الأولى كتاب شرشال نيوز
✒️ الدكتور نورالدين السد

قراءة في رواية “القلاع المتآكلة” للروائي محمد ساري

الحلقة الأولى

قبل الانتقال إلى القراءة النقدية لرواية “القلاع المتآكلة” للروائي محمد ساري أريد أن أسجل هذه العبارة التي تكون في نهاية القراءة وهي بمثابة فاتحة للأمل الدائم: « الجزائر انطلقت نحو قلاع جديدة تُبنى من الداخل، قد تتآكل القلاع، لكن الإنسان يستطيع أن يُعيد بناءها، لا من حجر فقط، بل من فكر، صدق، وفهم أكثر إنصافًا للذات والآخر، إن رواية “القلاع المتآكلة” لا تصرخ، لا تُعبّئ، بل تهمس بحكمة هادئة: أن التعافي ممكن، ليس في نفي ما جرى، بل في قبوله، وتأمله، وصنع بدائل صغيرة، متدرجة، متجذرة في العمق، هكذا، تُصبح القلاع المتآكلة نصًا مؤسسًا لأدب الحكمة بعد الألم، وتجربة سردية تستحق أن تُقرأ لا فقط كمأساة، بل كدعوة نادرة إلى الشفاء الداخلي».(نورالدين السد).

— تفكك الذات وتآكل المعنى في زمن الخراب.
— تلخيص الرواية :
تُعدّ رواية “القلاع المتآكلة” للروائي محمد ساري من أبرز الروايات التي رصدت الخراب الإنساني والاجتماعي الذي تسبّبت فيه العشرية السوداء في الجزائر، وذلك عبر نحت سردي دقيق يتتبّع مسارات الانكسار في ذوات مأزومة، وبيئات مهترئة، وقيم متصدعة، كل ذلك من خلال سيرة السارد المهيمن”عبدالقادر بن صدوق” الذي يشكل محور الرواية من بدايتها حتى نهايتها.
ينتمي عبدالقادر بن صدوق إلى جيل جزائري مُثقل بالهزائم والإحباطات، هو ليس بطلاً في المعنى التقليدي، بل هو شارد وشاهد على تحولات في بنية منظومة الحكم السياسي ، ومحكوم بالتردّد والخيبة، يتنقل بين الأمكنة باحثًا عن ملاذ وجودي ومعنوي، ولكنه لا يعثر سوى على قلاع متآكلة، لا تمنحه الأمان بل تكشف له عن بشاعة الانهيار العام.
تمر الرواية عبر فضاءات مختلفة: السجن، الحي الشعبي، المدن المنكوبة، المعامل، المعتقلات، غرف الطلبة، المقاهي، وحلقات “الرفاق” الذين يتحدثون كثيرًا ويُمارسون القليل… حيث تُبرز الرواية كيف تآكل الحلم، واستحال إلى جحيم يومي، وعبث سياسي، وتطرف ديني، وقمع سلطوي، وتمزق اجتماعي، في هذا المناخ، تتآكل الذات الإنسانية كما تتآكل القلاع.
يرتبط عبدالقادر بن صدوق بحكم تجربته الحياتية وبحكم وظيفة المحاماة بشخصيات متنوعة تشكل مرايا مختلفة في تجربته ومسار حياته، ومعظم الذين مروا في حياته يتدافعون في مشهد عبثي تتداخل فيه الأيديولوجيا بالقمع، والفكر بالإرهاب، والحنين بالخذلان. ولعل أحد أقوى مشاهد الرواية، حين يُطلب من نبيل ابن صديقه رشيد تنفيذ عملية اغتيال لأبيه ورشيد هذا صديقه المقرب ويعرفه تمامًا، مما يجعله يقف على هاوية ضميره، ويسائل وجوده كله، لأنه لم يضع في حسبانه أبدًا أن الجماعة المسلحة، تطلب من نبيل ابن صديقه اغتيال والده، وهو صديق يعرفه حق المعرفة، يمضي السرد عبر فصول تتوالى وتتداخل زمنيًا، كأن السارد المهيمن يريد إغراق القارئ في دوامة التمزق ذاتها التي يعيشها، لا تسلسل خطي صارم، بل تدفقات سردية تتوزع بين الماضي والحاضر، الحلم والكابوس، الذكرى والواقع، كاشفة عن عقل سردي يعيد بناء الألم في حلقات لا تنتهي.
من أبرز التقنيات التي يعتمدها محمد ساري في هذه الرواية: السرد الداخلي المكثف (المونولوج)،
والحوار المفكك الدال على هشاشة التواصل، ووصف المكان باعتباره كائناً مهترئاً، والرؤية السردية التي يعتمدها الكاتب ليست حيادية، بل مشبعة بتأمل عميق في معنى الهشاشة والخراب، لا تقدم الرواية حلولًا، بل تضع القارئ في مواجهة فوضى متفاقمة تطرح السؤال، ولا تزعم امتلاك الجواب.
كل فصل في الرواية يحمل قنبلة معنوية تنفجر في قلب القارئ، وتضعه وجهاً لوجه مع أزمة كبرى، وأحلام مغدورة، حيث الوطن ليس بيتًا، بل “قلعة متآكلة” توشك أن تسقط على من فيها.
والنهاية تظل مفتوحة، لا تطمئن القارئ، بل تؤكد منطق التآكل واللاجدوى، كما لو أن السارد أراد أن يقول: لا مخرج من هذا الجحيم إلا بالاعتراف به، ولا شفاء إلا بمواجهة الذات وتفكيك أوهامها.
