يشهد قطاع صناعة السيارات في الجزائر تحولًا لافتًا، مع تزايد اهتمام كبرى الشركات العالمية، خاصة الصينية والأوروبية، بالاستثمار في السوق الوطنية، في ظل إصلاحات حكومية تهدف إلى بناء صناعة حقيقية تعتمد على التصنيع المحلي ورفع نسبة الإدماج، بدل الاكتفاء بعمليات التركيب.
وتشير تقارير صادرة عن مواقع دولية متخصصة في صناعة السيارات إلى أن الجزائر أصبحت من بين أكثر الأسواق جذبًا للاستثمارات الجديدة في شمال إفريقيا، بفضل حجم الطلب المحلي، وموقعها الجغرافي الإستراتيجي الذي يربط أوروبا بإفريقيا، إلى جانب القوانين الجديدة التي تشجع على الإنتاج المحلي وتفرض نسبًا متزايدة للإدماج الصناعي.
وفي هذا الإطار، كشفت منصة CarNewsChina أن علامات صينية كبرى، من بينها جيلي وشيري وجاك، تدرس أو تعمل على تنفيذ مشاريع صناعية في الجزائر، ضمن رؤية لا تستهدف السوق المحلية فقط، بل تراهن أيضًا على تحويل الجزائر إلى قاعدة إنتاج موجهة نحو الأسواق الإفريقية، مستفيدة من موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية.
وبحسب المصدر ذاته، تخطط جيلي لاستثمار يقارب 200 مليون دولار لإنشاء مصنع لإنتاج السيارات في الجزائر، بطاقة إنتاجية أولية تصل إلى 50 ألف مركبة سنويًا، مع إمكانية رفعها تدريجيًا حسب تطور الطلب وتوسع شبكة المناولة المحلية.
أما شيري، فقد أكد وزير الصناعة في تصريحات سابقة أن الشركة تحصلت على الرخصة الأولية لإنجاز مصنعها بتاريخ 3 أكتوبر 2024، في حين يبقى الحصول على الاعتماد النهائي مرتبطًا باستكمال الإجراءات القانونية والتقنية وإنجاز المشروع وفق دفتر الشروط المعمول به. وحتى الآن، لم يصدر إعلان رسمي عن انطلاق الإنتاج التجاري للمصنع، ما يعني أن المشروع لا يزال في مرحلة التجسيد.
من جهتها، تواصل مجموعة ستيلانتيس توسيع استثماراتها في الجزائر من خلال مصنع فيات بطفراوي في ولاية وهران، الذي يشكل حجر الأساس في الإستراتيجية الصناعية للمجموعة في المنطقة. وتهدف الشركة إلى رفع الطاقة الإنتاجية للمصنع تدريجيًا، مع زيادة نسبة الإدماج المحلي، وإشراك المزيد من الموردين الجزائريين في سلسلة الإنتاج، بما يعزز القيمة المضافة المحلية ويخلق مناصب شغل جديدة.
وتشير تقارير أوروبية متخصصة إلى أن توسع استثمارات ستيلانتيس يعكس ثقة متزايدة في السوق الجزائرية، خاصة مع تحسن مناخ الاستثمار وتوجه السلطات نحو إنشاء منظومة صناعية متكاملة تشمل صناعة المكونات وقطع الغيار، وليس الاكتفاء بتجميع المركبات.
وفي السياق نفسه،اكدث منصة MarkLines، المتخصصة في صناعة السيارات عالميًا، اهتمامًا متزايدًا من شركات أوروبية وموردي مكونات السيارات بالسوق الجزائرية، معتبرة أن المشاريع الجارية قد تفتح الباب أمام استثمارات جديدة في الصناعات مكونات السيارات، وهي الحلقة الأساسية في نجاح أي صناعة سيارات متكاملة.
ويرى خبراء أن اهتمام الشركات الصينية بالجزائر لا يعود فقط إلى حجم السوق الوطنية، بل أيضًا إلى رغبتها في بناء قواعد إنتاج خارج الصين، تمكنها من التوسع في الأسواق الإفريقية، في وقت تواجه فيه صادرات السيارات الصينية إلى بعض الأسواق الغربية تحديات تجارية ورسومًا إضافية.
ويؤكد مختصون أن الجزائر تمتلك اليوم عدة عناصر تجعلها مؤهلة للتحول إلى قطب صناعي إقليمي، من بينها وفرة اليد العاملة، وتوسع المناطق الصناعية، وتحسن البنية التحتية، إضافة إلى موقعها القريب من أوروبا وإفريقيا. غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطًا بقدرة المشاريع على رفع نسبة الإدماج المحلي، وتطوير شبكة الموردين الوطنيين، ونقل التكنولوجيا، وضمان استقرار الإطار التنظيمي للاستثمار.
وبين المشاريع الصينية الطموحة، والتوسع الأوروبي المتواصل، تبدو الجزائر أمام فرصة تاريخية لإعادة رسم خريطة صناعة السيارات في المنطقة. وإذا نجحت في استقطاب المزيد من الاستثمارات وتحويلها إلى مصانع منتجة ذات قيمة مضافة، فإنها قد تنتقل من سوق استهلاكية إلى مركز صناعي قادر على تلبية الطلب المحلي والانفتاح على أسواق التصدير في إفريقيا.




