في خضم التطورات الوطنية والخطوات الحازمة التي تتخذها مؤسسات الدولة لمواجهة التحديات الراهنة، وسعياً لإبراز رؤية الفاعلين في الساحة السياسية الوطنية حول مختلف الملفات الكبرى، أجرى موقع “شرشال نيوز” حواراً صحفياً خاصاً وموسعاً مع رئيسة حزب تجمع أمل الجزائر «تاج»، السيدة فاطمة الزهراء زرواطي.
ويأتي هذا اللقاء في ظرف زمني يتسم بقرارات هامة اتخذها المجلس الأعلى للأمن وإجراءات ردعية للحد من الجريمة المنظمة وآفة المخدرات، إلى جانب إعادة التدقيق في التشريعات الوطنية لمواجهة جرائم إضرام الحرائق العمدية، فضلاً عن الديناميكية التنموية والدبلوماسية التي تشهدها البلاد على الصعيدين الإقليمي والدولي.
في هذا الحوار الحصري، تفتح السيدة فاطمة الزهراء زرواطي قلبها لـ “شرشال نيوز” لتجيب بكل صراحة عن موقف الحزب من تطبيق عقوبة الإعدام في الجرائم الكبرى، وتحليل خطوة إنشاء سجن عالي التأمين في منطقة “تنزروفت”، إضافة إلى استعراض رؤيتها للتحول الرقمي، الطاقات المتجددة، ومشاريع سكة الحديد الإستراتيجية بحكم خبرتها التخصصية في القطاع البيئي والتنموي، وصولاً إلى قراءة الحزب للتطورات في دول الساحل وثبات المواقف الجزائرية تجاه القضايا العادلة والمدرسة الوطنية.
النص الكامل للحوار
حاورها: شرف عبد النور | مهدي الباز
شرشال نيوز: سيدة فاطمة الزهراء زرواطي، عرفت الجزائر أحداثًا مؤلمة جراء الحرائق التي اجتاحت عددًا من الولايات، لاسيما ولاية جيجل التي سجلت خسائر بشرية ومادية كبيرة. في المقابل، شهدت البلاد هبة تضامنية واسعة من الشعب الجزائري. كيف ينظر حزب «تاج» إلى هذا التضامن الوطني؟ وما موقفكم من قرار إعادة التدقيق في قانون العقوبات وتسليط أقصى العقوبات بما فيها عقوبة الإعدام؟
فاطمة الزهراء زرواطي: أولاً، الهبة التضامنية ليست غريبة على الشعب الجزائري الذي يثبت في كل أزمة تلاحمه وعمق حسّه الوطني. أما فيما يتعلق بالقرارات الردعية، فنحن في حزب تجمع أمل الجزائر «تاج» نرى أن قرار رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون المتعلق بإعادة التدقيق في قانون العقوبات وتطبيق أقصى درجات الردع هو قرار صائب جداً، جاء في وقته المناسب لمواجهة بشاعة ما حدث.
لا يمكننا أن نمر على هذه الجرائم وكأنها عادية؛ من زهق روحاً عمداً يجب أن تُزهق روحه، وهذا مبدأ إلهي ومذكور في القرآن الكريم قبل كل شيء. البعض يتحدث عن حقوق الإنسان والعقوبات السالبة للحرية، لكن من سلب الحياة من إنسان محروقاً، هل نكتفي بسلبه الحرية وإيداعه السجن فقط؟ حجم العقوبة يجب أن يقابله حجم الجريمة.
إقرار أقصى العقوبات، بما فيها الإعدام لمرتكبي جرائم إضرام الحرائق العمدية، سيكون إجراءً وقائياً ورادعاً يمنع تكرار هذه الفجائع، إلى جانب اتخاذ التدابير الاستباقية كاستعمال الطائرات المسيرة (الدرون)، فتح المسالك الغابية، وتوسيع صلاحيات أعوان الغابات، وإشراك المواطن القاطن بالبيئة الغابية باعتباره حاميها الأول.
شرشال نيوز: أصدر المجلس الأعلى للأمن حزمة قرارات حازمة لمواجهة آفة المخدرات، أبرزها تحويل ثكنة عسكرية في منطقة “تنزروفت” بالصحراء الكبرى إلى سجن عالي التأمين لبارونات المهلوسات. كيف ترون هذه الخطوة؟ وما المقاربة التي يطرحها الحزب لمعالجة هذه الظاهرة؟
فاطمة الزهراء زرواطي: نُحيّي بكل قوة هذه القرارات الشجاعة الصادرة عن المجلس الأعلى للأمن برئاسة رئيس الجمهورية. إن تحويل ثكنة “تنزروفت” إلى سجن عالي التأمين هو الإجراء المناسب لقطع دابر بارونات المخدرات الذين يغرقون البلاد بملايين السموم والمهلوسات في عمليات تشبه “أفلام الأكشن”، بهدف تحطيم الشباب الذي يشكل عماد الأمة.
مقاربتنا في حزب «تاج» تقوم على التمييز الدقيق بين الضحية والمجرم؛ فالشباب والمستهلكون هم ضحايا نحتاج إلى مرافقتهم والتكفل بهم صحياً ونفسياً في مصحات متخصصة لإعادة إدماجهم. أمّا البارونات والشبكات المنظمة، فيجب ضربهم بحديد وتطبيق أقصى العقوبات الردعية بحقهم.