بقي عبدالقادر أسيرًا لذاكرة مثقلة بالانكسارات، وقد بلغ نقطة اللاعودة، حيث لم يعد يُفرّق بين الحلم والكابوس، ولا بين الصديق والعدو، وكأن الذات نفسها تآكلت من الداخل، تقول الرواية في لحظة فارقة:

“بقي ممداً على السرير… يُطارد أسراباً من الممكنات، يصعد إلى قمة روابيها ولكنه لا يستقر على ذروة من ذراها المتآكلة، بل سرعان ما ينحدر، متدحرجاً، متعثراً، راكضاً” (ص: 1127).

هنا يتحول العنوان “القلاع المتآكلة” من مجرد وصف مادي إلى استعارة كبرى لوطن بأكمله: وطن لم تعد قلاعه تحمي أحداً، ولا قيمه تقنع أحداً، ولا ذاكرته تمنح الأمل.

— المكان كجسد مريض أو رمزية القلاع وخراب الذاكرة:
في رواية “القلاع المتآكلة”، لا يُقدَّم المكان على أنه فضاء محايد يحتضن الحدث، بل هو كائن حي منهك، ينهار ويتآكل مثل الشخصيات تمامًا، المكان هنا ليس مجرد خلفية، بل هو ذاكرة مشروخة ومرآة للخراب الداخلي الذي يعيشه الإنسان الجزائري في سياق الحرب الأهلية والإرهاب والقمع والخذلان السياسي، منذ الصفحات الأولى، يفتتح الكاتب صورة المكان بوصف بيئي شتوي قاسٍ يقول السارد المهين بعد حضوره ومشاهدته معركة مباغته بين الشرطة والجماعات الإرهابية المسلحة في عين الكريمة التي عاشت دوامة من الصراع والمعاناة خلال سنوات التسعينات من القرن الماضي، يقول: «أنا أيضًا لم يبق لي ما أفعله في الساحة، جرجرت قدمي واهن القوى وأنا أبذل قصارى جهدي لإدخال قليل من الصفاء إلى ذهني المشوّش، تطاردني وجوه وصور وأسئلة تزيدني حيرة وضجرًا وحزنًا. تذكرت يوم دخولي الأول إلى عين الكرمة، وفي محفظتي ورقة التعيين في متوسطة ابن باديس، وكلّي ابتهاج ورغبة عارمة في قضم الحياة بملء شدقي، ممتلئا بالأحلام الجميلة والمشاريع الشهية، فاستقبلتني كفارس عريس جاء راغبا في المصاهرة. أين عين الكرمة تلك الهادئة الآمنة، المضيافة؟ هل ستعود يوما ومتى تعود؟» هاهو يقارن بين ماضي عين الكريمة وحاضرها المأساوي الدموي المؤلم، ويعيش في هذا المكان يعيش المحن في أقسى تجلياتها، ويبدو أن ما عاشها في هذا المكان ومناخه القاسي ليس مجرد لحظات صراع دموي عابر ، بل هو مزاج سردي يعكس التوتر العام في الرواية. فالمكان يغدو كيانًا خانقًا، لا يمكن الهرب منه، بل لا توجد بداخله حتى مساحة للاختباء والراحة.
تدور معظم أحداث الرواية في مدينة عين الكرمة هذا المكان المتغير من حال ألى حال وهي المدينة التي يقول فيها السارد المهيمن عبدالقادر بن صدوق الذي دخلها أستاذا للتاريخ ، وتغير هو أيضا إلى محام يقول :«عين الكرمة لم تعد تلك الواحة الوارفة الظلال، الدافئة الحضن، التي آنست العيش بين أسوارها الآمنة، منذ اليوم الأول الذي نزلت فيه من الحافلة ذات صباح سبتمبري، أتأبط محفظة صغيرة تحوي أول تعيين لي مدرسا في متوسطة ابن باديس أحسست يومها بصدري ينتفخ ابتهاجا وأنا أمشي الهوينا، أستنشق روائح أزهار مزارع البرتقال المحيطة، وحواسي كلها منتشية، مزهوة بالعالم الجديد الذي أدخله غازيا غانما، بعد سنوات من البؤس والوجع، عاشت فيها عائلتي ما لا يُحتمل ولا يتصور، أتألم لمجرد تذكرها، وأود لو أستطيع محوها إلى الأبد.
آه على تلك الأيام ….
تغير كل شيء. كبرت المدينة واغتنت،
ولكنها فقدت براءتها وطيبتها».(ص. )
وأما المكان الذي كان يعيش فيه نبيل ورفاقه في فترة ما فهو مكان خفي سواء في المدينة أو خارجها، والمكان يصبح في الرواية استعارة رمزية تدل عن التحول من السكينة إلى الاضطراب والفوضى والسقوط من العلو إلى الحضيض، والقلاع التي تُذكر في العنوان، ليست قصورًا ولا حصونًا، بل هي أماكن “خالية من المعنى”. كل زواية كانت تحمل وعدًا بالحماية أو الدفء أو الخلاص، انقلبت إلى خيبة، وتهشُّمت اركانها. فالبيت، الزنزانة، المسجد، المعتقل، المقهى، كلّها تحولت إلى “قلاع متآكلة”، هذه الرؤية تكشف أن المكان لم يعد مؤتمنًا، لأنه فقد طابعه الرمزي كمصدر للأمان، وتحول إلى كيان مشكوك فيه، المكان يغدو تهديدًا لا حماية، ومسرحًا للهشاشة لا للقوة، فالأمكنة في هذه الرواية تتحول إلى”اللامكان”، وتفقد هويتها التاريخية والثقافية وتتحول إلى لا معنى.
