الأولى الدولي الوطني
✒️ ربورتاج/ بقلم مصطفى ايت موهوب:

كرونولوجيا الصين الجديدة/ التنين والخليج

كرونولوجيا الصين الجديدة/ التنين والخليج

 فتحت مدينة شينزين، هذا المختبر العملاق حيث يُصنع مستقبل الصين أمام أعيننا، أبوابها أمام وفد من صحفيين يحملون دفاتر تنتظر الكتابة وممثلين عن أحزاب سياسية من عشر دول عربية، جاؤوا ليعاينوا عن قرب الوجه الجديد للعملاق الصيني. بين الجدران المعقمة لمركز الابتكار، وهو صرح القوة الصينية الصاعدة، والأزقة العتيقة التي تمتد لمئات السنين بالعاصمة بكين، حيث لا يزال التاريخ ينضح بين ناطحات السحاب، عُرِضت أمامنا مسيرة أمة كاملة تسير بخطى ثابتة نحو مستقبل واعد. أما الحاضرة الكبرى (شينزين)، فها هي تعرض هيبتها التكنولوجية من دون مبالات، كعملاق بأقدام من طين أو حديد.

شينزين، واجهة للمستقبل

كانت هذه الزيارة مقدمة للحفل الدبلوماسي الكبير الذي تنتظره الصين والمتمثل في القمة الصينية العربية المزمع تنظيمها العام الجاري. والتقينا هناك بعدد من القادة النافذين في الحزب الشيوعي الصيني، وهذا ما ينمّ علن الاهتمام الذي تضفيه القيادة الصينية لعلاقاتها مع دول مع يسمى بالفضاء العربي. وبالموازاة مع ذلك، كان المسؤولون المحليون يستعرضون الأرقام المنجزة في الابتكارات التكنولوجية وفي الإنجازات الاقتصادية الواعدة. وكان هناك شباب “جيل زد” Generation Z)، أبناء الفضاء الأزرق الذين يرَون الاقتصاد كسيل من التدفّقات المستمرة من البيانات والرموز والخوارزميات. فهذه الفئة من الشباب، التي تمثل الأغلبية، كانت غارقة في استقراء المستقبل. كانوا يتحدثون عن الشركات الناشئة وتقنية “البلوكشين” بنفس الحماس الذي كان يتحدث به أسلافهم، في فترة ماضية، عن الثورة والمسيرة العظمى للرفيق ماو تسي تونغ.

 ما عرض علينا بعاصمة الابتكار العلمي، شينزين، يبرهن، وبكل تأكيد، أن الصين لم يعد ذلك البلد الذي يحاكي ابتكارات الاخرين، بل أصبح يخترع الجديد، وأضحى بذلك قبلة للابتكارات.

 ها هي شينزين، تنتصب واقفة بكل ثبات على ضفاف المياه الدافئة لبحر الصين الجنوبي، عند مصب دلتا نهر اللؤلؤة. إنها كذلك منطلق ذلك الجسر الممتد بين هونغ كونغ والبر الرئيسي الصيني، وخط يصل بكل وثوق بين عالمين فرّق بينهما الاستعمار والتاريخ. وكيف نصف جسر خليج شينزين، هذا الشريان من الصلب والخرسانة، الذي ربط هونغ كونغ بالوطن الأم بسبيكة متينة تأبى الصدأ؟

لقد تغير مظهر منطقة الخليج الكبرى بأكملها، وهي الحاضنة التي تمتزج فيها غوانغدونغ وهونغ كونغ وماكاو.  ولقد شيد الحزب الشيوعي في هذه المقاطعة مختبره العملاق والأكثر جرأة، مؤَسساً بذلك تجربته الفريدة على قاعدة تبدو متناقضة في الظاهر: “بلد واحد ونظامان”، لكنها تخفي نموذجا للذكاء الصيني، الذي استطاع أن يلتف عن العوائق المتمثّلة في القيود القانونية لمعاهدة فرضتها بريطانيا، والتي بسطت يدها على الضفة الجنوبية للصين طيلة قرن ونصف. ولقد لجأت الصين الى هذه القاعدة في ثمانينيات القرن الماضي، وذلك خلال المفاوضات من أجل استعادة هونغ كونغ، لتبرم تلك التسوية التاريخية التي حافظت على الوحدة والسيادة الوطنية، لكن تحافظ هونغ كونغ على نظامها وقوانينها. ولقد جعلت هذه القاعدة الصين تتقدم بقدم في الاشتراكية والأخرى في الرأسمالية، دون أن تتعثر أبداً، وهذا ما سماه الرئيس شي جين بينغ “الاشتراكية بالخصوصيات الصينية”.

لقد استطاعت الانتصارات التي حقّقتها الصين على جميع الأصعدة، من تبديد التخوّفات التي رافقت مغامرة الإصلاحات الكبرى التي أطلقها دينغ شياو بينغ سنة 1978. ان تلك الإصلاحات التي جاءت بسياسة “المناطق الاقتصادية الخاصة”، قد مكنت المناطق الجنوبية من الصدارة في سباقها مع الغرب في مجال التكنولوجيات الحديثة. وهكذا، تختزل شينزين مسيرة ثمانية وأربعون عاما، من دون انقطاع أو تردّد أو تراجع، على طريق الابداع والابتكار الإنسانيين. وبذلك كانت المعجزة الصينية، التي حوّلت قرية صيادين، كانت تضم 3000 نسمة، يقتاتون من البحر وحقول الأرز، إلى مدينة مستقبلية، عملاقة ومضيئة، تحتضن اليوم أكثر من 17 مليون نسمة.

قطاع خاص عملاق في ظل نظام شيوعي

لم يجد المسؤولون الصينيون أي حرج في الحديث بإطراء، أمام الوفود الأجنبية، خلال الندوة المنظمة تحت عنوان: «قصص الحزب الشيوعي الصيني: إنجازات منطقة الخليج الكبرى في ممارسة فكر شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية لعصر جديد»، عن مزايا القطاع الخاص، الذي أصبح المحفّز القوي لاقتصاد الصين الجديدة.

والحديث هنا عن ازدهار القطاع الخاص في الوقت الذي استمرت فيه هونغ كونغ، على بعد بضعة كيلومترات فقط من شينزين، بالاحتفاء بنهضتها ونجاحاتها الاقتصادية على أنغام الليبرالية؛ لكن ليست الليبيرالية المتوحّشة، وانما ليبرالية مسموح بها، ومؤطرة، ونابضة بالحياة. هل نحن أمام نظام هجين؟ نعم. هل يعتبر ذلك تناقضا؟ ربما. لكن في شينزين، المواطنون يعيشون اللحظة المفعمة بالنجاحات. فهم لا يكترثون كثيرا بهذه التفاصيل الدقيقة التي تذكر بالأرثودوكسية النظرية وأحكام الكنائس الأيدولوجية؛ فهم يبنون، ويبتكرون، ويتقدّمون. وبذلك تبدو الاشتراكية ذات الخصائص الصينية لعصر جديد، أكثر تألقا بالتجديد والتأقلم مع التغييرات التي يعرفها العالم كما تحافظ بشدة على مسألة تحقيق العدالة الاجتماعية، احدى الأهداف السامية للثورة الماوية…

لقد نمت الشركات الخاصة في وضح النهار، مدفوعة برياح الإصلاحات التي باشرت فيها الصين في أواخر سبعينيات القرن الماضي. والأرقام تتحدث عن نفسها، فهي تشحن، وبشكل جنوني، غيرة غلاة المدافعين عن الأرثوذكسية الليبرالية. ووفقًا للإحصاءات الرسمية، فان القطاع الخاص يمثل الآن 60% من الناتج المحلي الإجمالي، و70% من الابتكار. وفي الربع الأول من عام 2025، سجّلت الصين 57 مليون شركة خاصة. واستحوذ الخواص، سنة 2024، على 55.6% من التجارة الخارجية.

وبذلك نقف أمام حالة فريدة، تجعل من بلد الاشتراكية ينتصر في المكان الذي كانت تتباهى فيه الرأسمالية بأنها لا تقهر.

ففي شينزين، ينافسون بشراسة الغرب ويعرضون ما يتفوقون به عليه بفضل ابتكاراتهم الخاصة. لكن وفي المقابل، يبقى الحزب يراقب، ويحسب، ويترك الأمور تسير. لأنه وفي نهاية المطاف، عندما تكون النتائج الجيدة واقعا ملموسا، الانشغال حينها بالعقائد والمسائل الدوغمائية يصير لا معنى له؟

 وبفضل جهود الصينيين المضنية لما يقارب خمسة عقود، تحوّلت شينزين من قرية صيادين، إلى الواجهة المضيئة للصين الجديدة، والى مدينة حديثة متعددة الثقافات ونموذجًا للتنمية تثير حفيظة حراس معبد الليبيرالية.

 أما شعور وفود الدول العربية العشر، التي دُعيت للتجوّل في صروح التكنولوجيا المنجزة بين ناطحات السحاب، فكان يغمره الانبهار المختلط بالفرحة للوقوف أمام أسباب للتنمية وللحداثة وللتطور خارج الأنماط التي أراد الغير فرضها على بلدانهم. فكانت المعجزة الصينية تتجلى أمامهم بشكل ملموس، وواقعي، على غرار شركة “تينسنت” (Tencent)، العملاق الذي ولد عام 1997، وهو حاليًا يتربع على عرش ألعاب الفيديو والمصدر المطلق لتطبيق “وي شات” (WeChat)، الشبكة الاجتماعية، التي أحدثت ثورة في حياة أكثر من مليار صيني. وبذلك أضحت شينزين تحتوي على نظام بيئي متكامل، يعتبر أرضا خصبة ينمو فيها الابتكار كالأعشاب البرية التي تنمو بطريقة طبيعية. وتتكاثر في هذه المدينة حاضنات الأعمال، مدفوعة بالصعود القوي لعمالقة التكنولوجيا الفائقة، والإلكترونيات، واللوجستيات، والتمويل. وبالتأكيد، يجد الذكاء الاصطناعي في هذا المكان أحد أكثر ملاذه ونشاطه حيوية في البلاد.

الطفرة التكنولوجية الثانية

زار الوفد العربي مقر شركة “أوبو” (OPPO)، وهي واحدة من العمالقة الثلاثة في قطاع الهواتف المحمولة الصينية. تستحوذ هذه الشركة على 15% من السوق المحلية، وتقترب عائدات صادراتها من 9%، مع بيع أكثر من 100 مليون هاتف. وتضع هذه النتائج الكبيرة الشركة في المرتبة الخامسة عالمياً. وتحتضن مدينة شينزين، السخية دوماً، مقر عملاق الصين للهواتف النقالة، أي شركة “هواوي” Huawei) والعديد من الشركات الأخرى. وهذا ما جعلها تبدو مزهوة بموقعها كعاصمة عالمية للهواتف الذكية. إن المستقبل يُصنع في شينزين على خطوط الإنتاج، التي لا تحصى و لا تُعدّ، ويُصدَّر في حاويات تكاد الا تنتهي. ومع كل ذلك، يبقى جسر “هونغ كونغ – جوهاي – ماكاو”، وهو إنجاز هندسي ضخم يتحدى المحيط على طول 55 كيلومتراً، هو الذي خطف الأضواء بالنظر الى جميع العجائب التكنولوجية التي تشهرها بكل فخر مدينة شينزين . ولقد جذب أنظار الحضور، خلال مؤتمر عُقد في 23 أبريل الماضي، وبينما كانت تُعرض «قصص الحزب الشيوعي الصيني: إنجازات منطقة الخليج الكبرى في ممارسة فكر شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية لعصر جديد»، مقطع فيديو قصير يظهر القوس الفولاذي والخرساني للجسر القائم على أعمدة صلبة غائرة في أعماق المحيط. وكان انبهار أعضاء الوفود المشاركة بادية من خلال الصمت المطبق الذي خيّم على القاعة.  أربع ساعات من السفر المضنى اختُصرت إلى خمس وأربعين دقيقة فقط بين هونغ كونغ وماكاو أو زوهاي. كما انخفضت التكاليف اللوجستية بمقدار خمس مرات، وفي بعض الحالات أكثر. كما انتعشت السياحة والاستهلاك بشكل غير مسبوق. إن هذا الجسر يعتبر أكبر جسر بحري في العالم، كما يعدّ أكثر من مجرد إنجاز تقني؛ إنه حقيقة بمثابة الحبل السري، والرابط الحيوي الذي يربط هونغ كونغ بالوطن الأم، وشريان يغذي منطقة الخليج الكبرى بأكملها في الجنوب.

كل شيء هنا يمتزج ويتكامل: فالنظام المالي الناجع لهونغ كونغ، وجامعاتها المشهورة، وخبراتها الأكيدة، وُضِعت كلها في خدمة الابتكار التكنولوجي لشينزين، التي أصبحت حقا عاصمة التكنولوجيا الفائقة ومن دون منازع. كما تتوسع المنظومة البيئية لشينزين، بدورها، وتتداخل لتقدم خدماتها، التي لا يمكن الاستغناء عنها، للسلسلة الصناعية الكثيفة التي تشكل مصدر قوة المنطقة.

دراجة الرفيق شي جين بينغ

أما في العاصمة بكين. فقد اكتشف وفد الصحفيين وممثلي الأحزاب السياسية القادم من عشر دول عربية (الجزائر، تونس، موريتانيا، مصر، المغرب، البحرين، فلسطين، العراق، عمان، ليبيا) وجهاً آخر لعمل الحزب الشيوعي؛ وهو العمل المنهجي والدؤوب الموجّه نحو الشباب، وكذا الوجه المنير الاخر والأكثر إبهاراً للصين، والمتمثل في «الانتصار على الفقر»، وفقاً للمصطلح الذي اختاره مسؤولو الحزب بعناية.

كما قدم السيد “يو وي”، نائب المدير العام لإدارة غرب آسيا وشمال إفريقيا في الحزب الشيوعي الصيني، خلال لقائه بالوفد العربي، مقدمة جد بليغة عن الصين تشمل كل الجوانب. ولقد أوضح خلالها أنه لفهم إنجازات الصين الحالية، كان من الضروري العودة بعيداً جداً في تاريخها. ووفقاً له، فإن الصين الجديدة هي ثمرة السعي وراء التناغم والانسجام، ورؤية يحملها الرئيس شي جين بينغ؛ رؤية متجذرة في الممارسة الميدانية، والعمل الملموس والخلاق الذي يغير الحياة. وتأتي الأرقام لدعم الرواية الرسمية: 800 مليون صيني تم اخراجهم من الفقر منذ إصلاحات “دينغ شياو بينغ” في أواخر السبعينيات القرن الماضي. وفي عهد شي جين بينغ، تحققت النقلة النوعية: عام 2020، وهو العام الذي تحقق فيه هدف الصينين في القضاء التام على الفقر، وذلك من خلال السماح لـ 100 مليون من المواطنين بتحسين ظروفهم المعيشية في غضون ثماني سنوات فقط، وهو الموعد النهائي الذي قطعه الرئيس على نفسه.

 وفي هذه الرواية، أصبحت دراجة شي جين بينغ رمزاً دائم الحضور، بل تكاد ان توضع في خانة الأسطورة المؤسسةً. نجد الدراجة الهوائية أو صورتها في جميع المنتديات واللقاءات، مثل «حوار الشباب: قوة الجيل Z وأمل جديد»، الذي نُظِّم يوم الثلاثاء 28 أفريل في الدائرة الدولية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، حيث دُعي 120 شاباً من 14 دولة من آسيا وإفريقيا وأوروبا للاستماع الى سرديات حول إنجازات الشباب الصينيين. تروي الصين تاريخها بدقة متناهية تجعل المخرج يسعى الى ادراج كل التفاصيل. وهكذا أظهرت الصور المعروضة دراجة قديمة ومستهلكة، كان شي جين بينغ الشاب، رئيس المستقبل، يقطع على متنها الطرق الوعرة في “شانشي” والأرياف الشاسعة في محافظة “تشينغ دينغ”. وتظهر هذه الصور، وفق العناية الرسمية، إطار شاب يضغط على دواسات دراجته، دون كلل، للتنقل بين الفلاحين الفقراء في ثمانينيات القرن الماضي، ناسجاً روابط قوية وتنقطع مع هذا الشعب الذي سيصبح، بعد عقود، قائده الأعلى. وتُعرض هذه الصورة على شباب اليوم على شكل نداء مفاده: “هذا هو واجبكم. هذه هي مهمتكم”.

عاش “يانغ ليانغ”، وهو مسؤول مستقبلي من الجيل الجديد، هذه المهمة بنفسه. وقصته التي رواها أمام الحاضرين هي قصة قرية فقيرة فقدت قسما كبيرا من سكانها، اذ كان الشباب يغادرونها لانعدام الأمل في حياة رغدة بها. ثم جاءت الفكرة: أشجار تفاح ونظام ري معدل حسب الحاجة. وبذلك حدثت المعجزة؛ فلقد عاد الشباب الى قريتهم التي أصبحت مزدهرة، وسرعان ما أخذت القرى المجاورة الأخرى تحذوا حذوها، حيث راحت كل واحدة منها تجرب نوعا من الأشجار المثمرة، موسعة بذلك أفق ثقافتها الزراعية ودافعة بوتيرة الابتكار الريفي. إنها حكاية حديثة، برهن من خلالها “يانغ ليانغ” أن الأرض، حين تُخدم بإخلاص وبذكاء، تعطي بما يحقّق العيش الرغيد للفلاحين. كما أكد بهذه المناسبة الوزير “ليو هايكسينغ”، من الدائرة الدولية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، على دور الشباب المتعلم في تحديث البلاد. ففي كل عام، يتخرج ما بين 10 إلى 11 مليون شاب من الجامعات والمعاهد العليا. وهو عدد ضخم يفوق قدرة استيعاب المصانع والشركات الناشئة. ولهذا تُفتح أمامهم أفاقا أخرى تتمثل في المناطق الاقتصادية الخاصة وما تحمله من مشاريع تنموية ومن إمكانيات لرفع تحديات الصين الجديدة. ولإقناع هذا الشباب المتعلم، تُعرض عليهم تلك الدراجة الهوائية؛ الدراجة التي كانت لمدة عشر سنوات وسيلة النقل الوحيدة لرجل أصبح اليوم رمزاً لأمة تسير نحو الأمام.

إن هذه الدراجة هي أكثر بكثير من مجرد ماكينة للتنقل، فلقد تحوّلت الى رمز لبلد امتطى قطار الحداثة دون أن يتخلى عن قيّم العدالة والتضامن. انها الصين التي اعتبرت القضاء على الفقر معركة كل لحظة، خيضت في أتون منافسة اقتصادية شرسة.

وفي خضم هذا التحول، تفرض الحوكمة الناجعة نفسها حتماً. حيث أُنشئ في بكين، كما هو الحال في مدن أخرى، مركز للاستماع إلى شكاوى المواطنين، يُعرف بـ «الخط الساخن 12345»، خط يتلقى آمال الشعب وغضبه. يستعمل المركز عشر لغات، من بينها العربية، ويعالج ملايين الطلبات (25.8 مليون طلب) بكفاءة ودقة عاليتين، حيث يتم حلّ 97% من المشكلات بفضل التكنولوجيات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وتعتبر في هذا المركز كل شكوى اختباراً، وكل حل خطوة إضافية نحو نظام أكثر نجاعة. لقد جعلت الصين الجديدة الإنصات لأفكار المواطنين من الضروريات ومعالجة الإحباطات من الأولويات. فالصين، كما يتضح، لا تكتفي بالنمو، بل تصغي، وتُعدّل، وتمضي قدماً.

تحديات الصحافة الحكومية

إذا كان النموذج الإعلامي الطاغي حاليا هو النموذج الغربي، فهذا لم يمنع الصين من تطوير نموذجها الإعلامي القائم على الصحافة الحكومية. فلقد أظهر هذا النموذج قدرا كبيرا من التكتم والفعالية، تحدى بها قوانين الجاذبية الإعلامية. فقد نجحت الصحافة الحكومية الصينية، المدعومة باستثمارات ضخمة وتقنيات متطورة، في تحقيق نقلة نوعية. وكمثال على ذلك، يقف “مجمع الإعلام الجنوبي” (Southern Media Group)، الذي تأسس عام 2005، استناداً إلى صحيفة “الجنوب اليومية” ( Southern Daily) التاريخية ووليدة ثورة 1949، كعملاق اعلامي يضاهي المجمعات الإعلامية التي تصنع مجد الغرب. لقد نسف هذا المجمع، تحت وطأة العدد الهائل من النقرات اليومية والقراء، تلك الأحكام النمطية الراسخة التي تؤكد أن وسائل الإعلام التابعة للدولة أو الاحزاب محكومة بالبقاء في الظل. وقدّم مسؤولو فرع شينزين للمجمع، الذي يعرض محتوياته الوفيرة والمتنوعة لقراء محافظة غوانغ دونغ، للوفد الصحفي العربي معلومات حول هذه الإمبراطورية الاعلامية، التي يقع مقرها الرئيسي في غوانغ تشو. وبفضل الثورة الرقمية وسوق إعلاني مزدهر، تصل المضامين الإعلامية لهذا المجمع إلى 460 مليون نسمة، من خلال عدد كبير من الصحف، و11 موقعاً إلكترونياً، و400 حساب على وسائل التواصل الاجتماعي. ومن خلالها يستقي عشرون مليون مشترك دولي، أخبار الصين الجديدة، وبست لغات من بينها العربيةً. وتسقط هذه الأرقام الكبيرة اليقينيات الغربية فيما يخصّ عالم الصحافة، والتي غالبا ما تضع الاعلام الحكومي في زاوية المتهم، فيما توزع صكوك “الاستقلالية” على المجموعات الإعلامية المملوكة لقوى المال.

  وقد عُقد هذا اللقاء في المقر الفاخر لفرع المجموعة في شينزين، في وقت كانت فيه المدينة تستعد لاستضافة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) 2026. وكان صحفيو المجموعة منهمكون في العمل، لأنهم أخذوا على عاتقهم مهمة رسم الصورة الناصعة لمقاطعة غوانغ دونغ، ومدينة شينزين على وجه الخصوص، أمام ضيوفها.

 ظل الحرب ضد إيران

كما كان هناك وقت مستقطع للحديث عن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، وتداعياتها الخطيرة   التي تهدّد استقرار الشرق الأوسط بأكمله. وقد استقبل الدبلوماسي “جاو ويدونغ”، سفير الصين السابق لدى دولة توغو حتى عام 2025، والخبير بالشؤون الأفريقية، الوفد الإعلامي والحزبي العربي لمناقشة السؤال الذي يشغل بال جميع المراقبين: ما الذي سيحل بالدول العربية المحاصرة في وسط هذا المرجل؟

 لم يخفِ سعادة السفير “جاو ويدونغ” مخاوفه أمام التحوّلات الخطيرة، والتصعيدات غير المتوقعة، ومخاطر اتساع رقعة الصراع. فهذا الدبلوماسي المحنك يعرف جيداً شياطين التاريخ وما يبحثون عنه من خلال العسكرة المفرطة، إذ كانت نظراته الحادة والمليئة بالحيرة في آن واحد، تبدو وكأنها تقول: “قد رأينا هذا من قبل. ولكن هذه المرة، من سيتجرأ على إطفاء الحريق؟”.

واتّفق أعضاء الوفد، وهم ممثلون عن أحزاب سياسية ووسائل إعلام عربية، على نقطة واحدة: في مواجهة الحرب، تتحدّث الدول العربية بلغات متعددة. ومواقفهم، المتباينة كرمال الصحراء، تفضح حسابات وتحالفات وحالات صمت، لا سيما وأن أزمة مضيق هرمز لا تضرب شواطئ الخليج فحسب، بل تهدّد علانية الاقتصاد العالمي، وفي الخفاء أيضا، مصالح الصين في مجال الطاقة. وهنا، ذكّر سعادة السفير “ويدونغ” بالقاعدة الذهبية لبكين: “عدم التدخل. لا دروس، لا أحكام”، بل مجرد هذا اليقين شبه المهيب بأن الصين أصبحت جدار صدّ في وجه الفوضى. وعندما قال: “السلام عبر الحوار”، فكأنه كان يثبت، دون ذكره بالاسم، قاعدة “صن تزو” والموجودة في كتابه “فن الحرب”: “من يخوض الحرب تحت تأثير الغضب، يضع نفسه تحت ارادة خصمه”. جملة واحدة، فلسفة واحدة، ونهج سلوكي واحد. إن الصين، التي طالما اختصرت في تسمية “مصنع العالم”، تستعد اليوم لكتابة فصل جديد؛ فصل الثورة التكنولوجية. فالابتكارات التي كانت محصورة في المختبرات بالأمس، تتدفّق الآن كمنتجات استهلاكية واسعة النطاق، مدفوعة بطموح لا حدود له. لكن هذا الصعود القوي له وجه آخر؛ فالحرب الاقتصادية وحرب الطاقة، التي تلوح في الأفق، تهدّد بدفع “إمبراطورية الوسط” إلى ما وراء سورها العظيم، مجبرةً إياها على مواجهة أولئك الذين ما زالوا يعتقدون أنهم أسياد عالم أحادي القطب. ان التنين الصيني، الذي يعيش طفرة تكنولوجية نوعية، يحقّق خلالها تقدما في مواجهة منافسيه، خصوصا في مجال الذكاء الصناعي، أضحى مجبرا على تحسّس مواطن قوته، اذ وجد نفسه اليوم أمام معضلة: إما البقاء في ظل أسواره الألفية، أو المواجهة العلنية لحراس نظام القطب الواحد.

مصطفى ايت موهوب 

ترجمة: حسان خروبي

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام