يعيش العالم اليوم حالةً من الفوضى، جعلت الرأي العام الدولي في حالة من الاضطراب، نتيجة عجزه عن إدراك ما الذي يحدث أو فهم ما يدور من حوله. فالأحداث متسارعة، والصدمة قوية، ما يضع المجتمعات أمام واقع ملتبس تتراجع فيه القدرة على التحليل الهادئ والفهم العميق.
ومن هذا المنطلق، تُلقى على عاتق النخبة المثقفة مسؤولية كبرى، ولا سيما في الدول النامية التي تتأثر مجتمعاتها بوتيرة سريعة بهذه التحولات. إذ تقع على هذه النخب مسؤولية تقديم الحد الأدنى من التفسير لما يجري، وتبسيط المفاهيم، وإنتاج قراءة علمية موجّهة للرأي العام، بعيدًا عن الطرح الأيديولوجي أو السياسي الذي لا يخدم سوى تعميق الفوضى بدل الإسهام في فهمها، ثم إدراكها، والعمل على تحصين المجتمع في خطوة استباقية تعزّز الوعي المجتمعي بما هو قادم.
ولهذا الغرض، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا بالبروفيسور نبيلة بن يحي، المختصة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، لتقديم قراءة أكاديمية معمّقة لما يشهده النظام الدولي المعاصر من تسريبات كبرى، وفضائح متلاحقة، وعمليات تجسس واسعة النطاق، جرى تنفيذ بعضها عبر استغلال برامج رقمية متطورة كبرنامج بيغاسوس وتورط النظام المغربي فيه.
وقد، قدمت البروفيسور نبيلة بن يحي، من خلال دراسة أكاديمية حملت عنوان ” التسريبات الكبرى والهندسة الإدراكية: من كشف الأسرار إلى إعادة تشكيل الوعي في النظام الدولي المعاصر” إجابات دقيقة ومحكمة عن جملة من التساؤلات المرتبطة بطبيعة هذه الظواهر وأبعادها غير المعلنة.
وتشير الدراسة إلى أن النظام الدولي شهد خلال العقدين الأخيرين تصاعدًا غير مسبوق لظاهرة التسريبات الكبرى، بدءًا من ويكيليكس، مرورًا بفضائح المراقبة الرقمية وبرامج التجسس مثل “بيغاسوس”، وصولًا إلى قضايا ذات طابع شبكي عابر للحدود كقضية جيفري إبستين.
وبينما بدا في البداية أن هذه التسريبات تمثّل انتصارًا للشفافية ومساءلةً للسلطة، فإن تكرارها وانتقائيتها وتزامنها مع لحظات دولية حسّاسة يطرح سؤالًا جوهريًا:
هل نحن أمام كشف للحقيقة، أم أمام نمط جديد لإدارة الإدراك داخل النظام الدولي؟
وتنطلق البروفيسور بن يحي، من فرضية مفادها أن التسريبات لم تعد مجرد أفعال كاشفة، بل تحوّلت إلى أدوات هندسة إدراكية تُستخدم لإعادة تشكيل الوعي الجماعي، وإدارة الصدمة، وضبط اتجاهات الفهم والتفسير في بيئة دولية مركبة مأزومة.
الهندسة الإدراكية… التسريب كحدث إدراكي
وتُعرَّف الهندسة الإدراكية، بحسب الدراسة، بأنها جملة من الآليات التي تستهدف التأثير المنهجي في إدراك الأفراد والجماعات للواقع، عبر التحكم في تدفق المعلومات وسياقات عرضها وإطارات تفسيرها.
فالقوة، في هذا الإطار، لم تعد تُقاس بامتلاك المعلومة، بل بالقدرة على توجيه كيفية فهمها.
وعليه، لم يعد التسريب فعل كشف بريئًا، بل أصبح حدثًا إدراكيًا صادمًا يُراد له أن يُربك المنظومات الذهنية القائمة، ويعيد ترتيب أولويات الوعي، ويُنتج استجابات عاطفية تسبق التحليل العقلاني.
التسريبات الكبرى كأدوات هندسة إدراكية
تُبرز الدراسة أن التسريبات الكبرى غالبًا ما تتزامن مع أزمات جيوسياسية، أو حروب، أو تحولات في ميزان القوى الدولي، وهو تزامن لا يمكن اعتباره عشوائيًا.
إذ يخدم هذا التوقيت هدفًا إدراكيًا يتمثل في تشتيت الانتباه الجماعي، ومنع تشكّل وعي سببي عميق بالأحداث البنيوية، عبر إدخال صدمة معلوماتية تعيد توجيه النقاش العام.
من ويكيليكس إلى إبستين
وتعرض البروفيسور بن يحي نماذج دالة في هذا السياق، حيث أسهمت ويكيليكس في تعميم الشك في الدولة كمؤسسة، بدل الدفع نحو إصلاحها. كما نقلت فضيحة بيغاسوس المجتمعات من صدمة المراقبة إلى مرحلة تطبيعها وقبولها القهري بذريعة الأمن. فيما حوّلت قضية إبستين الجريمة من شبكة سلطة عالمية إلى انحرافات فردية قابلة للنسيان التدريجي.
نحو سلطة إدراكية
تكشف هذه الظواهر، وفق الدراسة، عن انتقال نوعي في أدوات السلطة داخل النظام الدولي، من القوة الصلبة، إلى الناعمة، ثم إلى القوة الإدراكية.
فلم يعد الهدف إقناع الشعوب بشرعية النظام، بل إرهاقها إدراكيًا عبر صدمات متتالية تُجزّئ الحقيقة، وتُنهك الثقة، وتُعطّل القدرة على الفهم العميق.
ما بعد الحقيقة… أم ما بعد الإدراك؟
وتخلص البروفيسور بن يحي إلى أن أخطر ما في التسريبات الكبرى ليس ما تكشفه من أسرار، بل ما تُعيد تشكيله من وعي، وما تفرضه من أنماط تفكير واستجابات عاطفية مُدارة.
وفي ظل هذا الواقع، يبرز سؤال البروفيسور بن يحي هل ما نعيشه اليوم هو عصر ما بعد الحقيقة، أم عصر ما بعد الإدراك؟