— الشخصيات كشظايا وعي مهشم:
أو تمثيلات الذات والآخر في رواية “القلاع المتآكلة”:
لا تُقدَّم الشخصيات في رواية “القلاع المتآكلة” بوصفها أنماطًا جاهزة أو تماثيل نفسية مغلقة، بل هي كائنات هشّة، مأزومة، تتقاطع في ما بينها على أرضية واحدة وهي التفكك، وما يجعل هذا العمل متفرّدًا هو أن كل شخصية فيه ليست إلا وجهًا آخر للهشاشة، أو بالأحرى جزءًا من ذاته المتكسّرة في مرآة الزمن المنكوب.
— الذات المهزومة والممزقة:
عبدالقادر بن صدوق هو الشخصية المحورية، لكنه لا يُقدَّم كبطل تقليدي، بل كـ”ضحية واعية”، ينتمي إلى جيل تشكّل بين الأحلام الثورية والكوابيس اليومية، في لحظة تأملية عميقة، نسأل ما الذي بقي من كل تلك المبادئ؟ كلّها سقطت، كما سقطت القلاع، واحدة تلو الأخرى… أما عبدالقادر، فكان فقط يراقب الركام، عبدالقادر ليس شخصية منجزة، بل هو عملية سردية مستمرة: يتغير، يشك، ينكسر، يرفض، يتورط، يتراجع… إنه مثال حيّ على الإنسان الذي حاول أن يغيّر الواقع، فانتهى به الأمر بأن يتآكل داخليًا، إنه ضمير الرواية، أو بقايا الضمير في عالم فقد نبرته.
— التجسيد الرمزي للفكر الدوغمائي
نبيل بن رشيد هو الشخصية الأكثر قتامة في الرواية، شاب دخل معترك “الإيمان المسلّح”، فتحول إلى وحش باسم الدين، يتحدث الجنة كما يتحدث عن محطة قطار. يقسّم الناس بين طاهرين ومرتدين، دون إدراك، نبيل ليس شخصية فقط، بل بُنية سردية منغلقة على نفسها، تمثل الفكر المغلق الذي لا يرى سوى الأبيض والأسود، ويختزل العالم إلى سيف وآية.
يذكر السارد المهيمن العديد من الشخصيات التي التي يتعامل معها بحكم مهنته كمحام، ومنها شخصية يوسف عياشي يقول: «للأسف الشديد، مات يوسف عياشي وسيدفن سره معه، مثلما دفن سر عبد الكريم الصائغ»( ص 1176 )، وقد كان هذا المحامي يقوم بدور الوسيط بين الأشخاص المتورطين مع الجماعات الإسلامية ومحافظة الشرطة إذ كان بقربهم من محافظة الشرطة لتسليم أنفسهم، وذلك يعود إلى ما نسجه من ثقة مع الشخصيات التي عرفها في مساره، يقول عن يوسف عياشي: «إنه البريء الوحيد ضمن المقتولين، لماذا لم يسلّم نفسه مثلما قالت أمه ؟ أيكون اليوم الذي قرّر تسليم نفسه فيه قد تزامن مع يوم اغتيال محافظ الشرطة ؟ لقد مر أسبوعان من تلك الحادثة أيضًا، أيكون وقوع اغتيال ذلك اليوم قد أبعد عنه نهائيا فكرة تسليم نفسه ؟ أم أن صديقه عبد الحميد قد أقنعه بالبقاء ضمن صف الجماعة ؟ ربما هدده بالقتل إن فعل ؟ من يعرف ؟ أيكون قد سلّم نفسه للشرطة فأجبر على الاعتراف والتعاون معها وأخذها إلى مخبأ أصحابه، وهناك تلقى الرصاصات القاتلة؟ بعد الشيء الذي سمعته عن قصة الصائغ مع الشرطيين اللصوص، تصبح جميع الاحتمالات ممكنة، إنها حرب قذرة، حتما ستنبعث منها أنتن الروائح، وستبقى محلقة في الفضاء، تخز الضمائر وتصدّها عن مجابهة حقائقها العفنة».(ص1176)
إن المرأة في رواية “القلاع المتآكلة” هي العلامة الأنثوية في قلب الخراب، فهي لا تمثل فقط المرأة العادية في الرواية، بل الحلم المؤجل، الحنان المقموع، والأمل الذي لا يتحقق، تظهر لتقول لا للموت، ولا لمزيد القتل والتدمير، ولا للتآمر على الأمة وانهيار الدولة،
— تمظهرات اللامعنى:
كل من هؤلاء يحمل دلالة خاصة، لكنهم يتفقون على شيء جوهري: فقدان الفاعلية، يائس من كل شيء ، يُمثّل التدين الانتهازي، ويختار الصمت كوسيلة بقاء.
الشخصيات في رواية القلاع المتآكلة تعكس ما يسميه “بول ريكور” بـ”تفكك الهوية السردية”، أي أن الذات لا تعود كيانًا ثابتًا، بل مواقع متغيرة داخل شبكة من القوى والتمزقات.
— الزمن الروائي كفوضى وجودية أو بنية التصدع وتكسر الخطّ السردي في رواية “القلاع المتآكلة” البنية الزمنية لا تسير على نسق زمني تقليدي، بل نواجه فيها تفكيكًا منهجيًا للزمن الخطي، حيث يُعاد ترتيب الأزمنة لا بحسب التسلسل الواقعي، بل بحسب التمزق النفسي والتوتر الوجودي الذي يعيشه البطل، وبذلك تُجسِّد الرواية الزمن لا بوصفه أداة قياس، بل كجُرح مفتوح على امتداد النص.
— تداخل الأزمنة: الحاضر كجحيم والماضي كهاوية:
يتحوّل الحاضر في الرواية إلى فضاء خانق، فيما يُستدعى الماضي لا بوصفه ذاكرة حيّة، بل بوصفه مرآة للندم، وهذا ما نلاحظه في لحظة تأمل مؤلمة، هنا نلمس بوضوح ما يسميه ريكور بـ”التوتر بين الزمن المحكي والزمن المعاش”، فالرواية لا تهدف إلى بناء حكاية، بل إلى تفكيك فكرة الزمن نفسها كمسار متماسك.
— القفزات الزمنية والارتجاع:
يعتمد النص على “الارتجاعات الزمنية” التي لا تُقدّم كشهادات، بل كنزيف وعي، كل عودة إلى الوراء ليست لمجرد التذكّر، بل هي مكاشفة موجعة للحظة الخذلان والانكسار، العبارات في رواية القلاع المتآكلة لا تنقل الحدث، بل تفكّك أثره الزمني داخل الذات، فالزمن في هذه الرواية ليس ذاكرة، بل كابوس يتكرّر.
— البناء الدائري؛ لا مخرج من المتاهة:
نهاية الرواية لا تقدم مخرجًا، بل عودة دائرية إلى نقطة البداية، وكأنّ الزمن في هذا النص مصمم لإحباط الخلاص،
والبنية الزمنية تعكس مفهوم العبث عند “ألبير كامو”، حيث الإنسان يركض بلا جدوى، لأن الزمن لا يقود إلى معنى، بل إلى تكرار المرارة.

— اللغة السردية كبنية للانكسار:
والأسلوب بوصفه تجربة ألم في “القلاع المتآكلة”، لا تُستخدم اللغة كوسيلة نقل محايدة للأحداث، بل تتحول إلى جسد يتألم وينزف ويتشظى، لغة الرواية مشحونة بقدر عالٍ من التوتر والاختناق، وتعكس في تركيبتها الفوضى النفسية والوجدانية التي تملأ العالم السردي، نحن لا نقرأ وصفًا لواقع، بل نغوص في تجربة لغوية تحاكي الألم وتعيد إنتاجه.
— البنية الأسلوبية: تراكيب متكسرة وصور موحشة:
من الصفحات الأولى، نواجه لغة تُشبه الأنقاض وتصبح اللغة نفسها مرآة للخراب، لا سلاسة، لا طمأنينة، بل جُمل قصيرة، متوترة، متتابعة كأنها لهاث.
— الانزياحات اللغوية والرمزية:
يوظف محمد ساري انزياحًا بلاغيًا مكثفًا، يُخرِج الكلمات من معناها المباشر ليزرعها في حقول دلالية جديدة، متشظية،
هنا لا يعود الموت واقعة بيولوجية، بل بنية شاملة تندس في كل شيء، وهكذا يتضاعف التوتر اللغوي في النص، وتتحول البلاغة إلى بلاغة الخراب.
— التكرار والإيقاع النفسي:
يعتمد النص على إيقاع تكراري داخلي يُشبه لُعْبة الوسواس القهري: تتكرر كلمات مثل القلق، الموت، الخوف، الركض، المطر، البلل، الظلام، في تنغيم صوتي موحد كأن النص يكتب “نفسه المضطرب”،
تُعبّر هذه اللغة عن بنية وجودية مأزومة، حيث تُعاد الكلمات كنوع من الاحتجاج الصامت ضد العالم، أو محاولة لاستعادة السيطرة على سرد متشظٍ.
— غياب الزخرفة؛ بلاغة الألم لا بلاغة الزينة:
الكاتب يتجنّب الزينة اللغوية السطحية، ويكتب بأسلوب تقشفي يحاكي الجفاف الوجودي، بحيث تغدو البلاغة هنا هي الاختناق لا التجميل، كل استعارة هي ضربة، وكل تشبيه هو خنجر.
— البنية السردية وتعدد الأصوات:
في رواية القلاع المتآكلة تهيمن سلطة السارد وتواطؤ الخطاب، وتمتاز رواية “القلاع المتآكلة” ببنية سردية متعددة الطبقات، تنبني على تداخل الأصوات السردية، وتعاقب وجهات النظر، وتقلّب زوايا الرؤية، بحيث لا يمكن للقارئ أن يركن إلى صوت واحد يُملي عليه “الحقيقة”، بل يتوزّع المعنى على شظايا، ويتحوّل السرد إلى فسيفساء من التوترات.
— السارد المهيمن والرؤية من الداخل:
تتبنّى الرواية ساردًا بضمير الغائب وأحيانا بضمير المتكلم ، لكن هذا السارد لا يقف خارج الأحداث، بل يتموضع في الداخل، ويمتلك اطلاعًا نفسيًا عميقًا على ما يجري في دواخل الناس،
السارد المهيمن لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يُؤوِّل، يشكّك، يُقارب، يُعيد تشكيل المسافة بين الذات والعالم، مما يمنحه سلطة سردية تأويلية، تجعله يتجاوز الوظيفة الكلاسيكية في بنية الرواية التقليدية.
— تعدد الأصوات: الحوار والتوتر الدلالي:
الرواية تفتح المجال أمام شخصيات متعددة لتتكلم، لا فقط عبر الحوار، بل عبر مونولوجات داخلية حارقة، تصوغ بؤرًا سردية فرعية، كل صوت يحمل حمولته الأيديولوجية والنفسية والرمزية، ولا توجد مصالحة بين هذه الأصوات، بل صراع دلالي يضع القارئ في قلب المأساة.
— فصول قصيرة، متكسّرة، محكومة بالدهشة:
بنية الرواية تعتمد فصولًا متقطعة، لا تتجاوز معظمها سبع صفحات وأحيانا أقل أو أكثر، هذا التقسيم ليس تقنيًا فقط، بل يعكس تمزق الرؤية، وغياب الاتساق في العالم الداخلي للبطل، الفصول تتساقط كما تتساقط أوراق الحلم… كل صفحة تنغلق على وجع، وتفتح على وجعا آخر.
— الصمت في السرد:
المثير أن الرواية تُدخل الصمت بوصفه مكونًا سرديًا، فهناك مشاهد كاملة محكومة بالصمت؛ صمت الشخصيات، صمت المكان، صمت الجدران، لكن هذه المشاهد ليست سلبية، بل تحمل دلالات القمع، القهر، المراقبة، العجز، وإن لم يقل شيئا، فإن للجدران آذان، والصمت في هذه الحال صوت أعلى من كل الحناجر، يدخل هذا الصمت ضمن ما يمكن تسميته بـ”بلاغة الغياب”، حيث ما لا يُقال أقوى مما يُقال، وما يُحذَف يُصبح أبلغ من المكتوب.
— رمزية “الصمت” و”الجلوس”
يتكرر في الرواية أن الشخصيات تجلس طويلاً، ولا تتكلم. وهذا الجلوس، ، ليس راحة، بل شلل وجودي، جلوس البطل في الرواية مرآة للشلل السياسي والاجتماعي، والصمت مرآة لفقدان القدرة على الحكي، على المقاومة، على تشكيل المعنى.
— الرموز الكبرى في رواية “القلاع المتآكلة”:
– سيمياء الانهيار وتأويل الخراب، تُبنى القلاع المتآكلة على نسيج رمزي كثيف، يجعل من التفاصيل الصغيرة إشارات إلى معانٍ وجودية شاملة، فالرواية لا تكتفي بإخبار القارئ عن الانهيار، بل تُشعره به من خلال شبكة رمزية مركّبة تُحيل إلى أبعاد نفسية، سياسية، وتاريخية.
— “القلاع” من الحماية إلى التآكل:
العنوان نفسه يضعنا أمام أهم رمز في الرواية: القلعة، فهي تقليديًا ترمز إلى الحصن، القوة، الحماية، العزلة الآمنة، لكن القلعة هنا متآكلة، أي فقدت وظيفتها الرمزية، والأفكار التي كانت تحملها بعض الشخصيات في الرواية وكانت تظن بأنها تحميها وأنها حصون، فإذا بها كهوف تنهار، تلتهمها، ، القلعة في الرواية تُحيل إلى القيم الوطنية، الأحلام الثورية، المؤسسات، الروابط الاجتماعية، كلها تحولت إلى قلاع مهجورة، تنهار من الداخل، ليس بفعل مواجهة أو معركة مع قوى خارجية، بل بانهيار ذاتي ومن الداخل.

— “الماء” و”المطر”: سيولة الهوية والذاكرة:
يتكرر ذكر المطر والماء في الرواية بوصفهما عنصرًا موحشًا، لا يطهّر بل يُغرق، المطر ليس رحمة، بل بداية لعاصفة داخلية، سيميائيًا الماء هنا لا يحمل دلالة الحياة، بل دلالة اللامعنى، الذوبان، التحلل، إنه يعكس فقدان الثبات، تسييل الهوية الشخصية والجماعية، بحيث لا تبقى للذات نقطة ارتكاز، ومع ذلك فإن سنوات التسعينات كانت سنوات جفاف وقحط، مما ترتب عن ذلك عطالة وهشاشة اقتصادية كان لها انعكاسات على الوضع العام اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا…
— “الركض” اللاجدوى والهرب من الذات:
من أكثر الرموز تكرارًا في الرواية فعل الركض بما يشبه به من حركية إيجابية لها أثرها في الحياة العامة للمجتمع، وكثيرًا ما يوصف وهو يركض لا يهرب من شيء، بل يهرب من كل شيء،
في هذه اللحظة، يتحول الركض إلى ميتافيزيقا للحيرة، لا مكان نركض إليه، ولا جدوى من الركض، لكنه أفضل من السكون الذي يعني الفناء.
— “الليل” و”الظلمة”: غياب المعنى والرؤية:
الليل في الرواية لا يُقدم فقط كزمان للأحداث، بل كحالة داخلية مستمرة، حيث تفقد الأشياء معناها، وتدخل الشخصيات في عماء نفسي، الليل هنا رمز لغياب الأمل، انعدام الوضوح، وانهيار البصيرة، حتى الشمس، بوصفها رمزًا للحق، تختار الغياب، في زمنٍ تختلط فيه الرؤية.

– الحلقة الثانية:

– رواية “القلاع المتآكلة” بين الذات وعنف المعنى:
رواية “القلاع المتآكلة” ليست فقط شهادة على واقع اجتماعي جزائري منكوب، بل هي نص فلسفي مقنّع، يشتغل على أسئلة الوجود، الهوية، الحرية، المعنى، والعجز. من خلال تأمل عميق في شخصياتها وأحداثها، يمكن أن نقرأ الرواية كـتفكيك لنموذج الذات الوطنية، وفحص لانهيار القيم الكبرى التي كانت تشكل عماد الحلم الجماعي.
— الذات المفككة: من الوعي إلى التبخر:
من الشخصيات الرئيسية في الرواية شخصية عبد القادر بن صدوق وهو الشخصية الرئيسية في الرواية يقوم بدور السارد المهيمن، وهو محام ستيني أعزب، شخصية نقديّة تمثّل الشرائح العلمانية والمستقلة في المجتمع الجزائري، عبد القادر بن صدوق السارد المهيمن، شخصية مرجعية في الرواية ، وهو محام أعزب وعلماني يعكس رؤية نقدية محايدة، وتجربة عازب مادي واجتماعي، يعيش عزوبته كهيمنة على واقعه النفسي، لكن وطنه وواقع قريته “عين الكرمة” يُثقلانه بالهمّ والحسرة، وانسجامه مع الواقع متناقض، تقوده علاقاته القديمة (مع رشيد وشعبان) إلى التهكّم، في حين يعبّر عن وطنيته بصمت، وقد وظف في الرواية كشخصية رئيسية مرجعية ومحورية وراصد لأوضاع الأزمة وسيرورة أحداثها وتناقضاتها.
رشيد بن غوسة مدير متوسطة متقاعد، أستاذ سابق يمثل جيل السبعينات والمبادئ، هو الصديق المقرب إلى عبدالقادر بن صدوق، يؤسس لخط سردي مأساوي عبر اختلافه الأيديولوجي مع ابنه نبيل والمطلع على مذكراته بعد موته، ورشيد ممثّل معارض ومواجهة لممارسات الجماعات الدينية المتطرفة، وهو صديق المحامي عبدالقادر بن صدوق.
— ونبيل بن رشيد، شاب في مقتبل العمر، يتبنى فكرًا إسلاميًا متطرفًا، يُقنعه المتشددون بقتل والده، ثم ينتحر بنفس السلاح، وهو شخصية محورية في الصراع الأيديولوجي العائلي والاجتماعي، نبيل المتزمت دينيا، ضحية الصراع الفكري يتحوّل من طاعة العائلة إلى التطرف ثم الانتحار، هذا الشاب المتزمت أيديولوجيًا، أقنعته الجماعات الإسلامية المتطرفة بقتل والده، بعد اقتناعه بمفاهيم دينية متطرفة، عاش صراعا نفسيا داخليا أدى به في الأخير إلى قرار عدم قتل الأب، ووضع حد لحياته بالانتحار، وهو يمثل أزمة شاب جزائري في “العشرية السوداء”، والصراع بين الولاء العائلي والوطني والأفكار المتطرفة.
وشخصية سي أحمد محافظ شرطة اغتيل على يد الجماعة الإرهابية في “عين الكرمة”، وهو يمثل صوت المؤسسة والأمن، وفي قتله إشارة إلى تعطيل النظام.
يوسف عياشي: الصحافي الذي يظهر كجزء من نسيج المجتمع المتأثر بالعنف، يوسف صحافي محلي يمثل صوت المجتمع، ويرصد تفاعل الجماهير مع العنف.
ناصر بن تواتي: المحامي الذي درّب عبد القادر في المحاماة ويقوده إلى مراحل مهنية جديدة، وهو خبير وجسر مهني وفكري في الرواية.
— عبد الله صديق من الجيش، متقاعد وهو يمثل الحياة المعتادة قبل التوتر والاضطراب والصراع.
— شعبان صاحب المقهى المحلي بمثل الاجتماع المدني والنقاش المفتوح.
شخصيات أخرى عرضت في الرواية بشكل أقل بروزًا، وهي شخصيات مساعدة ومكملة في البنية السردية للرواية، مثل شخصية ياسين وعبدالجبار الإرهابيان وهما أصدقاء نبيل اللذان حرضاه على قتل والده.
— تعتمد الرواية على تقنية التيار الذهني والاسترجاع الحر لفضح الأيديولوجيات المتصارعة خلال “العشرية السوداء”، وتوجه اللائمة بنبرة نقدية لاذعة ضد الفساد الأيديولوجي والاجتماعي، حيث يرى السارد المهيمن الفساد بكل أشكاله كقدر مسلّط على الواقع الجزائري، وما الشاب نبيل سوى صورة من مأساة الشباب وضياعهم النفساني والاجتماعي والثقافي والايديولوجي خلال العشرية السوداء كما اصطلح عليها.
الرواية تعتمد سردا متعدد الأصوات، حيث يترك الراوي “عبد القادر” لفصول من الرواية سرد أحداث يعيشها أو يرويها أشخاص آخرون، مثل نبيل من خلال يومياته، بحيث تظهر الصراعات الداخلية والخارجية لكل شخصية.
الشخصيات تمثل تيارات متصارعة فكريًا: العلمانية المناهضة للتشدد، والتطرف الديني، مع تقديم منحى نقدي شامل تجاه الأطراف المختلفة ضمن السياق الجزائري في سنوات التسعينيات السوداء.
