الأولى الساحل الافريقي الوطني تحاليل وآراء

 اتفاق الجزائر.. هل تعود مالي إلى مسار المصالحة والحوار من جديد؟

لم يكن اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة في مالي عام 2015 مجرد اتفاق لإنهاء نزاع داخلي وفقط، بل جسّد مقاربة جزائرية تقوم على المصالحة والحوار وإشراك الأطراف وربط الأمن بالتنمية، في مواجهة منطق الحلول الأمنية والعسكرية الصرفة. هذه المقاربة ارتبطت بالنسبة إلى الجزائر بحسابات أمنية وجيوسياسية تتجاوز حدود مالي، بالنظر إلى الامتداد الجغرافي والتاريخي والأمني المباشر لمنطقة الساحل مع حدودها الجنوبية الممتدة على آلاف الكيلومترات مع مالي والنيجر وليبيا.

فما يجري في إقليم “أزواد” أو في كيدال أو في شمال مالي عموماً ينعكس مباشرة على الأمن القومي الجزائري، سواء عبر تهريب السلاح، أو حركة الجماعات الإرهابية، أو تدفقات الهجرة التي تعد اليوم من أثقل الملفات الأمنية، لما لها من تداعيات متعددة الأبعاد.

من هنا، فإن أي قراءة استراتيجية لتعاطي الجزائر مع أزمة الساحل، سيما مالي، يجب أن تنطلق من هذه المعادلة الجيوسياسية الصلبة وهي استقرار الجوار شرط لاستقرار الداخل وضرورة لحماية الأمن القومي الجزائري. ومن هذا المنطلق، لم تتعامل الجزائر مع الأزمة المالية باعتبارها شأناً داخلياً منفصلاً، وإنما سعت إلى تقديم مقاربة تقوم على معالجة جذور الأزمة بدل الاكتفاء بإدارة تداعياتها الأمنية.

من المصالحة الوطنية إلى مقاربة إقليمية

لم تُصدّر الجزائر إلى جوارها حلولاً مثالية، بل مقاربة علمية وعملية اختبرتها في مختبرها الداخلي الأليم خلال “العشرية السوداء”. فبعد سنوات من العنف الإرهابي في تسعينيات القرن الماضي، اختارت الدولة الجزائرية مساراً غير تقليدي في محاربة ظاهرة الإرهاب التي تمثل أخطر الظواهر الأمنية عالمياً، لما يمكن أن تؤديه من تفكك للدول الوطنية.
هذا المسار جمع بين الحسم الأمني والعسكري من جهة، بفضل المؤسسة العسكرية المتمثلة في الجيش الوطني الشعبي والأجهزة الأمنية ومختلف التشكيلات التي كانت تحت إشراف الجيش الوطني، والمتمثلة في عناصر الدفاع الذاتي (الباتريوت)، وهم الوطنيون الشرفاء الذين تم تسليحهم من أجل الدفاع عن الوطن والشعب من همجية الإرهاب الدموي، ومسار سياسي قائم على ما يعرف بـ”الوئام المدني” ثم “المصالحة الوطنية” من جهة أخرى، هدفه نزع فتيل التطرف عبر إعادة إدماج من يمكن إدماجه وتعزيز ثقافة التعايش السلمي بين مختلف مكونات الشعب الجزائري.
هذه التجربة التي تعد نموذجاً يُحتذى به عالمياً في مكافحة التطرف والقضاء على الإرهاب لم تكن سهلة فعلاً، ولا يمكن الجزم بأنها تجربة فريدة من نوعها ويسهل تطبيقها، لكن ما يمكن استنتاجه هو أنها تجربة أثبتت فعلاً أن الإرهاب لا يُهزم بالسلاح وحده، بل بمعالجة الجذور التي تغذّيه، وبإشراك كل المكونات الشعبية في صناعة السلم بدل فرضه عليها من الخارج.
وهذه الفلسفة هي التي انتقلت لاحقاً إلى المقاربة الجزائرية في الساحل، عبر الوساطة وإشراك الأطراف في الحل، وربط الأمن بالتنمية والحكم الرشيد، بدل الاكتفاء بالتدخل العسكري الذي جربته قوى أخرى في المنطقة دون جدوى تُذكر. بل نتج عن ذلك تأزم كبير للوضع، وأنتج في الوقت نفسه تهديدات جديدة عابرة للحدود، مما جعل المنطقة ككل تعاني من أزمات أمنية معقدة.

اتفاق الجزائر 2015.. ذروة رهان المصالحة

تُوّجت هذه الفلسفة باتفاق السلم والمصالحة في مالي، الموقّع في مدينة الجزائر في مارس 2015 بوساطة جزائرية مباشرة، بين الحكومة المالية المركزية من جهة، وائتلاف الحركات الأزوادية، تحت مسمى “تنسيقية حركات أزواد”، من جهة أخرى.
لم يكن الاتفاق مجرد وثيقة سياسية لوقف إطلاق النار كما هو معمول به في تجارب متعددة، بل كان هندسة سياسية وأمنية متكاملة ودقيقة جداً راعت الخصائص الاجتماعية للشعب المالي، كما تضمنت لامركزية موسّعة، وإدماج مقاتلي الحركات في مؤسسات الدولة والجيش، وبرامج تنمية لمناطق الشمال المهمّشة تاريخياً بفعل مخلفات المستدمر الفرنسي.
وبذلك، حاول الاتفاق معالجة جوهر الأزمة المالية بشكل معمق، والمتمثل في شعور “أزواد” بالإقصاء عن الدولة المركزية في باماكو، من خلال بناء صيغة سياسية تسمح باستيعاب مختلف الأطراف داخل الدولة المالية.
وكان الاتفاق يحمل في طياته فرصة تاريخية نابعة من رغبة الجزائر، الدولة التي تسعى للسلم والسلام، في إعادة توحيد مالي على أسس تعاقدية جديدة متينة، وبناء دولة قادرة على استيعاب مختلف أطيافها وتنوعها الهوياتي، بما يجعلها أكثر تماسكاً في مواجهة مختلف التحديات الجيوسياسية الكبرى التي فرضها الانسحاب الفرنسي من المنطقة، وتصاعد نفوذ لاعبين دوليين جدد يتنافسون على ملء الفراغ الأمني في الساحل تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”.

حين اصطدم رهان المصالحة بالخيار العسكري

غير أن هذا المسار اصطدم بمنطق مغاير تماماً، هو منطق المجلس العسكري الانتقالي الذي أمسك بالسلطة في باماكو. فبدل البناء على مكتسبات اتفاق 2015، اختارت السلطة العسكرية الحالية في مالي الخيار الأمني الصرف لحسم ملف الشمال، وأعلنت رسمياً في جانفي 2024 إنهاء العمل بالاتفاق، متذرعة بعدم قابليته للتطبيق وبتحوّل بعض الأطراف الموقعة إلى العمل المسلح.

لكن الزمن خير مخبر عمّا جرى بالفعل في تلك الفترة الحساسة، إذ تكشف فيما بعد أن هذا القرار جاء متزامناً مع تحولات أخرى في المشهد المالي بعد انقلاب 2021، والانفتاح على شركاء أمنيين جدد بعيداً عن باريس والجزائر معاً، وتفضيل الخيار العسكري الذي يمنح المجلس الحاكم شرعية “استعادة السيادة” في خطابه الداخلي، حتى وإن كان الثمن استمرار الحرب في الشمال بدل إخمادها.

وكانت النتيجة معاكسة تماماً لما راهنت عليه الجزائر من أجل مصلحة مالي، إذ تجدد القتال بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة في الشمال بعد سنوات من الهدوء النسبي، وتوسّعت رقعة نشاط الجماعات الإرهابية التي استغلت الفراغ الأمني الناجم عن انسحاب بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام (مينوسما) من المنطقة، وفيما بعد عن ضعف الأطراف الخارجية التي عوضت القوات الفرنسية المنسحبة، وهي الشركات الأمنية والعسكرية الأجنبية.
وكان بإمكان مالي أن تتفادى كثيراً من هذه التطورات وتتجنب المتاهات والخلافات الدبلوماسية مع الجزائر لو حافظت على اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة، الذي كان بإمكانه أن يكون العمود الفقري لمسار سياسي و أمني يقود إلى بناء دولة مالية موحدة وقادرة على الصمود في وجه مختلف التحديات الأمنية الناجمة عن التحولات الإقليمية و الدولية.

إلا أن الوقائع كشفت أن هذا المسار النابع من مقاربة الجزائر، الدولة الأكثر دعماً للاستقرار ورفض التدخلات الأجنبية، سيما العسكرية، جرى التضحية به لصالح حسابات سلطة انتقالية بدت أقرب إلى تكريس نفسها في الحكم منها إلى بناء مشروع دولة مستقرة وموحدة.

من أزمة الاتفاق إلى أزمة العلاقات الجزائرية المالية

لم يمر هذا التحول دون كلفة على العلاقات بين الجزائر ومالي. فقد شهدت العلاقات الجزائرية المالية توتراً متصاعداً بلغ ذروته في أفريل 2025، حين أعلن الجيش الجزائري إسقاط طائرة استطلاع مسلحة بدون طيار اخترقت المجال الجوي الجزائري، تلاه إغلاق الجزائر لمجالها الجوي أمام الملاحة القادمة من مالي أو المتجهة إليها، واستدعاء متبادل للسفراء استمر أكثر من عام.
غير أن هذا التصعيد شهد انفراجاً ملحوظاً بدءاً من جويلية 2026 بإعادة فتح المجال الجوي، مع قرار رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون عودة السفير الجزائري كمال رتيب إلى باماكو، بالتزامن مع قرار الحكومة المالية إعادة سفيرها إلى الجزائر وإعادة فتح مجالها الجوي أمام الرحلات القادمة من الجزائر أو المتجهة إليها، فيما قررت الجزائر بدورها إعادة فتح مجالها الجوي أمام حركة الطيران المالية.

وتلا ذلك عودة قنوات التواصل بين البلدين، من خلال تكليف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون للوزير الأول سيفي غريب بإجراء اتصال هاتفي مع نظيره المالي، اللواء عبد الله مايغا، جدد خلاله الطرفان تمسكهما بعلاقات الأخوة والتضامن وحسن الجوار التي تجمع بين الشعبين الشقيقين.
كما عبّرا عن إرادة قائدي البلدين لإضفاء ديناميكية جديدة على العلاقات الثنائية وإعادة بعث التعاون في مختلف المجالات.
وبالمناسبة، أكد الجانبان تطلعهما إلى تعزيز مكانة منطقة الساحل كفضاء للتعاون والتبادل والتنمية المشتركة في كنف الأمن والاستقرار، بما يعكس إرادة سياسية لإعادة دفع قنوات التواصل والتعاون بين الجزائر ومالي.

عودة التواصل.. هل تعيد اتفاق الجزائر إلى الواجهة؟

يتضح اليوم من خلال التصريحات الرسمية المتبادلة أن الزوبعة الرملية التي هبت على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قد ولت، وفي عرف أهل الصحراء، بعد العاصفة تتضح الرؤية.

إذ إن عودة العلاقات بين البلدين في هذا التوقيت تعكس تقاطع الرؤى في عدد من الملفات المتعلقة بالأمن في المنطقة، وتعيد في الوقت نفسه طرح السؤال حول مستقبل المقاربة السياسية للأزمة المالية.
فمالي يبدو أنها أدركت فعلاً معادلة الأمن بمختلف مستوياتها، التي تفرض ضرورة وجود مقاربات قادرة على الإسهام في تحقيق الأمن والاستقرار وتجنب المنطقة أزمات جديدة بمختلف أشكالها ومستوياتها.
وفي هذا الشأن، تبرز عدد من التساؤلات الهامة، أولها، هل ما تزال باماكو متمسكة بموقفها تجاه قضية الصراع مع حركة الأزواد؟
وهل مالي اليوم مستعدة للعودة من جديد إلى طاولة الحوار مع الأزواد وإعادة تفعيل اتفاق السلم والمصالحة الموقع في الجزائر عام 2015؟
كلها أسئلة تجيب عنها الأيام القادمة، لكن ما يمكن أن يُستفاد منه بالفعل هو أن اتفاق الجزائر لا يزال يمثل جوهر المسار الذي تقدمه الجزائر كتجربة رائدة إقليمياً ودولياً من الناحية الاستراتيجية، والتي تقوم على أن معالجة الأزمات لا يمكن أن تختزل في الجانب الأمني وحده.

ما الذي تقوله تجربة اتفاق الجزائر؟

فالحلول الأمنية الصرفة، حين تُقصي المسار السياسي والتنموي، لا تنتج استقراراً، بل تؤجل الانفجار فحسب.
فالجزائر، من خلال تجربتها في العشرية السوداء، طورت أساليب عدة أكسبتها اليوم مناعة قوية ضد أي تهديد مهما كان نوعه، فضلاً عن تجربة وخبرة أمنية متعددة الأبعاد تحاول أن تصدرها إلى جوارها قبل أن يصطدم بمنطق مغاير ويؤدي به إلى انهيار كلي للدولة.

ولهذا، يرى معظم الخبراء الأمنيين في المقاربة الجزائرية في الساحل، القائمة على الوساطة ونزع فتيل التطرف بالحل السياسي وربط الأمن بالتنمية، نموذجاً يستحق الإشادة والأخذ به، ليس لأنه مثالي، بل لأنه مقاربة استندت إلى تجربة حقيقية ومُختبرة محلياً، لا إلى مقاربة مستوردة تم إعدادها في غرف مظلمة لإنهاك الجيوش الوطنية واللعب بمقدرات الدول والشعوب.
وما آلت إليه الأزمة المالية بعد التخلي عن اتفاق 2015 يُظهر، بالحجة والواقع، أن غياب مثل هذه المقاربات التوافقية يترك الساحة مفتوحة أمام دورة جديدة من عدم الاستقرار، في منطقة باتت أكثر هشاشة ولا استقراراً، تتكالب عليها الدويلات وتتزاحم في تخريبها ونهب ثروات شعوبها قوى دولية وإقليمية توسعية.
فهل تدرك مالي وباقي دول الساحل جوهر مقاربة الجزائر القائم على أن استقرار مالي والساحل لا يمكن أن يُبنى بالقوة وحدها والتحالفات العسكرية الأجنبية، وأن المصالحة والحوار والتنمية ودعم الحلول الافريقية تظل وحدها العناصر الكفيلة في بناء استقرار قابل للاستمرار و أمن إقليمي محصن من أي اختراق.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام