أحيت الجزائر اليوم الذكرى الخامسة لـ “اليوم الوطني للجيش الوطني الشعبي”، المصادف للرابع أوت من كل سنة بحفل ترأسه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، بالنادي الوطني للجيش ببني مسوس. وتزامناً مع الكلمة التوجيهية للفريق أول السعيد شنڨريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي بهذه المناسبة، أجرت “شرشال نيوز” حوارا مع الدكتور أحمد ميزاب، الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية.
في هذا الحوار الخاص، يفكك الدكتور ميزاب الأبعاد الجيوسياسية والعقائدية لرسالة المؤسسة العسكرية، محددًا كيف تتحول “الرابطة المقدسة” بين الشعب وجيشه إلى حائط صد أمام الحروب الهجينة، وكيف تشكل المقاربة الجزائرية في حماية الحدود وتطوير منظومات الردع ركيزة الاستقرار في الفضاءين الإفريقي والمتوسطي.
النص الكامل للحوار
شرشال نيوز: دكتور أحمد ميزاب، شددت الكلمة الرسمية للفريق أول السعيد شنڨريحة بمناسبة اليوم الوطني للجيش على الربط بين مرجعية “جيش التحرير الوطني” والمؤسسة العسكرية الحالية كحامي لبناء الدولة. كيف تقرؤون استمرارية هذه العقيدة العسكرية في مواجهة التهديدات المعاصرة؟
د. أحمد ميزاب: إن استمرارية العقيدة العسكرية الجزائرية المستمدة من مرجعية جيش التحرير الوطني تمثل أحد أبرز عناصر القوة والثبات في بناء الدولة الوطنية. فالعلاقة بين جيش التحرير الوطني والجيش الوطني الشعبي ليست مجرد امتداد تاريخي أو رمزي، بل هي استمرارية في الرؤية والوظيفة والرسالة. وإذا كان جيش التحرير قد خاض معركة استعادة السيادة الوطنية من الاستعمار، فإن الجيش الوطني الشعبي يواصل اليوم مهمة حماية هذه السيادة وصون وحدة الدولة واستقرارها في مواجهة تهديدات أكثر تعقيداً وتشابكاً.
غير أن الفرق الجوهري بين مرحلتي الأمس واليوم يكمن في طبيعة التهديدات؛ ففي مرحلة التحرير كانت التهديدات واضحة ومباشرة ومتمثلة في الاحتلال العسكري والفكر الاستعماري، بينما تواجه الجزائر اليوم طيفاً واسعاً من المخاطر العابرة للحدود، تشمل الإرهاب، الجريمة المنظمة، الحروب السيبرانية، حملات التضليل الإعلامي، ومحاولات استهداف الدول من الداخل. ورغم تغير طبيعة التهديدات، بقيت الثوابت العقائدية لمؤسسة الجيش الوطني الشعبي قائمة على حماية السيادة الوطنية، استقلال القرار السياسي، والحفاظ على وحدة التراب الوطني.
ومن ثم فإن استمرارية هذه العقيدة تعكس قدرة مؤسسة الجيش الوطني الشعبي على التكيف مع المتغيرات دون التفريط في مرجعيتها الوطنية، وهو ما منحها توازناً بين الوفاء لإرث التحرير والاستجابة لمتطلبات الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين.
شرشال نيوز: أشار الفريق أول في اليوم الوطني إلى الارتقاء بالقدرات الدفاعية والتقنية والاهتمام بالجاهزية العملياتية. كيف تنعكس هذه الطفرة التطويرية على معادلة الردع الإقليمي للجزائر في ظل التجاذبات الجيوسياسية الراهنة؟
د. أحمد ميزاب: تعكس الإشارة إلى الارتقاء بالقدرات الدفاعية والتقنية والجاهزية العملياتية وعياً استراتيجياً بأن الأمن لم يعد يقاس فقط بحجم القوات أو نوعية العتاد، بل بمدى قدرة الدولة على الاستجابة السريعة للتهديدات والتكيف مع التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية. فالجزائر توجد في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية يمتد من الساحل والصحراء إلى الحوض المتوسطي، وهو فضاء يشهد تصاعد التنافسات الدولية وتنامي التهديدات غير التقليدية.
وفي هذا السياق، فإن تطوير القدرات العسكرية والتكنولوجية يندرج ضمن بناء ردع استراتيجي شامل يهدف إلى منع التهديد قبل وقوعه. فالردع الناجح لا يقوم على إظهار القوة فقط، بل على امتلاك الجاهزية والكفاءة والقدرة على التعامل مع مختلف السيناريوهات الأمنية. كما أن الاستثمار في التكنولوجيا العسكرية الحديثة والرقمنة والأنظمة الذكية يعزز من فعالية المؤسسة العسكرية ويرفع من قدرتها على حماية الحدود وتأمين المصالح الاستراتيجية للدولة.
لذلك يمكن القول إن هذه الديناميكية التطويرية لا تستهدف خلق حالة صراع أو سباق تسلح، بل تهدف إلى ترسيخ الاستقرار الإقليمي من خلال امتلاك عناصر القوة التي تجعل الجزائر قادرة على حماية أمنها الوطني والمساهمة في الحفاظ على التوازنات الأمنية في محيطها الاستراتيجي.
شرشال نيوز: جرى التركيز على مفهوم “الرابطة المقدسة” بين الشعب والجيش كصمام أمان. كيف يساهم التماسك المجتمعي في إفشال مخططات الحروب الهجينة وحروب الجيل الخامس التي تستهدف الدول من الداخل؟
د. أحمد ميزاب: أصبحت الحروب الحديثة تستهدف الدول من الداخل أكثر مما تستهدفها عبر المواجهات العسكرية التقليدية. فحروب الجيل الرابع والخامس تعتمد على استهداف الوعي الجماعي، إضعاف الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، ونشر الفوضى المعلوماتية والتلاعب بالإدراك العام عبر الفضاء الرقمي ووسائل التواصل المختلفة.
ومن هذا المنطلق يكتسب مفهوم “الرابطة المقدسة” بين الشعب وجيشه بعداً استراتيجياً يتجاوز البعد الرمزي. فكلما كانت العلاقة بين المجتمع ومؤسساته الوطنية قائمة على الثقة والتماسك والوعي، تراجعت قدرة الأطراف المعادية على اختراق الجبهة الداخلية أو توظيف الأزمات لإحداث حالة من الانقسام وعدم الاستقرار.
إن التماسك المجتمعي يمثل اليوم أحد أهم عناصر الأمن القومي، لأنه يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة حملات التضليل والحروب النفسية ومحاولات التشكيك في مؤسسات الدولة. ولذلك فإن حماية الأمن الوطني لم تعد مسؤولية المؤسسات الأمنية والعسكرية وحدها، بل أصبحت مسؤولية جماعية تتطلب وعياً مجتمعياً وقدرة على التمييز بين المعلومات الحقيقية وحملات التأثير الموجهة التي تستهدف استقرار الدول من الداخل.
شرشال نيوز: أثنت الرسالة على النتائج الميدانية المحققة على الحدود وفي مجال مكافحة الإرهاب والجريمة. ما تقييمكم الاستراتيجي للمقاربة الأمنية الجزائرية في حماية أطول الأشرطة الحدودية بالمنطقة؟
د. أحمد ميزاب: أثبتت المقاربة الأمنية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة مستوى عالياً من الفعالية في التعامل مع بيئة إقليمية معقدة تتسم بتنامي التهديدات العابرة للحدود. فالجزائر تمتلك واحداً من أطول الأشرطة الحدودية في إفريقيا، يجاور مناطق تشهد أزمات أمنية وصراعات مسلحة ونشاطاً متزايداً للجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة.
وقد قامت هذه المقاربة على مبدأ أساسي يتمثل في الجمع بين اليقظة الميدانية، الجاهزية العملياتية، والعمل الاستباقي. فبدلاً من انتظار انتقال التهديدات إلى الداخل الوطني، اعتمدت الجزائر على استراتيجية وقائية ترتكز على تعزيز المراقبة الحدودية، تطوير القدرات الاستخباراتية، ورفع مستوى التنسيق بين مختلف الأجهزة المعنية بالأمن والدفاع.
كما أن خصوصية التجربة الجزائرية تكمن في أنها لم تعتمد المقاربة الأمنية بمعزل عن المقاربة السياسية والدبلوماسية، حيث واصلت الجزائر الدفاع عن الحلول السلمية للأزمات الإقليمية ودعم استقرار دول الجوار باعتبار أن أمن المنطقة مترابط بطبيعته. وهذا التوازن بين الحزم الأمني والرؤية السياسية الاستشرافية ساهم في تحصين الجزائر من التداعيات المباشرة لموجات عدم الاستقرار التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وجعلها أحد أهم أركان الاستقرار والأمن في فضائها الإقليمي.
شرف الدين عبد النور




