الأولى الوطني تحاليل وآراء
✒️ الخبير الأمني أحمد ميزاب

الخبير الأمني أحمد ميزاب لـشرشال نيوز: توجيهات الفريق أول السعيد شنڨريحة تعكس وعياً متقدماً بتحولات الفكر العسكري العالمي

أكد الفريق أول السعيد شنڨريحة، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، في كلمته التوجيهية الأخيرة خلال زيارته الرسمية إلى قيادة الناحية العسكرية الخامسة بقسنطينة، أن التفوق العسكري الحقيقي لا يقاس بنوعية السلاح فقط، بل يكمن في القدرة على الصمود وامتلاك البدائل التكتيكية واكتساب الجاهزية العملياتية النوعية.

وتأتي هذه التوجيهات الصارمة في سياق إقليمي ودولي معقد، ساد فيه اعتقاد استراتيجي وعسكري بأن نوعية السلاح، والأنظمة الذاتية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي هي العناصر الحاسمة وحدها في تحقيق التفوق العملياتي، وأن إدماج هذه التقنيات الحديثة يمنح القوات المسلحة الفعالية المطلقة لتحقيق النصر؛ إلا أن العامل الحاسم والأساسي -كما أشار الفريق أول- يبقى دائماً هو القدرة على الصمود والجاهزية المستمرة.

وفي هذا الصدد، أجرت “شرشال نيوز” اتصالاً بالخبير الأمني والاستراتيجي، الدكتور أحمد ميزاب، الذي قدم قراءة تحليلية مستفيضة لكلمة الفريق أول السعيد شنڨريحة، مبرزاً أبعاد هذه التوجيهات من الناحيتين الاستراتيجية والعسكرية.

التفوق العسكري لا يكمن في الأسلحة المتطورة فقط

أوضح الخبير الأمني الدكتور أحمد ميزاب، في تصريح خاص لـ “شرشال نيوز”، أن الفريق أول السعيد شنڨريحة، من خلال كلمته التوجيهية الأخيرة، أكد مقاربة استراتيجية عميقة تعكس وعياً متقدماً بطبيعة التحولات التي يشهدها الفكر العسكري العالمي؛ حيث جدد التأكيد على أن التفوق العسكري الحقيقي لا يمكن اختزاله في امتلاك الأسلحة المتطورة، أو الأنظمة الذكية، أو تقنيات الذكاء الاصطناعي فحسب، وإنما يرتبط أساساً بقدرة الجيوش على الصمود الطويل، والتكيف مع التحولات الميدانية، وامتلاك البدائل التكتيكية، والمحافظة على الجاهزية العملياتية النوعية في مختلف الظروف والتحديات.

وفي هذا السياق، لفت الخبير الأمني أحمد ميزاب إلى أهمية هذه الرؤية في ظل السياق الإقليمي والدولي الحالي الذي يشهد تحولات متسارعة في طبيعة الحروب والصراعات، خاصة بعد بروز اعتقاد واسع خلال السنوات الأخيرة بأن التكنولوجيا العسكرية المتقدمة قادرة وحدها على حسم المعارك وتحقيق التفوق الاستراتيجي.

وفي خضم هذا التحول، أشار ميزاب إلى نقطة جوهرية، وهي أن التكنولوجيا مهما بلغت من تقدم وتطور لا يمكنها تحقيق الحسم النهائي، قائلاً: “إن التجارب الميدانية الحديثة، سواء في الحروب التقليدية أو غير المتماثلة، أثبتت أن التكنولوجيا مهما بلغت من تطور تمنح أفضلية تكتيكية وميدانية مؤقتة، لكنها لا تضمن بالضرورة الحسم النهائي؛ لأن معيار القوة الحقيقي يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة وجيشها على الاستمرار تحت الضغط، وتحمل الاستنزاف، والحفاظ على التماسك العملياتي والنفسي واللوجستي خلال الأزمات الممتدة”.