كما نشدد على أن المقاربة يجب أن تكون مجتمعية متكاملة وتشاركية؛ تبدأ من العائلة التي ينبغي أن تستعيد دورها المحوري في الرقابة والمرافقة بدلاً من التنصل أو إعطاء استقلالية مفرطة للأبناء. وتكتمل هذه المقاربة بإشراك المسجد، المدرسة، الإعلام، وفعاليات المجتمع المدني، إضافة إلى فرض “مراقبة صحية دورية واجبارية” للتحاليل الكاشفة عن السموم في المؤسسات التربوية، الجامعات، ومناصب العمل للتدخل المبكر وحماية أمن المجتمع.
شرشال نيوز: كيف يقيّم حزب «تاج» التطورات الأخيرة في العلاقات الجزائرية-النيجرية ودول الساحل، وما الدور الذي تلعبه الجزائر لتعزيز الاستقرار والأمن في المنطقة؟
فاطمة الزهراء زرواطي: الجزائر تعي تماماً حجم المخططات التي تحاك في منطقة الساحل الإفريقي، والجهات التي تقف خلف زرع الفوضى والإبقاء على المنطقة كمستنقع للإرهاب والجريمة العابرة للحدود. الدبلوماسية الجزائرية، تحت قيادة رئيس الجمهورية، أثبتت فطنة عالية؛ لأن أمن حدودنا من أمن الجزائر.
الزيارات واللقاءات الأخيرة مع الأشقاء في النيجر، وبشهادة مسؤوليها، أكدت أنه لا يمكن الاستغناء عن الدور الجزائري. الجزائر لا تملك أي أطماع إقليمية ولا تبحث عن نفوذ ضيق، بل تقدم يد العون انطلاقاً من مبدأ حسن الجوار والكرامة. سلاحنا الحقيقي للتصدي للمستعمر القديم ومحاولات الهيمنة هو “التنمية الشاملة”؛ فالاستقرار والأمن في إفريقيا يصنعان عبر خيار التنمية، الشراكات الاقتصادية، وفتح المنافذ والمشاريع الحيوية التي تعود بالنفع على الشعوب الأفريقية.
شرشال نيوز: بحكم خبرتكم التخصصية والسابقة في القطاع البيئي والتنموي، كيف ترون جهود الدولة في التحول الرقمي، الطاقات المتجددة، ومشاريع الهياكل القاعدية كسكك الحديد؟
فاطمة الزهراء زرواطي: الجزائر تخطو خطوات عملاقة نحو تنمية مستدامة حقيقية. فيما يخص التحول الرقمي، إفراد محافظة خاصة ووزارة لهذا الملف يعكس الجدية والسيادة الرقمية المطلوبة، شريطة حماية بنك المعلومات القومي (Data) بكفاءات جزائرية خالصة.
أما الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، فهما المكمل الإستراتيجي للطاقات الأحفورية، والجزائر بموقعها والتزاماتها الدولية لتقليل الانبعاثات تعزز مكانتها كشريك موثوق ومورد آمن للطاقة.
وبالنسبة لقطاع المنشآت القاعدية، أعتبر قرار ربط شمال الجزائر بجنوبها الكبير عبر مشروع قطار تمنراست وسكك الحديد هو “سكة التنمية الحقيقية”. التاريخ يعلمنا أن الدول الكبرى بنيت على شبكات سكة الحديد؛ هذا المشروع الإستراتيجي سيفك العزلة، يسهل حركة التجارة والمواطنين، ويفتح آفاقاً استثمارية واستخراجية هائلة للمناجم والمعادن النادرة التي تزخر بها أرضنا للأجيال القادمة.
شرشال نيوز: كلمة أخيرة حول ثبات المواقف الدولية للجزائر، لاسيما القضية الفلسطينية وقضية الصحراء الغربية، والمنظومة التربوية..
فاطمة الزهراء زرواطي:
مواقف الجزائر مبدئية وثابتة استناداً إلى بوصلتنا الوطنية الأولى وهي بيان أول نوفمبر 1954. الجزائر لم ولن تتخلّى عن دعم القضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية وحق الشعب الصحراوي الشقيق في تقرير مصير استقلاله على أرضه وفق الشرعية الدولية والقرارات الأممية.
أما فيما يخص المدرسة الجزائرية، نؤكد على ضرورة تحييدها عن أي تجاذبات أو نعرات؛ المدرسة هي الحصن الأخير لبناء الشخصية الوطنية المتفتحة على العلوم واللغات، ويجب أن تُترك للمختصين والتربويين لتطوير التحصيل العلمي، الاهتمام بالصحة المدرسية، وتحسين ظروف الإطعام والنقل، بعيداً عن التشويش والإشاعات، لتظل مدرسة جزائرية أصيلة ومتطورة تفتخر بها الأجيال
رابط الحوار كاملا على يوتيوب: https://youtu.be/AlARWai4UiY?si=UyDZI0uplLEQrfHp




