أثار فيديو متداول على منصات التواصل الاجتماعي موجة من الاستنكار والرفض لدى المغاربة. هذا الفيديو يظهر مجموعة يهودية تؤدي طقوسا دينية على حائط باب الدكالة بمدينة مراكش. في مشهد لا يختلف في طقوسيته عما يُمارَس عند حائط البراق بالقدس المحتلة. لم يكن هذا المشهد مجرد ممارسة دينية شخصية، بل كان بمثابة إعلان صريح عن تغيير في قواعد اللعبة، وفرض لأجندة دينية وسياسية في فضاء عمومي مغربي.
واستنكرت فئات كبيرة من المغاربة هذا السلوك الذي يعتبرونه مساسا بقيّمهم ومحاولة لطمس هويتهم والعبث بمقدساتهم. فباب دكالة لم يكن يوماً مسرحاً لطقوس غريبة عن هويته الإسلامية. هذا الباب الذي بناه الموحدون عام 1127، ويعلوه مسجد السلطان أحمد المنصور الذهبي منذ القرن السادس عشر، كان حتى الأمس القريب رمزاً من رموز العمارة الإسلامية في مراكش.
لكن ما جرى في الأيام الأخيرة أمام هذا الصرح التاريخي، يفوق في دلالته السياسية والرمزية مجرد حدث عابر. فانهالت التعليقات المستنكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر آلاف المغاربة عن استيائهم من هذا السلوك الذي يمسّ بثوابت المجتمع وتاريخه. لكن ما أثار الاستياء أكثر من الفعل نفسه، هو الصمت الرسمي المطبق.
في الوقت الذي كان فيه المغاربة يعبّرون عن رفضهم على الشبكات الاجتماعية، بقيت السلطات المغربية صامتة، وكأنها تتفرج على مشهد لا يعنيها، أو أسوأ من ذلك – وكأن الصمت نفسه موقف. هذا الصمت لم يكن الأول من نوعه، بل يأتي في سياق أوسع من التسامح – بل التواطؤ أحياناً – مع سلوكات تُفرَض على المجتمع المغربي تحت غطاء “التسامح” و”التعايش”.
لا يمكن فصل هذا الحدث عن سياق “اتفاقيات إبراهيم” التي وقّعها المغرب مع إسرائيل عام 2020. فما بدأ كخطوة دبلوماسية “تطبيعية”، تحوّل تدريجياً إلى مسار توسعي يهدف إلى إعادة رسم خريطة الوجود اليهودي في المغرب، لا من خلال العودة إلى “ذاكرة التعايش” المزعومة، بل عبر فرض حقائق جديدة على الأرض.
في السنوات الأخيرة، تكاثرت زيارات المسؤولين الإسرائيليين واليهود المغاربة المقيمين في إسرائيل إلى المملكة. ولم تعد هذه الزيارات مقتصرة على أماكن مخصّصة أو مواسم سياحية، بل تحوّلت إلى حركة دائمة تسعى لاستعادة ما يُسمّيه البعض “ممتلكات الأجداد”. وهنا تكمن الخطورة: فالحديث عن “الاسترداد” لا يقتصر على المباني والعقارات، بل يمتد إلى إعادة رسم هوية الأماكن نفسها، وتحويلها من معالم مغربية إسلامية إلى مواقع ذات دلالة دينية يهودية.
ما يجري في مراكش ليس معزولاً عما يجري في مدن مغربية أخرى. فاليهود المغاربة المقيمون في إسرائيل – وعددهم يتجاوز المليون – يتردّدون بكثافة على المغرب، ويحظون بامتيازات لم يحظَ بها حتى المواطنون المغاربة أنفسهم. وفي الوقت الذي يُمنع فيه المغاربة من دخول أماكن معينة أو ممارسة حقوقهم المدنية، نجد أن “الزوار” الإسرائيليين يتنقلون بحرية، ويؤدون طقوسهم في الشوارع العامة، ويطالبون بـ”حقوق تاريخية” في أراضٍ وعقارات يزعمون ملكية أجدادهم لها.
ويكون المخزن بهذه الخطوات قد أعرب جهرا عن نواياه في منح امتيازات للصهاينة تفوق ما يحص عليه المواطن المغربي، الذي أصبح ضحية التطبيع. ومن جهتهم، لا يتوانى الوافدون من الأراضي الفلسطينية المحتلة للإعراب عن حقّهم التاريخي في المغرب، في خطوة صريحة وعلنية لتحويله إلى وطن بديل لهم.
طارق بحري