إعادة توجيه للفكر الاستراتيجي

يرى الخبير الأمني أحمد ميزاب أن كلمة الفريق أول السعيد شنڨريحة تعد إعادة توجيه للفكر الاستراتيجي نحو مفهوم “القوة الشاملة”، التي لا تقوم فقط على امتلاك الوسائل التقنية، بل على بناء منظومة دفاعية متكاملة قادرة على التكيف مع مختلف السيناريوهات، حيث يصبح العنصر البشري، والعقيدة العسكرية، والانضباط، والمرونة التكتيكية، والقدرة على إدارة المعركة في البيئات المعقدة، عناصر لا تقل أهمية عن السلاح نفسه، بل قد تكون في بعض الحالات العامل الحاسم في تقرير نتائج الصراعات.

ولفت الخبير الأمني إلى أن الإشارة إلى أهمية “امتلاك البدائل التكتيكية” تحمل دلالة استراتيجية دقيقة، موضحاً أن أحد أبرز دروس الحروب الحديثة يتمثل في أن الجيوش التي تعتمد على نمط عملياتي واحد أو على منظومات قتالية جامدة تصبح أكثر عرضة للاختراق والإرباك عند مواجهة تهديدات هجينة أو متغيرة، بينما تتمكن الجيوش التي تمتلك المرونة في التخطيط والقدرة على الانتقال السريع بين أساليب القتال المختلفة من الحفاظ على توازنها العملياتي، وامتصاص الصدمات، وإعادة تشكيل تموضعها وفق تطورات الميدان.

كما أكد الخبير الأمني أحمد ميزاب أن حديث الفريق أول السعيد شنڨريحة عن “الجاهزية العملياتية النوعية” يعكس فهماً متقدماً لمفهوم الجاهزية العسكرية الحديثة، مبرزاً في هذا الصدد أن “الجاهزية العسكرية الحديثة لم تعد تقتصر على التدريب التقليدي أو الجاهزية القتالية الكلاسيكية، بل أصبحت تشمل القدرة على إدارة الحروب السيبرانية والإلكترونية، والتحكم في تدفق المعلومات، والتنسيق بين مختلف الأفرع العسكرية، والتعامل مع التهديدات المركبة والعابرة للحدود، إضافة إلى ضمان سرعة الاستجابة والقدرة على اتخاذ القرار في بيئات تتسم بالغموض والسرعة والتعقيد”.

رسالة استراتيجية تتجاوز بعدها العسكري

ويرى الخبير الأمني أحمد ميزاب أن هذه التوجيهات تتجاوز البعد العسكري المحض لتمتد إلى أبعاد حيوية أخرى، قائلاً: “إن هذه التوجيهات تحمل أيضاً بعداً سيادياً واستراتيجياً واضحاً؛ لأن الفريق أول أراد التأكيد بصورة غير مباشرة على أن بناء الأمن الوطني لا يمكن أن يقوم على التبعية التكنولوجية أو الارتهان المطلق للمنظومات الخارجية، خاصة في عالم يشهد تصاعداً للتنافس الجيوسياسي، والحروب الاقتصادية، والقيود المفروضة على سلاسل الإمداد والتكنولوجيا العسكرية، وهو ما يجعل من بناء الإنسان العسكري وتعزيز القدرة الذاتية على الصمود والتكيف أحد أهم الضمانات الحقيقية لاستمرارية القوة الوطنية وحماية السيادة الوطنية في مختلف الظروف”.

وخلص بالقول “إن كلمة الفريق أول السعيد شنڨريحة يمكن اعتبارها رسالة استراتيجية تتجاوز بعدها العسكري المباشر، لأنها تعكس فهما جزائريا متقدما لطبيعة الحروب الجديدة”

وأضاف الخبير ” كما ان هده الكلمة تؤكد أن معادلة القوة في المرحلة المقبلة لن تحسم فقط بمن يمتلك السلاح الأكثر تطورا، وإنما بمن يمتلك القدرة الأكبر على الصمود، والتكيف، وإدارة المعركة على المدى الطويل، والحفاظ على تماسك الدولة ومؤسساتها في بيئة إقليمية ودولية تتسم بارتفاع منسوب اللايقين وتعدد التهديدات وتحول الصراعات من الحروب التقليدية إلى الحروب المركبة والهجينة.”

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام