في ظل التحوّلات التكنولوجية المتسارعة، بات الإنسان يعيش بين عالمين متداخلين: عالم واقعي تحكمه القوانين الاجتماعية التقليدية، وعالم رقمي معزَّز بالذكاء الاصطناعي والخوارزميات، يفرض أنماطاً جديدة من التفاعل والسلوك. هذا الواقع الجديد يطرح أسئلة عميقة حول الهوّية والعلاقات الاجتماعية والصّحة النفسية. وفي هذا الحوار الخاص مع جريدة شرشال نيوز، قدّم مختص علم الاجتماع الرقمي السعيد منصور قراءة سوسيولوجية لهذه التحولات وانعكاساتها المختلفة.
شرشال نيوز: عالمان متوازيان… كيف تقرأ هذه الظاهرة نفسياً واجتماعياً؟
الدكتور السعيد منصور: “لم نعد أمام ‘فضاء تواصل’ فقط، بل أمام بيئة عيش تعيد تشكيل إدراك الذات والآخر ومعايير القبول والاعتراف الاجتماعي. في العالم الرقمي تتغيّر قواعد التفاعل، حيث نجد سرعة الاستجابة، قابلية القياس (إعجابات/تعليقات/مشاركات)، وآليات المقارنة الاجتماعية الدائمة، كلّها تجعل الفرد يعيش حضورا مستمرا لـ‘نظرة الجمهور’ حتى وهو بمفرده.
وبالنسبة للمجتمع الحديث، هذا يعني تحوّلاً في بنية العلاقات: من علاقات تقليدية تقوم على القرب المكاني والقرابة، إلى علاقات شبكية تحدّدها الاهتمامات والتمثلات والصورة الرقمية، وهو ما يخلق فرصاً للتعلّم والعمل لكنه يفتح أيضاً الباب لارتباكات الهوية والخصوصية والمعنى.”
شرشال نيوز: ما الآثار النفسية والاجتماعية للاعتماد المفرط على التواصل الاجتماعي؟
الدكتور السعيد منصور: “الاعتماد المفرط يرفع منسوب التوتّر والانشغال الذهني لأن الفرد يصبح في حالة ‘يقظة اتصالية’ دائمة: ينتظر الإشعارات، يراجع التفاعلات، ويقيس قيمته الاجتماعية رقمياً. كما تظهر آثار اجتماعية مثل ضعف جودة الحوار داخل الأسرة والمحيط القريب، ويتحوّل النقاش العام إلى استقطاب سريع لأن المنصات تكافئ المحتوى الأكثر إثارة لا الأكثر عمقاً.
ومع ذلك، لا ينبغي شيطنة الوسائط: فهي قد تعوّض العزلة الجغرافية، وتمنح فرص دعم نفسي معرفي، وتسمح بتكوين مجتمعات اهتمام إيجابية؛ المشكلة غالباً في ‘الجرعة’ وفي غياب التربية الإعلامية والوعي بالآليات الخفية للمنصات.”
شرشال نيوز: من المسؤول عن الصورة المثالية الزائفة: المنصّات أم المستخدمون أم الخوارزميات؟
الدكتور السعيد منصور: “المسؤولية مشتركة ولكن بدرجات متفاوتة. المنصات تصمّم اقتصادياً لزيادة زمن البقاء والانتباه، ما يجعلها تفضّل المحتوى الذي يثير المقارنة والانبهار والجدل لأنه يحقّق تفاعلاً أعلى. الخوارزميات ليست ‘كياناً مستقلاً’ بقدر ما هي قواعد مفاضلة مبنية على أهداف المنصة وبيانات سلوك المستخدمين، لذلك تضخّم الأنماط الموجودة أصلاً وتعيد تدويرها بقوة.
أما المستخدمون، فيسهمون عبر ضغط المعايير الاجتماعية الجديدة ومن ضمنها السعي للصورة الأجمل، انتقاء اللحظات، وتقديم ‘حياة محرّرة من العيوب’ لأسباب نفسية أو اقتصادية، وهنا يصبح الزيف أحياناً عقداً اجتماعياً غير مكتوب أكثر منه كذباً فردياً.”
شرشال نيوز: كيف نعيد التوازن بين العالمين الرقمي والواقعي؟
الدكتور السعيد منصور: “إعادة التوازن لا يكون بشعار ‘اترك الهاتف’، بل بخطّة واقعية على ثلاثة مستويات: الفرد، الأسرة/المدرسة، والمنصة/السياسة العامة.
على مستوى الفرد: وضع حدود زمنية ثابتة، فصل أوقات الاستهلاك عن أوقات الإنتاج، وإيقاف الإشعارات غير الضرورية لتقليل الاستدعاء القهري للانتباه.
على مستوى الأسرة/التربية: إدراج التربية الإعلامية والرقمية كمهارة حياة، مع فهم المقارنة الاجتماعية، التضليل، الخصوصية، وآليات الإدمان السلوكي.
على مستوى المؤسسات/المنصات: المطالبة بالشفافية في الإعلانات المموّلة، حماية البيانات، وسياسات تَحُدّ من استهداف القصّر، لأن التوازن الفردي وحده ضعيف أمام تصميمات تعتمد على ‘اقتصاد الانتباه’.”
شرشال نيوز: هل الأمل قائم لاستعادة علاقة سليمة مع الوسائط الرقمية؟
الدكتور السعيد منصور: “نعم، الأمل قائم بشرط الانتقال من ردّ فعل أخلاقي إلى وعي عملي. الوسائط أدوات يمكن ‘تدجينها’ بقواعد استخدام واعية ومهارات نقدية. تغييرات بسيطة مثل تنظيم الوقت، تنظيف قائمة المتابعة، وتحويل الهاتف من منصّة ترفيه إلى أداة إنتاج قد تصنع فرقاً نفسياً واجتماعياً سريعاً عندما تصبح عادة.
الأهم أن المجتمع عندما يرفع وعيه عبر المدرسة والإعلام والأسرة يستعيد القدرة على جعل التكنولوجيا في خدمة الإنسان لا العكس، وهذا جوهر الرهان في علم الاجتماع الرقمي اليوم.”





