الأولى الوطني تحاليل وآراء

الصحافة المغربية تنكسر بين مطرقة المخزن وسندان الباطرونا

كشف الاتحاد الوطني للصحافة المغربية (SNPM) في تقريره السنوي حول حرية الصحافة وأوضاع الصحفيين بالمغرب عن مؤشرات مقلقة تمسّ المهنة ومنتسبي قطاع الإعلام المغربي؛ فالمؤشرات المسجلة تعكس حجم التدهور في الحريات الإعلامية وفي الظروف المهنية للعاملين بالقطاع خلال سنة 2025. إلا أن ناقوس الخطر قد دقّ منذ سنوات، لتصل حالة الإعلام المغربي إلى نقطة الانهيار تعكسها المؤشرات والتقارير بالأرقام.

القمع يلاحق الصحافة المغربية.. الباطرونا تتسلط

يعيش المغرب حالة من التأزم السياسي والاجتماعي والإعلامي منذ عدة سنوات، فقد كشفت التقارير المتعلّقة بالحريات السياسية والإعلامية حجم هذا التأزم الذي وصل ذروته في ظل عجز مؤسسات الدولة عن تبني مقاربة إصلاحية رشيدة، مما أنتج مقاربة مزدوجة متناقضة تماماً عرضاً وجوهراً؛ ففي حين يؤكد المخزن على وجود مكتسبات دستورية وضمانات قانونية متعلّقة بالصحافة والنشر وحرية التعبير، تحذّر المنظمات الحقوقية المغربية والدولية من تراجعات وتضييق يطال حرية التعبير واستقلالية وسائل الإعلام.

هذه التحذيرات تنبع من واقع أليم يعيشه قطاع الإعلام بالمملكة المغربية منذ سنوات؛ ففي سنة 2022 التأمت تنسيقية الصحافة المكتوبة (الإلكترونية- الورقية) في اجتماع بمقر النقابة الوطنية للصحافة المغربية بالدار البيضاء لتداول الأوضاع المزرية التي يعيشها مهنيو الصحافة الورقية والإلكترونية، وبحث السبل الكفيلة بالنهوض بهذا القطاع الذي أصبح عاجزاً ومشلولاً بفعل التكسير الممنهج من قبل أرباب المقاولات الإعلامية في المغرب (الباطرونا)، وهي نوع من الأوليغارشية الإعلامية التي لها علاقة وثيقة برجال الأمن وحاشية الملك.

ودعت تنسيقية الصحافة المكتوبة (الإلكترونية- الورقية) خلال هذا الاجتماع إلى توحيد الصفوف وتوسيع العمل النضالي ضد تسلّط الباطرونا، وضد التضييق على حرية التعبير والحريات النقابية داخل المقاولات الإعلامية. كما تمّ الاتفاق على العديد من النقاط المتعلقة بالنشاط النضالي والتي من شأنها أن تعيد للصحفي كرامته قبل أن تطالب بحريته في التعبير، إلا أنه من 2022 إلى 2025 أرقام لسنوات وسنوات من المعاناة والأزمات تحمل مؤشرات لانهيار كل الحريات.

أزمة الأجور تهزّ قطاع الصحافة بالمغرب.. الأوليغارشية الإعلامية إلى أين؟

تتوالى الأزمات في مملكة قمع الحريات وقطع الحياة، لتتصدر المشهد الاجتماعي والاقتصادي أزمة الأجور والتأخّر في صرف رواتب الصحفيين والمحررين والمصورين والعاملين بعدد من المؤسسات الإعلامية المغربية المستفيدة من الدعم العمومي المخصص للصحافة. هذه الأزمة تجاوزت بعدها المهني لتصل إلى حد عجز العديد من منتسبي القطاع عن الوفاء بالتزاماتهم الأسرية والعائلية، وكذا سداد القروض البنكية أو العقارية وغيرها من الأعباء المادية التي تزامنت مع العطلة المدرسية الربيعية ومناسبة عيد الأضحى المبارك.

وقد فتحت هذه الأزمة النقاش حول ضرورة اتخاذ خطوات ملموسة للخروج بالقطاع من حالة الضعف والانهيار، إلى حالة التعبير عن الذات بعيداً عن الاستغلال الوظيفي للباطرونا الجشعة، وللاستغلال السياسي للقطاع. كما اشتدّ النقاش بين مهنيي القطاع حول طريقة تدبير ملف الدعم العمومي، الذي يعرف صداماً من بعض كبار الناشرين وأصحاب المؤسسات الإعلامية الكبرى (الأوليغارشية الإعلامية)، ما دفع الحكومة إلى مراجعة بعض الترتيبات المرتبطة بآلية صرف الدعم.

فيما يتساءل عدد من الصحفيين عن جدوى استمرار الدولة في تحمل أجور العاملين داخل مؤسسات إعلامية تحقّق مداخيل ضخمة من الإعلانات والإشهار العمومي والخاص، تصل في بعض الحالات إلى مئات الملايين سنوياً. هذا ويعتبر مهنيو القطاع أن عدداً من “الصحف الإلكترونية الكبرى” بات يعتمد بشكل شبه كلي على الدعم العمومي في أداء الرواتب، رغم الأرباح المهمة التي تحقّقها من السوق الإعلانية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة النقاش حول العدالة في توزيع المال العام داخل قطاع الإعلام.

وتعكس هذه النقاشات أزمة كبيرة يعيشها قطاع الإعلام بالمملكة المغربية، الأمر الذي أدى بالعديد من الصحفيين إلى مطالبة الوزارة بإعادة النظر في معايير الاستفادة من الدعم العمومي، وربط الاستفادة الحقيقية باحترام الحقوق الاجتماعية للعاملين، وضمان انتظام صرف الأجور والتصريحات القانونية.

  مؤشرات مقلقة تعري واقع الأزمة الراهنة للإعلام بالمغرب

توحي المؤشرات الحالية بأن بنية النظام السياسي المخزني تآكلت إلى حد الانهيار بعد أن وصل قمع المخزن لحرية التعبير والصحافة، التي من المفروض أن تُكفل بحكم القانون وتُترك بلا قيود لتحفظ ماء وجه نظام يدعي الليبرالية ولغة الديمقراطية والحرية في المحافل الدولية. فالتراجع المسجل في مؤشرات حرية الصحافة خلال سنة 2025، يعكس بوضوح حجم القمع المخزني الممارس على الصحافة ومنتسبي قطاع الإعلام بالمغرب.

كما أن المؤشرات التي حُدّدت في التقرير السنوي تكشف حجم الضغوطات الممارسة على الإعلام المستقل الذي يدفع ثمناً باهظاً مقابل ممارسة دوره الرقابي وكشفه للاختلالات والفساد وسوء التدبير. وفي هذا الصدد، أوضح التقرير بأن حرية الصحافة في المغرب شهدت تراجعاً تدريجياً خلال العام الماضي، راداً ذلك إلى غياب إصلاحات مؤسسية وتشريعية من شأنها ضمان استقلالية العمل الصحفي وتعزيز الحق في الحصول على المعلومات، وهي حالة مرضية يخشى المخزن أن تتوفر في الإعلام المستقل خشية تسرّب الحقائق وتكشف المعلومات على أعلى مستوى هرم السلطة بما يهدّد انهياره ويعجل أكثر في زواله.

وحسبما أشار التقرير، فإن مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة يثير قلقاً متزايداً في الأوساط الإعلامية والحقوقية، معتبراً أن إعداد هذا النص تمّ دون تشاور حقيقي مع النقابات والمنظمات المهنية والفاعلين في مجال حقوق الإنسان، وهو ما أثار انتقادات واسعة داخل الأوساط الإعلامية، إذ يعتبر هؤلاء أن السلطة تسعى إلى إحكام قبضتها على المؤسسات المفترض أن تدافع عن استقلالية المهنة، وتحويلها إلى أدوات للضبط والتوجيه بدل أن تكون فضاءات للتنظيم الذاتي والدفاع عن حرية الصحافة.

كما تناول التقرير استئناف المتابعات والإجراءات القانونية ضد عدد من الصحفيين خلال سنة 2025، معتبراً أن هذه التطورات تطرح تحديات إضافية أمام ممارسة العمل الإعلامي، وهو ما يتنافى مع الخطاب الرسمي الذي يدّعي الإصلاح والانفتاح.

كما أبرز التقرير أن آلاف الصحفيين يعيشون أوضاعاً مهنية متردية تتّسم بهشاشة العقود وضعف الأجور وتراجع الحماية الاجتماعية، وهو واقع دُق ناقوسه منذ 2022 إلا أن الوضع الراهن اليوم يؤكد بأنه في المملكة المغربية لا توجد أذن صاغية ولا حكومة واعية بل سلطة قمعية ترى في الصحافة قوة موازية تعمل لكبحها من خلال جملة من الممارسات اللاأخلاقية بتواطؤ مع الباطرونا (الأوليغارشية الإعلامية) التي تمتهن الابتزاز المالي والضغط المهني للتحكّم في كل المنظومة الإعلامية بما يخدم مصالح المخزن وحاشيته.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام