هز 24 أوت الجاري، زلزال رقمي المغرب، بعدما نشرت مجموعة القراصنة «جبروت» ما تقدمه على أنه بيانات شخصية لأكثر من 70 ألف عنصر من أجهزة الشرطة والأمن في المملكة، من بينهم أشخاص مرتبطون بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) والمديرية العامة للأمن الوطني (DGSN).
وتُعد هذه العملية، في حال تأكدت صحة المعطيات، اختراقًا إلكترونيًا بالغ الخطورة، من شأنه أن يعرّض عمليات أمنية للخطر، ويكشف هوية مخبرين ومصادر، ويضرب سرية جهاز أمني يُقدَّم عادةً باعتباره محكمًا وغير قابل للاختراق.
ومع ذلك، وبشكل لافت، بقيت غرف الأخبار المغربية صامتة.
وقد أشار الصحفي إغناسيو سيمبريرو علنًا إلى هذا الأمر، معتبرًا أن الصمت لم يكن مجرد تفصيل تقني. فعلى منصة «إكس»، لاحظ سيمبريرو أنه بعد مرور يوم كامل على نشر البيانات، لم تنقل أي صحيفة مغربية كبرى أو قناة تلفزيونية الخبر. ولم تضع أي وسيلة إعلام مغربية القضية في صدارة تغطيتها، كما لم يُفتح أي نقاش تلفزيوني بشأنها.
وفي بلد يفترض أن تؤدي فيه التسريبات التي تمس الدولة إلى صدى إعلامي واسع، يبدو هذا الصمت ذا دلالة كبيرة ويطرح أكثر من علامة استفهام.
صمت إعلامي يتغير حسب الموضوع
هذا الصمت ليس حادثة معزولة، بل يندرج، بحسب النص، ضمن نمط متكرر منذ ظهور «جباروت» في أفريل 2025.
فمع كل كشف جديد، سواء تعلق الأمر ببيانات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو بملفات إدارية حساسة أخرى، تراوحت ردود فعل وسائل الإعلام المغربية التقليدية بين التقليل من أهمية القضية، والصمت، والمعالجة السريعة، في وقت كثفت فيه الصحافة الأجنبية، ولا سيما الإسبانية، من تحليلاتها ومحاولاتها للتحقق من المعلومات.
والتباين واضح في الخارج، يتم البحث والتدقيق ومقارنة المعلومات واستجواب مسؤولين سابقين؛ أما في المغرب، فتبدو القضايا وكأنها تُنسى سريعًا.
ويمكن تفسير هذا الفراغ الإعلامي بآليات تتجاوز العمل الصحفي البحت. فالنسيج الإعلامي المغربي، وفق الطرح الوارد في النص، يرتبط بعلاقات سياسية واقتصادية وأحيانًا شخصية مع دوائر السلطة.
وتُعد الحملات الإعلانية، والضغوط الإدارية، والتحكم في الوصول إلى المعلومات، والتهديدات المباشرة أو غير المباشرة، من بين الوسائل التي تجعل بعض القضايا، خصوصًا تلك المرتبطة بالجهاز الأمني، تحظى بمعالجة حذرة.
والنتيجة هي إعلام تقل قدرته على نقل الصورة الكاملة إلى الرأي العام، لصالح إدارة سياسية وأمنية للأزمات بدل المعالجة الصحفية لها.
الثقة الدولية على المحك
فالمغرب استثمر خلال السنوات الأخيرة في بناء شبكة واسعة من التعاون الأمني مع شركاء أفارقة وأوروبيين. وفي إطار كأس أمم إفريقيا، وعلى المدى البعيد استعدادًا لكأس العالم 2030 الذي سيُنظم بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، قدمت الرباط نفسها باعتبارها شريكًا أساسيًا في التنسيق الأمني الإقليمي.
غير أن هذا النوع من التعاون يقوم على الثقة المتبادلة، وتبادل المعلومات، وتقاسم المعطيات العملياتية، وحماية المصادر.
وإذا كانت الصحافة المغربية تفضل الصمت بشأن تسريب واسع يمس عددًا كبيرًا من عناصر الأجهزة الأمنية، فإن الشركاء الخارجيين قد يطرحون تساؤلات مشروعة: هل البيانات محمية فعلًا؟ وهل يمكن للشركاء الاعتماد على قدرة المغرب على الحفاظ على سرية المعلومات؟
وفي غياب الشفافية، فإن الأمر قد يمس الثقة والصدقية على المستويين الدبلوماسي والعملياتي.
وقد جعلت بعض عناصر التغطية الصحفية الأجنبية القضية أكثر حساسية، إذ تحدثت وسائل إعلام إسبانية عن عمليات تحقق جزئية وشهادات لمسؤولين سابقين، وربطت بعض التقارير القضية باسم عبد اللطيف حموشي، الذي يتولى قيادة كل من المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للأمن الوطني.
كما وضعت الصحافة الدولية هذه المعطيات في سياق أحداث سابقة، من بينها أزمة الهجرة في سبتة، واستخدام أدوات أمنية ضد معارضين ومهاجرين.
وفي المقابل، فإن وسائل الإعلام المغربية، عندما تتناول القضية، تفعل ذلك بصورة محدودة، ومن دون تحقيقات معمقة أو عمليات تحقق واسعة، بحسب النص الأصلي.
صحافة تحت الضغط وديمقراطية أضعف
لا يتعلق الأمر، وفق هذا الطرح، بضعف مهني فحسب، بل بظاهرة تعكس وضعًا تصبح فيه السيطرة على المعلومات أداة من أدوات السلطة.
فالصحافة التي تمارس الرقابة الذاتية أو تتعرض لعراقيل غير رسمية تفقد جزءًا من مهمتها الأساسية إطلاع الرأي العام، ومساءلة أصحاب القرار، وحماية المواطنين من خلال الكشف عن المخاطر التي تهددهم.
ويؤثر هذا الصمت في الحياة الديمقراطية، إذ يُحرم المواطن من عناصر أساسية تساعده على تقييم وضع الأمن الجماعي والسياسات الحكومية.
كما تبقى الجهات التي قد تتضرر من التسريبات، سواء كانوا عناصر أمن أو مواطنين أو مهاجرين، من دون صوت واضح في النقاش العام.
وتتجاوز القضية حدود المغرب. ففي منطقة تُبنى فيها التحالفات الأمنية على المصالح الاستراتيجية والاقتصادية، يمكن أن يؤدي غياب الشفافية إلى زيادة انعدام الثقة.
ومن هنا، فإن المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية والشركاء الدوليين مطالبون، وفق هذا الطرح، بالحصول على إجابات واضحة حول عدة أسئلة ما الحجم الحقيقي للتسريب؟ وما المخاطر العملياتية المحتملة؟ وما إجراءات الحماية والتحقيق التي تم اتخاذها؟ والأهم، لماذا تلتزم وسائل الإعلام المغربية، التي يفترض أن تكون ضامنة للحقيقة أمام الرأي العام، الصمت؟
نحو تطبيع الصمت
إن السماح باستمرار مثل هذا الغياب الإعلامي قد يؤدي إلى تكريس قاعدة خطيرة داخل الوسط الصحفي المغربي، مفادها أن بعض المواضيع، عندما تتعلق بالمؤسسات الأمنية، ينبغي أن تبقى خارج دائرة النقاش العام.
وهي منزلق خطير؛ فكلما أصبح الصمت أمرًا مقبولًا، ازداد رسوخه. وكلما ترسخ، أصبح من الصعب على الصحفيين المستقلين أداء عملهم من دون التعرض للضغوط أو التهميش أو حتى الانتقام.
وتفرض هذه الوضعية، إذا أراد الشعب المغربي وأوروبا تفادي تحول القضية إلى مجرد فصل إضافي في تاريخ إعلام منزوع الاستقلالية، اتخاذ خطوات عاجلة.
لكن القضية، في نهاية المطاف، لا تتعلق بالإجراءات التقنية وحدها، وإنما بخيار سياسي أيضًا.
فالسلطة قد تفضل الغموض والتحكم في الرواية الإعلامية، في حين يمكن للمجتمع أن يطالب بالحقيقة والمساءلة.
أما الصحافة، فعليها أن تستعيد دورها الأساسي: طرح الأسئلة، والتحقق، والمقارنة، والنشر.
وإذا فشلت في ذلك، فإن الديمقراطية المغربية ستفقد إحدى أهم بوصلاتها.
فقضية «جباروت» ليست مجرد تسريب للبيانات، بل تكشف خطوط التوتر بين السلطة والأجهزة الأمنية والإعلام والمواطنين.
إن صمت غرف الأخبار المغربية ليس موقفًا محايدًا، بل هو فعل، أو ربما تخلي عن المسؤولية، يستحق التوثيق والمساءلة.
وطالما بقيت الكلمة الإعلامية مقيدة، فإن الثقة، داخليًا ودوليًا، ستواصل التآكل.




