الأولى الوطني تحاليل وآراء

الصّبي والمخزن… مبالغة قضائية أم قرار سياسي في لباس قانوني؟

في الوقت الذي تستعد فيه الجزائر للدخول في مرحلة مفصلية من تاريخها الاقتصادي، مع اقتراب الافتتاح الرسمي لمنجم غار جبيلات بولاية تندوف، أحد أكبر مناجم الحديد في العالم، وما يحمله ذلك من رهانات سيادية وتنموية كبرى، يختار المخزن – في الجهة المقابلة – الانشغال بقضية هامشية في محاولة مكشوفة لتشتيت الانتباه وصناعة حدث سياسي من واقعة فردية.

القضية تتعلق بشاب جزائري في العشرين من عمره، “رؤوف بلقاسمي” صانع محتوى على منصة “يوتيوب”، سافر إلى المملكة المغربية من أجل تشجيع المنتخب الوطني. خلال بث مباشر، أطلق مزحة، سرعان ما تحولت – في سياق مشحون أصلًا بين البلدين – إلى قضية رأي عام، انتهت بإيداعه الحبس الاحتياطي وبرمجة محاكمته.السؤال الجوهري هنا ليس في توصيف الفعل ذاته فقط، بل في حجم التهويل والتضخيم الذي رافقه.

هل نحن أمام مخالفة بسيطة كان يمكن التعامل معها إداريًا أو بغرامة، أم أمام قرار سياسي مغلّف بقالب قانوني؟

من حيث المبدأ، لا أحد يجادل في احترام القوانين داخل أي دولة. غير أن تناسب العقوبة مع الفعل يبقى معيارًا أساسيًا في العدالة. فحتى لو افترضنا – جدلًا – أن الواقعة حدثت فعلًا، فهل يستحق فعل من هذا النوع، إن وقع بدافع الاضطرار، كل هذا التضخيم الإعلامي والقضائي؟

وهل كان الحبس الاحتياطي هو الخيار الوحيد، خاصة عندما يتعلق الأمر بأجنبي لا يملك إقامة مستقرة ولا يشكّل خطرًا على النظام العام؟

القضية هنا لم تعد مجرد ملف قانوني، بل خرجت من إطارها الطبيعي لتُقرأ في سياق سياسي مشحون، حيث تحوّل الخطأ الفردي – إن كان قد وقع – إلى رمز سياسي، وأُعيد تأويله باعتباره فعلًا موجّهًا، لا تصرّفًا معزولًا.

الجزائر، التي قدّمت دماء الشهداء من أجل سيادتها وكرامة أبنائها، لا يمكن أن تُستدرج إلى نقاشات هامشية مفتعلة، ولا أن تُبتزّ بقضية فردية. وهي دولة لم تعرف يومًا تصدير أبنائها بحثًا عن الرزق أو الاستقرار نحو المغرب، ما يجعل محاولات تصوير القضية كمسألة “حماية للسيادة” تفتقد إلى السياق الواقعي.

وفي المقابل، كان الأجدر بالمخزن، وهو يستضيف حدثًا قاريًا مهمًا، أن ينصرف إلى إنجاح التظاهرة رياضيًا وتنظيميًا، بدل البحث عن حادثة معزولة لصناعتها كقضية دولة، ولو كان الثمن شابًا في مقتبل العمر.

ويزداد المشهد تعقيدًا بفعل الفضاء الرقمي، الذي يملك قدرة هائلة على تضخيم الوقائع، وتحويلها من أخطاء فردية إلى رموز سياسية مشحونة بالدلالات، خاصة في لحظات التوتر بين الدول.

وهنا يصبح السؤال الأخلاقي والقانوني أكثر إلحاحًا: هل يُحاسَب الشخص على فعله فقط، أم على جنسيته؟

ثم تبرز ازدواجية المعايير بشكل أوضح عند مقارنة هذا “الحرص القانوني الصارم” مع الصمت أو التساهل إزاء ملفات أثقل وأعمق، مثل قضية سبتة ومليلية، أو الفضائح التنظيمية التي رافقت تظاهرات رياضية إفريقية سابقة. فلماذا تُستدعى الصرامة القصوى في حالات معينة، وتُغضّ الطرف في أخرى؟

في النهاية، تبدو القضية أقرب إلى محاولة لذرّ الرماد في العيون، وصرف الأنظار عن ملفات أكثر حساسية، في وقت لم تعد فيه مثل هذه الأساليب تقنع الرأي العام، في ظل وعي شعبي وإعلامي متزايد قادر على قراءة ما وراء الحدث.ويبقى السؤال الجوهري مطروحًا:

هل كان الأمر يستحق فعلًا كل هذه الجدية البالغة؟

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام