الأولى الساحل الافريقي الوطني تحاليل وآراء
✒️ الخبير الأمني أحمد ميزاب لـ"شرشال نيوز"

الجزائر تنتقل من منطق حماية الحدود إلى هندسة الاستقرار الإقليمي

أكد الخبير الأمني أحمد ميزاب، أنه لا يمكن فهم التحرك الجزائري الأخير الداعم للنيجر من خلال المقاربة العسكرية الضيقة أو من زاوية التعاون الثنائي التقليدي بين دولتين جارتين.

وأوضح الخبير الأمني ميزاب في مداخلته لـ”شرشال نيوز”، بأن السياق الإقليمي الذي جاء فيه هذا التحرك، وطبيعة الوسائل العسكرية المستخدمة، والتوقيت الذي تم اختياره، كلها مؤشرات تدفع نحو قراءة أعمق ترتبط بالتحولات التي تشهدها العقيدة الأمنية الجزائرية في محيطها الاستراتيجي الجنوبي.

ونوه الخبير الأمني أن النيجر اليوم ليست مجرد دولة مجاورة للجزائر، بل تمثل إحدى الركائز الأساسية للأمن والاستقرار في الفضاء الساحلي الصحراوي، مشيرا إلى أن أي اضطراب واسع النطاق داخل هذا البلد ستكون له تداعيات مباشرة على مجمل المنظومة الأمنية الإقليمية، بدءا من تنامي نشاط الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة، وصولا إلى تفاقم أزمات الهجرة غير النظامية والاتجار بالمخدرات والسلاح والبشر.

ومن هذا المنطلق، يرى الخبير الأمني ميزاب أن الجزائر تتعامل مع التطورات الجارية في النيجر باعتبارها جزءا من معادلة الأمن القومي الجزائري، وليس باعتبارها أزمة خارجية منفصلة جغرافيا وسياسيا عنها، وهي مقاربة تنسجم مع التحولات التي شهدتها البيئة الأمنية في الساحل خلال العقد الأخير، حيث أثبتت الوقائع الميدانية أن التهديدات العابرة للحدود لم تعد تعترف بالمسافات ولا بالحدود السياسية التقليدية.

وفي ذات السياق قال الخبير الأمني أحمد ميزاب  “بإن إرسال مقاتلات من طراز “سوخوي 30″ لا يحمل فقط دلالة عسكرية، بل يكتسب بعدا استراتيجيا ورمزيا بالغ الأهمية، موضحا أن هذه المنصات القتالية تمثل أحد أبرز أدوات الردع الجوي والقدرة على فرض السيطرة على المجال الجوي ومرافقة العمليات البرية وتنفيذ التدخلات السريعة عند الضرورة.”

وأضاف الأستاذ ميزاب أن اختيار دولة ما توظيف هذا النوع من القدرات في سياق إقليمي معين لا يعني إرسال معدات عسكرية فقط، بل يحمل رسائل سياسية وأمنية واضحة إلى مختلف الفاعلين.

وفي هذا الصدد، أوضح أن الرسالة الأولى موجهة إلى التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة الناشطة في منطقة الساحل، ومفادها أن البيئة الأمنية في النيجر لم تعد فضاء مفتوحا يمكن استغلاله لإعادة التموضع أو بناء مراكز نفوذ جديدة، وأن أي محاولة لاستثمار حالة الاضطراب أو استغلال هشاشة بعض المناطق ستواجه بمنظومة ردع أكثر فعالية وقدرة على الاستجابة.

أما الرسالة الثانية، يضيف الخبير الأمني، فتتجاوز الفاعلين غير الحكوميين لتصل إلى القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في التنافس على منطقة الساحل، مؤكدا أن الجزائر ترفض ترك المنطقة رهينة للصراعات الجيوسياسية أو مشاريع إعادة تشكيل النفوذ الخارجي.

وأوضح الخبير الأمني أحمد ميزاب بأن الجزائر تؤكد امتلاكها الإرادة والقدرة على المساهمة الفعلية في إنتاج الأمن والاستقرار الإقليميين، من خلال شراكات متوازنة تحترم سيادة الدول وخياراتها الوطنية.

وحسب الخبير الأمني فان الرسالة الرسالة الثالثة فهي تتعلق بإعادة تعريف مفهوم الأمن الجماعي في منطقة الساحل، إذ تدرك الجزائر أن مواجهة التهديدات الحالية لا يمكن أن تتم من خلال المقاربات الدفاعية التقليدية القائمة على حماية الحدود فقط، وإنما تقتضي بناء فضاء أمني متكامل يقوم على التنسيق الاستخباراتي والتعاون العملياتي وتبادل القدرات والخبرات بين دول المنطقة.

وفي هذا الصدد، لفت الأستاذ ميزاب بأن التحرك الجزائري يمكن النظر إليه باعتباره جزءا من استراتيجية أوسع تقوم على مفهوم “الدفاع المتقدم”، من خلال التعامل مع مصادر التهديد داخل العمق الاستراتيجي الإقليمي قبل وصولها إلى المجال الوطني، مشيرا إلى أن تجارب السنوات الماضية أثبتت أن كلفة احتواء التهديدات في مراحلها الأولى أقل بكثير من كلفة مواجهتها بعد تحولها إلى أزمات مركبة وعابرة للحدود.

كما يندرج هذا التوجه، حسب الخبير الأمني ميزاب، ضمن ما يمكن تسميته بـ”الهندسة الأمنية الإقليمية”، أي بناء شبكة من الترتيبات الأمنية والعسكرية والسياسية القادرة على إنتاج الاستقرار بشكل جماعي ومستدام.

وأوضح في هذا الشأن بأن الجزائر، بدلا من الاكتفاء بردود الفعل الظرفية، تسعى إلى المساهمة في تشكيل بيئة إقليمية أكثر قدرة على الصمود أمام محاولات الاختراق والتفكيك وزعزعة الاستقرار.

ووفقا للخبير الأمني أحمد ميزاب فأن هذا التحرك يكسب أهمية إضافية بالنظر إلى الظروف التي تمر بها منطقة الساحل، حيث تتداخل التهديدات الأمنية مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتتصاعد محاولات استغلال الهشاشة المؤسساتية لبعض الدول من قبل شبكات الإرهاب والجريمة المنظمة وقوى النفوذ الخارجية.

وفي مثل هذه البيئات، يضيفالأستاذ ميزاب قائلا” تصبح المحافظة على استقرار دولة محورية مثل النيجر مسألة تتجاوز حدودها الوطنية لتتحول إلى قضية أمن إقليمي بامتياز.”

وخلص الخبير الأمني أحمد ميزاب إلى أن الدعم الجزائري للنيجر لا يعكس مجرد تضامن ظرفي أو تعاونا عسكريا محدودا، بل يكشف عن رؤية استراتيجية متكاملة تعتبر أن أمن الساحل يبدأ من تعزيز استقرار دوله ودعم قدراتها الوطنية، كما يعبر عن إدراك متزايد بأن مستقبل الأمن في شمال إفريقيا والساحل سيتحدد بمدى قدرة دول المنطقة على بناء منظومة تعاون فعالة تمنع تشكل الفراغات الأمنية وتغلق المجال أمام مشاريع الفوضى والتفكيك.

وفي هذا السياق، يرى الأستاذ أحمد ميزاب أن الجزائر تواصل ترسيخ موقعها كفاعل محوري في معادلات الأمن الإقليمي، ليس فقط من خلال حماية حدودها، وإنما عبر المساهمة في بناء الاستقرار داخل عمقها الاستراتيجي الجنوبي، وهي مقاربة قد تجعل منها خلال السنوات القادمة أحد أهم منتجي الأمن والاستقرار في الفضاء الساحلي الصحراوي، في مرحلة تتزايد فيها الحاجة إلى حلول إقليمية لمواجهة تحديات إقليمية متنامية.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام