في عمق صحراء تندوف، حيث تختزن غارا جبيلات سرّ الحديد وذاكرة الأرض، سقط رجال ليقف وطن هناك، لم تكن الصخور وحدها تُستخرج، بل كان المستقبل يُنحت بثمنٍ غالي
عمال بسطاء، لا ألقاب لهم ولا أضواء، حملوا على أكتافهم مشروع أمة. أيدٍ متشققة من لهيب الشمس، وأنفاس أثقلها غبار المناجم، وقلوب لم تعرف التراجع. دخلوا أحشاء الأرض ليوقظوا عملاقاً نام طويلاً، فكان أن دفع بعضهم حياته ثمناً لهذه الصحوة.
الوثائقي «صحوة العملاق»، من إنتاج التلفزيون الجزائري
تحت إشراف المديرية العامة للاتصال برئاسة الجمهورية، يعيد فتح هذه الصفحة الثقيلة بالبطولة، كاشفاً ما وراء الإنجاز من تضحيات صامتة.
منجم حديد غارا جبيلات، والخط الحديدي الغربي الرابط بين غارا جبيلات وتندوف وبشار، لم يكونا مجرد مشاريع اقتصادية، بل إعلاناً صريحاً عن دخول الجزائر مرحلة جديدة من السيادة والتنمية.
غير أن هذه السكة التي تشقّ الصحراء بقوة، رُسم مسارها بدماء رجال كانوا مجهولين الاتصال
تحت انهيارات مفاجئة، وفي خنادق العمل القاسية، رحلوا. لم يبحثوا عن مجد شخصي، . رحلوا لأن الجزائر كانت تنادي. لأن حديد غارا جبيلات يجب أن يغذي المصانع، ويبعث الحياة في الحلم الصناعي، ويدفع قطار الثروة الوطنية نحو بشار، شاهداً على بلد يرفض الانكسار.
أجسادهم استقرت في الأرض التي روّضوها، لكن حضورهم لم يغِب. هو حاضر في هدير الآلات، في ارتعاش القضبان، وفي كل شحنة حديد تنطلق. كأن أرواحهم ما زالت تحرس المشروع، وتراقب الجزائر وهي تنهض.
تكريم رسمي… وذاكرة لا تموت لم يمرّ الحدث دون اعتراف.
رئاسة الجمهورية خصّت هؤلاء الشهداء بتكريم رسمي، يليق بتضحيتهم، ويؤكد أن الدولة لا تنسى أبناءها.
وخلال افتتاح الخط الحديدي، وقف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في موقع الحادثة، حيث امتزج الإنجاز بالحزن، والتقدم بالوفاء. كلمات الرئيس، الصادقة والمؤثرة، كانت بمثابة عهد أن من سقطوا هنا لم يرحلوا عبثاً، وأن دماءهم جزء من هذا المشروع الوطني.
هذا التكريم، الذي أشرفت عليه المديرية العامة للاتصال برئاسة الجمهورية، جعل من شهداء غارا جبيلات رموزاً حية في ذاكرة الجزائر المنتصرة، ورسالة واضحة للأجيال القادمة طريق السيادة لا يُعبد إلا بالتضحية.
واليوم، ومع بداية صحوة العملاق، تهبّ رياح تندوف حاملة أسماءهم.
زرعوا الحديد…
ونحصد اليوم السيادة.
رحم الله شهداء غارا جبيلات.
ي. ب.





