جرى داخل البرلمان الفرنسي، الأسبوع المنصرم، التصويت على قانون لطالما كان محل جدل وانتظار في الوقت نفسه بفرنسا، وهو مشروع قانون يهدف إلى تسهيل إعادة القطع الفنية المنهوبة خلال الحقبة الاستعمارية في القرنين التاسع عشر والعشرين إلى بلدانها الأصلية.
فقد أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية بالإجماع، يوم الاثنين 13 أفريل 2026، المصادقة على مشروع هذا القانون بعد أن تم إقراره من قبل مجلس الشيوخ الفرنسي، ليعتمد بصفة نهائية. هذا المشروع أُرجئ طرحه مرات عدة، في سياق مراجعة العلاقة الفرنسية – الإفريقية ومع الإرث الاستعماري.
هذا القانون الذي اعتبرته وزيرة الثقافة الفرنسية كاترين بيغار، بمثابة خيار لفرنسا أكثر من مجرد أداة قانونية لـ«فتح صفحة جديدة»، مؤكدة بالقول: “هذا القانون منتظر في فرنسا وفي العالم بأسره”، ما يعكس أهمية هذا المشروع.
وفي هذا السياق، قدم الكاتب الصحفي الدكتور “لكحل محمد”، لجريدة “شرشال نيوز”، قراءة للموضوع الذي وصفه بالتحول اللافت في السياسة الفرنسية تجاه تاريخها الاستعماري، طرحاً في الوقت ذاته سؤالاً مهماً بالقول: “هل نحن أمام بداية معالجة حقيقية لملف الذاكرة، أم مجرد إجراء قانوني محدود التأثير؟”.
قراءة في الموضوع يقدّمها الكاتب الصحفي بجريدة “المقال”د. محمد لكحل
يمنح القانون الفرنسي إمكانية إعادة الممتلكات الثقافية عبر مراسيم حكومية، متجاوزاً التعقيدات السابقة التي كانت تُعرقل هذا المسار. غير أن هذا التقدم يبقى نسبياً، بالنظر إلى استثناء فئات حساسة من هذه العملية، وعلى رأسها القطع العسكرية ذات الرمزية السيادية. هذا الاستثناء يطرح إشكالاً حقيقياً، خاصة بالنسبة للجزائر التي تعتبر العديد من هذه القطع جزءاً لا يتجزأ من ذاكرتها الوطنية، ما يجعل القانون خطوة إيجابية، لكنها غير مكتملة.
ذاكرة منهوبة… ملف مفتوح منذ قرن ونصف
منذ بداية الاحتلال الفرنسي سنة 1830، تعرّضت الجزائر لعمليات نهب واسعة طالت مختلف أوجه التراث المادي والمعنوي. من رفات المقاومين، إلى ممتلكات الأمير عبد القادر الشخصية، وصولاً إلى المخطوطات والأرشيفات التي تُعد مفاتيح أساسية لفهم التاريخ الوطني. ولا تتوقف أهمية هذه الممتلكات عند قيمتها المادية، بل تتجاوز ذلك إلى بعدها الرمزي، باعتبارها جزءاً من هوية شعب يسعى لاستعادة سرديتها التاريخية.
“بابا مرزوق”… حين تتحول القطعة إلى قضية
يبقى مدفع بابا مرزوق، أو “La Consulaire”، أحد أبرز رموز هذا النزاع الذاكري. فهذه القطعة، التي استولت عليها فرنسا سنة 1830، لا تزال معروضة في مدينة بريست، رغم المطالب الجزائرية المتكررة باسترجاعها منذ سنوات. تكمن حساسية هذا الملف في كونه يتجاوز الجانب التاريخي ليصل إلى الرمزية السيادية، حيث يُنظر إلى المدفع كدليل على مرحلة من القوة البحرية الجزائرية، وشاهد على مواجهة مبكرة مع التوسع الفرنسي.
ما بعد القانون… اختبار الإرادة السياسية
رغم أهمية الخطوة الفرنسية، إلا أن جوهر القضية يبقى مرتبطاً بالإرادة السياسية الحقيقية في معالجة ملف الذاكرة بشكل شامل. فاسترجاع الممتلكات الثقافية ليس مجرد عملية إدارية، بل هو اعتراف ضمني بتاريخ مثقل بالأحداث، ومحاولة لإعادة التوازن إلى ذاكرة مشتركة. في هذا الإطار، تواصل الجزائر مطالبتها باسترجاع كامل ممتلكاتها، مؤكدة أن الحقوق التاريخية لا تسقط بالتقادم، وأن المصالحة الحقيقية تمر عبر الاعتراف الصريح وإعادة ما سُلب.
بين خطوة قانونية فرنسية ومطالب جزائرية ثابتة، يظل ملف الممتلكات المنهوبة عنواناً لصراع الذاكرة بين الجزائر وفرنسا. وبينما يتحرك المسار ببطء، يبقى الرهان الحقيقي على إرادة سياسية تُنهي هذا الملف بروح العدالة والإنصاف، لا بمنطق التجزئة والانتقاء.




