احتضن مقر مجلس الأمة، الاثنين، ملتقى برلمانيًا فكريًا بعنوان: “العيش معًا في سلام: إسهامات مفكرين جزائريين عبر العصور”، وذلك في إطار إحياء اليوم العالمي للعيش معًا في سلام، الذي بادرت الجزائر إلى اعتماده أمميًا، تكريسًا لرسالتها الحضارية القائمة على الحوار والتسامح والتعايش بين الشعوب والثقافات.
وشكّل هذا الملتقى، الذي أشرف عليه رئيس مجلس الأمة عزوز ناصري، فضاءً أكاديميًا وفكريًا لاستحضار الرصيد الحضاري والفكري الجزائري في ترسيخ قيم السلم والتعايش، من خلال استعراض إسهامات عدد من المفكرين والعلماء الجزائريين الذين أسهموا، عبر مختلف الحقب التاريخية، في بناء تصور إنساني متوازن قائم على قبول الآخر واحترام التنوع ونبذ العنف والتطرف.
ومن بين الشخصيات الفكرية التي تم استحضارها في مداخلات الأساتذة المشاركين في الملتقى، برزت شخصية المفكر الجزائري مالك بن نبي، حيث تطرق عبد القادر بوعرفة، أستاذ الدراسات الفلسفية بجامعة وهران 2، في مداخلته المعنونة: “العيش معًا في سلام في الثقافة الجزائرية… الونشريسي ومالك بن نبي نموذجين”، إلى العمق الفكري والحضاري للثقافة الجزائرية في مقاربة التعايش، من خلال إبراز إسهامات الونشريسي، وكذا التحليل الحضاري لمالك بن نبي، الذي ربط التعايش بسلامة النسيج الاجتماعي وقوة العلاقات داخل المجتمع.
وفي هذا السياق، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا بالكاتب الصحفي والمهتم بالشأن الفكري محمد لكحل، الذي أكد أن المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي كان يحمل رؤية عميقة بخصوص “مسألة العيش بسلام”، حيث لم تكن هذه المسألة بالنسبة إليه مجرد غياب للحرب أو توقيع معاهدات هدنة مؤقتة بين الدول، بل ثمرة ناضجة لـ“التوازن الحضاري”، مبرزًا أن السلام في منظوره يتحقق عبر مسارات عميقة ومترابطة.
وأوضح محمد لكحل، في هذه النقطة بالذات، أن هذه المسارات تتمثل في ثلاثة عناصر أساسية، أولها السلام النفسي والفكري، الذي ينبع — حسب فكر مالك بن نبي — من داخل الإنسان، فالإنسان الذي يعيش صراعًا داخليًا وتناقضًا بين قيمه وسلوكه لا يمكنه الإسهام في بناء مجتمع آمن.
وشدد المتحدث على أن الإصلاح الثقافي والأخلاقي هو الذي يمنح الفرد الطمأنينة، ويجعل تصرفاته متناغمة مع محيطه الاجتماعي.
أما العنصر الثاني، فيتمثل في الفاعلية الاجتماعية ونبذ العنف، وهي نقطة محورية في فلسفة “العيش بسلام”، التي تتطلب مجتمعًا “فعالًا” يتحرك وفق شبكة علاقات اجتماعية متينة، موضحًا ذلك بالقول: “عندما يمتلك الأفراد أهدافًا حضارية كبرى، كالبناء والتعليم والابتكار، تتوجه طاقاتهم نحو التعمير بدلًا من التدمير. وفي المقابل، فإن الخمول والبطالة الفكرية والمادية هما التربة الخصبة التي ينبت فيها العنف والتطرف والشغف بالصراعات الهامشية”.
وأضاف المتحدث أن المسار الثالث يتمثل في التثاقف والحوار الحضاري الندي، مشيرًا إلى أن مالك بن نبي لم يكن منغلقًا، بل كان يؤمن بـ“العالمية” والتبادل الثقافي، لكن بشرط الندية لا التبعية.
وخلص محمد لكحل، في تصريحه لـ“شرشال نيوز”، إلى أن العودة إلى مؤلفات مالك بن نبي، على غرار “شروط النهضة” و“وجهة العالم الإسلامي”، تكشف أن الرجل امتلك بصيرة نافذة إلى أعماق الأزمات المعاصرة، مضيفًا أن مشروعه الإصلاحي يذكّر دائمًا بأن السلام والنهضة “لا يُباعان ولا يُستوردان”، بل هما صناعة محلية تبدأ بوعي الإنسان بقيمة الوقت، وتنظيم جهده فوق ترابه الوطني، لبناء مجتمع يقوم على العلم والأخلاق، وقادر على مواجهة مختلف التحديات الخارجية.
مهدي الباز




