في الخارج”، بحيث يمكن لبحث تطبيقي داخل جامعة جزائرية أن يتطور بمساهمة باحث في الخارج، وتختبره مؤسسة، ويموّله مستثمر، ليتحول في النهاية إلى منتج قابل للتصدير.
أين تكمن العقبة الحقيقية؟
وردًا على سؤال “شرشال نيوز” حول أسباب ضعف تحويل الأفكار إلى ثروة، أجاب تيغرسي”المشكلة ليست في غياب الأفكار.. الجزائر لديها باحثون ومخابر وبراءات اختراع ومشاريع مبتكرة، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا هو كم من هذه المعرفة تحوّل إلى ثروة؟”.
وأشار إلى أن “وجود براءة اختراع لا يعني بالضرورة وجود منتج، ووجود مؤسسة ناشئة لا يعني بالضرورة وجود شركة قادرة على النمو”، داعيًا إلى بناء منظومة متكاملة تمتد من الفكرة والبحث إلى حماية الملكية الفكرية والتمويل والتصنيع والتصدير، مؤكدًا أن الدياسبورا يمكن أن تسهم في كل مرحلة من هذه المراحل.
جسر نحو الأسواق العالمية
واعتبر الخبير تيغرسي في مداخلته أن من أبرز أدوار الكفاءات الجزائرية في الخارج فتح الأسواق أمام المنتجات الوطنية، موضحًا أن “دخول الأسواق الأوروبية أو الإفريقية أو الآسيوية لا يحتاج فقط إلى منتج جيد، وإنما يحتاج أيضًا إلى معرفة التشريعات والموزعين والمستهلكين وشبكات الأعمال وآليات التمويل”.
وشدد على أن الدياسبورا “تمتلك ميزة لا يمكن تجاهلها”، بجمعها بين معرفة السوق الخارجية وفهم البيئة الجزائرية، وهو ما يمكن استثماره لدعم الصادرات خارج المحروقات.
الدعوة إلى “بنك وطني للكفاءات”
ودعا تيغرسي إلى إنشاء “منظومة رقمية وطنية للكفاءات الجزائرية في الخارج”، لا تكتفي بتسجيل الأسماء، بل “تحدد الاختصاصات والخبرات ومواقع العمل وإمكانيات الاستثمار والبحث ونقل التكنولوجيا والشراكة”، على أن تُربط مباشرة بمؤسسات الاستثمار والجامعات ومراكز البحث. وأضاف أنه يمكن أيضًا التفكير في “صندوق استثماري متخصص في تعبئة مدخرات واستثمارات الجزائريين في الخارج”، مشددًا على أن الهدف “ليس جمع الأموال فقط، وإنما جذب المال والخبرة والتكنولوجيا والشبكات والأسواق في آن واحد”.
معيار النجاح.. الفاعلون لا العائدون
وفي ختام تصريحه، شدد تيغرسي على أن نجاح سياسة الدياسبورا “لا يجب أن يُقاس بعدد الجزائريين الذين عادوا إلى الوطن، وإنما بعدد الذين أصبحوا فاعلين في الاقتصاد الوطني”، طارحًا جملة من المؤشرات منها؛ عدد المشاريع الاستثمارية التي أنشأها جزائريون في الخارج، وعدد الشركات التي دخلت أسواقًا جديدة بفضل شبكات الدياسبورا، وعدد براءات الاختراع التي تحوّلت إلى منتجات، وعدد مناصب الشغل التي خلقتها هذه الاستثمارات.
واختتم الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي حديثه لـ”شرشال نيوز” قائلا” إن الرهان الحقيقي أمام الجزائر ليس أن تستعيد كل عقولها إلى الداخل، وإنما أن تجعل من العقول الجزائرية المنتشرة في العالم جزءًا من قوة اقتصادها، داخل الوطن وخارجه”.
مهدي الباز




