أعادت الجزائر، تحت قيادة الرئيس عبد المجيد تبون، صياغة خطابها الدبلوماسي، وتعزيز حضورها الدولي والإقليمي، مما مكنها من فرض نفسها كفاعل محوري واستراتيجي موثوق لدى القوى الكبرى خاصة في ملفات الطاقة وأمن الساحل، وقد تجسد ذلك من خلال شبكة واسعة من الشراكات والتحركات السياسية والاقتصادية التي أسهمت في إعادة رسم توازنات جديدة في المنطقة، وبرز ذلك أكثر مع تبنيها لمبدأ الندية والسيادة في إدارة علاقاتها الخارجية.
هذا التحول أعاد بعض العلاقات المتوترة إلى واجهة الاهتمام وفتح الباب أمام مراجعات سياسية ودبلوماسية، ولا يُخص بالذكر في هذا الموضع إلا “فرنسا” التي بنت مواقفها في مرحلة سابقة على حسابات مسبقة دون انتظار تطورات المشهد.
محاولات فرنسية لتجاوز أزمة دبلوماسية استمرت لعامين
ها هي اليوم “فرنسا”، بعد نحو عامين من التوترات الدبلوماسية الحادة التي طبعت العلاقات مع الجزائر، تُجرب حظها من خلال محاولات حثيثة لإعادة الحسابات، وفتح قنوات حوار مع الجزائر لعل وعسى أن تعود الأمور الى نصابها، غير أن هذه التحركات لن تمحو السجل المثقل ولا تبدو كافية لتجاوز الملفات الثقيلة التي ما تزال تُلقي بظلالها على العلاقة بين البلدين، وفي مقدمتها المواقف السياسية الفرنسية، وعلى رأسها دعم باريس للمغرب في قضية الصحراء الغربية.
ومن أبرز مؤشرات التحركات الفرنسية لإعادة الحسابات تجاه الجزائر “عودة السفير الفرنسي ستيفان روماتي”، السبت، إلى مهامه بعد أكثر من عام على استدعائه على خلفية موقف باريس الداعم للمغرب في قضية الصحراء، كما تزامنت العودة مع إيفاد قصر الإليزيه لـ “أليس روفو” الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش للمشاركة في إحياء محطة تاريخية “مجازر 08 ماي 1945 بسطيف” التي ظلت لعقود تمثل أحد أكثر ملفات الذاكرة حساسية.
تعد هذه الخطوات من الجانب الشكلي، خطوة دبلوماسية مهمة لإعادة إطلاق علاقة ثنائية كانت متجمدة، ورغبة واضحة في استئناف التعاون القنصلي وترميم الثقة، ورغم أن الكثير من المراقبين اعتبروا عودة السفير دون اعتذار فرنسي رسمي عن الأزمات السابقة، ودون تراجع باريس عن موقفها الداعم للسيادة المغربية في الصحراء، يمثل “استسلاماً جزائرياً مؤقتاً” وتكراراً لسيناريو عودة السفير الإسباني، لكن توقيت العودة في ذكرى 8 ماي، واستهلال السفير مهامه من سطيف (موقع تاريخي حساس)، هو الذي أعاد قراءة هذه الزيارة، إذ يعتبر إجباراً جزائرياً لفرنسا على التعامل مع ملف الذاكرة، ويحول العودة إلى “ندّية” دبلوماسية وليست خضوعاً، فالجزائر لا تعود إلا بشروطها، وعودة السفير الفرنسي لا تعني بالضرورة عودة السفير الجزائري لباريس بنفس السرعة أو بنفس الصلاحيات.
كما أن توقيت العودة يعكس حاجة باريس الملحة لاستعادة قناة تواصل فعالة مع “القوة الإقليمية” في شمال إفريقيا، ففرنسا كانت تعيش عزلة حقيقية في هذه القارة، وهي الأكثر احتياجاً لهذه العودة حالياً، لأنها بدون الجزائر تصبح خارج اللعبة تماماً في ملفات الهجرة، الغاز، والأمن في الساحل.
غير أنه إذا كانت فرنسا تريد فعلا فتح صفحة جديدة مع الجزائر لا بد لها أن تمر عبر ملف أحداث 08 ماي وأن تعترف بحجم الجريمة الاستعمارية؛ فالمجازر التي شهدتها سطيف وقالمة وخراطة ليس “مأساة” لأن الجزائر (وشعبها) لن تغمض عينيها عن ملف الذاكرة الوطنية.
الجزائر؛ التي باتت تتحرك بثقة أكبر على الساحة الدولية؛ أثبتت أنها بلد لا يقبل التعامل معه بمنطق الضغط أو الابتزاز الدبلوماسي، وهو ما عزز موقعها كشريك يحظى باهتمام متزايد من عدة قوى دولية، وهذا ما جعل فرنسا تتحرك بمنطق الحاجة لاستعادة قناة مع هذا البلد، فضلا عن الانزال الدبلوماسي الذي شهدته الجزائر في الآونة الأخيرة والذي تميز بزيارات رفيعة المستوى من مسؤولين أوروبيين وأمريكيين، إلى جانب الزيارة الرسمية التي قادت رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، إلى تركيا، والتي عكست توسع التحرك الجزائري خاصة بعدما توجت بالتوقيع على عدة اتفاقيات تعاون شملت قطاعات حيوية، على غرار الصناعة والتجارة والطاقة والنقل والفلاحة والتكنولوجيا، فضلا عن تأكيد الطرفين رفع حجم المبادلات التجارية وتعزيز التنسيق السياسي في القضايا الإقليمية والدولية.
حفيظـة بن عيسى