في شخصية نبيل الذي كان يعيش حياة أسرية هنية، والتحق بالجماعات الإسلامية المتطرفة، وفي هذا التحول تتجلى أزمة الذات المعاصرة، التي تراوح بين وعي سياسي، اجتماعي، وفكري، متقلب، وينتهي في دوامة من العدمية واللاجدوى، إن مصير شخصية نبيل يُعيدنا إلى تجربة “ميرسو” في رواية “الغريب” لألبير كامو، حيث تؤول الحرية إلى عبث، ويتحوّل السؤال عن “لماذا؟” إلى لا جواب، يتخبط في حال من الاضطراب والصراع بين اغتيال والده الذي يرى فيه زنديقا وكافرا بين الشعور بالبنوة والبر والطاعة وهو ما يمنعه من اغتيال والده،
يقول السارد المهيمن عبدالقادر بن صدوق:
«تمدّدتُ فوق السرير، وبذهني رغبة لا تُقاوَم للغوص في نومٍ عميقٍ يتغذّى من أرق التفكير في تفاصيل مرافعة يوم الغد. ها قد حان موعد جلسة المحاكمة وأنا في حيرة من أمري: هل المرافعة غداً هي قفزة انتحارية أم قفزة إنقاذ تتنظر أن تُخرَج من جحر الخفاء، انفجارها بين الضفّة والأخرى. وأنا على يقين من أن لا أحد سيخرج منها سالماً. فليستر الله، ويحوّل مجرى الزوبعة الجارفة بعيداً عنّا. إنّ البيّنين يسيرون على حواف النفس الحارقة: بزار وبحّار مهدد، مهدداً متوعّداً، وسواطير حادة بدأت تلمع الوجوه، لا أظنّ أنّ هناك قوة قادرة على صدّ صدام مهوله أو في عزيمته على إضرام النار في هشيم هذا البلد، لا يُروض البيّنين إلا قرنان. في اليومين الأخيرين من الأيام، كانت الشخصية تهزّني، جملات القوم تكنّني. أما اليوم فأؤكّد أنَّ حريماً من الابتكار والقناطير المقنطرة من أصابع الدينار والدولار والأورو لا تكفيه كافيه لتروّض هذا الوعي الفالج في عتمة الأسوار الخلفية، موجات آتٍ من وهاد جراحٍ يهمّني في أيٍّ كان الجرح قد جعل من أجزاء أساسية لا دواء لها إلا الزبر. إنّها آتيةٌ بطاقته أن ينجو منها إلا بطول العمر مثلما كانت تقول أمي، رحمها الله، وهي تحدثني عن حرب أخرى لا تزال جروحها لم تلتئم بعد…»(ص971)
ويسترسل في عرض استذكاراته، وهواجسه وافكاره، عرف السارد المهيمن معظم الشخصيات في مشهد حواري قصير هذا نصه: «بيده بإمعان قبل أن يرميه في الكيس، ثم راح يتأمل الجرح مستعيناً بلمسات خفيفة من أصابعه، اقتربت من المحافظ الذي يبدو أنه لم يرني بعد.
– واش رايك يا السي أحمد ؟ ما هي تخميناتك الأولى؟
التفت إلي مندهشا :
– آه، أنت هنا يا أستاذ… لم تقل لي إنك تسكن بالمتوسطة؟
– لا ، لقد اشتغلت هنا قبل التحاقي بالمحاماة ورشيد بن غوسة، المدير السابق من أصدقائي الأعزاء. ابنه هو الساقط أمامك ….
هز رأسه مفكرا قبل أن يضيف:
– أين هو الأب ؟ نحن بحاجة إلى بعض المعلومات.
لم يتحرك رشيد بن غوسة من مكانه، اكتفى برفع رأسه وتغيير وضعية جلوسه، جال ببصره الذابل على الحاضرين، ثم تكلم بهدوء، كما لو أنه كان يخاطب نفسه.
– لا أعرف … لا أعرف ماذا حدث بالتدقيق، حينما عدت إلى البيت حوالى العاشرة…» (ص: 975)، هذا تعبير عن التمزق الوجودي للإنسان الذي يُدرك عبث النظام الأخلاقي والسياسي، لكنه لا يجد بديلاً، هو “ثائر صامت”، يرفض، ولكنه لا يعرف ما الذي يريد.

يسرد عبدالقادر بن صدوق بإسهاب مسار حياته وكيف تحول من مدرس لمادة التاريخ في متوسطة ابن باديس إلى محام له يقول::
«أنا أيضًا لم أبق ذلك المعلم الساذج، مدرس التاريخ، الذي لا يرى في الناس إلا مظاهرهم المتودّدة المنافقة جرفتني الموجة الراجفة الزاحفة. فاستبدلت مهنة التعليم النبيلة الهادئة بمهنة المحاماة المتشيطنة المضطربة. علمتني المحاكم الغوص في أغوار نفوس الناس المتقلبة الأهواء، وكيف يمسخ شره الكسب طيبتهم ويحولهم إلى ذئاب شرسة، لا يراعون أي اعتبار، لا السن ولا القرابة ولا الأحقية الطبيعية للأشياء.
زيادة إلى أن قراءاتي للتاريخ، وكنت مولعا بقراءة تاريخ شمال إفريقيا، خاصة تلك المصائر العجيبة والتقلبات الغريبة للشخصيات التاريخية، فضت غشاوة براءتي، وفتحت لي آفاقا لا يحدها حد. كيف أبقى معلما صغيرًا في متوسطة لا يذكرها أحد، رغم تسميتها بواحد من علماء الجزائر الأجلاء، ما نزال نحتفل بذكرى وفاته كل سنة ونسميه يوم العلم ؟ وتساءلت مرارا لماذا نمجد دائما تواريخ الموت فيما يمجد غيرنا تواريخ الميلاد؟ لماذا تقديس المآسي ؟ أهو بقاء آثار الفكر الشيعي الذي استبد ببلادنا عبر الدولة الفاطمية لعشرات السنين؟ أم لكثرة الحروب والتضحيات الجسام التي ترافقها بحيث تغلبت طقوس الموت على طقوس الحياة؟»(ص981)
ويتابع عبدالقادر سرد سيرته والواقعة التي أثرت فيه يقول: «لكن القطرة التي أفاضت الكأس، وجعلتني أستعجل رحيلي من التعليم كانت تلك الإهانة الوسخة التي تعرّضت لها ذات صباح ممطر، كنت واقفا على طرف الطريق أنتظر قدوم الحافلة المتجهة نحو الجزائر العاصمة، لم يتوقف المطر طوال الليل، وكانت القارعة المحفورة مليئة ببرك الماء الموحل انزويت جانبا وبيدي مطرية أحمي بها، ما استطعت رأسي ومحفظتي من البلل، فإذا بسيارة يقودها تلميذ سابق في قسمي تمر بسرعة فوق بركة ماء على بعد متر فقط من مكان وقوفي، فتلطخت ملابسي بالماء والوحل. انفجرت غاضبًا وشتمت السائق ولعنته وسلالته بصوت لفت انتباه الحاضرين، كُنتُ مُتيقنا أنه فعلها عمدًا لأنني سبق أن رأيته قبل قليل مارا من الجهة المقابلة، كان تلميذا فاشلا ولم يكمل دراسته. أعرف أنه ابن تاجر مرموق في المدينة» (ص981)
— عنف المعنى: من الحقيقة إلى الإكراه
تُظهر الرواية أن المشكلة ليست فقط في العنف بل في غياب المعنى الحقيقي للحياة، وغياب الشعور بالمسؤولية لدى من كان بيدهم الحل والربط، حيث استشرى الفساد، وعمت اللامبالاة، وتاه الناس بين حقيقة الصراع وخلفياته حتى تحوّل معنى تحقيق الذات وفرض الوجود إلى حمل سلاح، وتم توظيف كل الأيديولوجيات في الرواية (الدين، الثورة، الوطنية، حتى الفن) تم توظيفها لتبرير العنف أو لتكريس الخضوع، شخص نبيل في الرواية مثلاً، لا يلجأ إلى الدين ولا يُمارس العنف بسبب الكراهية، بل بسبب البحث عن معنى لحياته في محيط يرى أنه جائر، ولإنه يعتقد أنه يمارس العدالة الإلهية، وهذا ما يجعل عنفه أكثر رعبًا.
إن رواية “القلاع المتآكلة” تُعالج بعمق قضايا العنف، التطرف، الموت، وصراع القيم خلال العشرية السوداء في الجزائر، وتُستخدم لغة سردية قوية تسمح بتناول هذه المواضيع.
هنا يستحضر “نيتشه” حين قال: “حين نؤمن أن لدينا الحقيقة المطلقة، فإننا نمنح أنفسنا الحق في ارتكاب كل الجرائم باسمها”، الرواية إذن تفضح تحوّل المعنى إلى أداة هيمنة، حيث يصبح الخطاب ـ ليس السلاح فقط ـ سببًا في الانهيار.
— الجزائر بوصفها كينونة:
الرواية لا تذكر الجزائر بوصفها مكانًا جغرافيا سياسية فقط، بل بوصفها كينونة معلّقة، بلدًا يعيش مفارقة مزدوجة: هو موجود كجغرافيا، مفقود كقيمة أنذاك،.
يمكن قراءة الرواية كتمثيل لما أسماه الوجود المغترب، حيث الإنسان يصير شيئًا، ويفقد مشروعه الحر، الجزائر ليست وطنًا، بل وعيًا بالمأزق.
— الحقيقة كخسارة من الحلم إلى الرُكام:
الحقيقة، في نهاية الرواية، لا تكشف عن نفسها كنور، بل كركام على الحلم، كل من بحث عن الحقيقة في هذا النص انتهى خاسرًا، إما بالصمت أو بالموت أو بالذوبان،
هذا النص يحاكي الأسطورة الإغريقية لأوديب، حين قتل أباه لأنه بحث عن الحقيقة، في “القلاع المتآكلة”، الحقيقة لا تحرر، بل تهدم الذات.
— رواية “القلاع المتآكلة” بين الإخفاق والبناء:
رواية القلاع المتآكلة ليست مجرد حكاية ذاتية لشخص مهزوم، بل هي صورة بانورامية دقيقة للانهيار السياسي والاجتماعي الذي ضرب الجزائر خلال التسعينيات، أو ما يُعرف بـ”العشرية السوداء”، النص يستبطن كل هذا السياق المأساوي، ويعيد إنتاجه لا بوصفه سردًا تاريخيًا، بل بوصفه مأساة سياسية وإنسانية.
— العشرية السوداء: الحضور المُعلَن للعنف:
لا تُذكر “العشرية السوداء” صراحة، لكن الرواية مشبعة بتفاصيل الخوف، التهديد، الإغتيالات، الرعب الليلي، المراقبة، الاعتقالات، التواطؤ، وتفكك البنية الاجتماعية، وتتحدث الرواية عن الدم، بل تجعله يحوم كطيف دائم حول الشخصيات، إنها رواية تسير على خطى “الحضور الغائب” للعنف، مما يزيد من وطأته الرمزية.
— آليات القمع والرقابة: تقدّم الرواية جهاز الدولة والأمن بوصفه جدارًا صامتًا، لكنه حاضر في كل شيء، الناس لا يتكلمون، ليس لأنهم لا يملكون ما يقولونه، بل لأنهم تعلموا أن كل شيء يُرصد،
هكذا تُقدّم الرواية القمع لا كجهاز عنف مباشر، بل كـ”نظام نفسي اجتماعي”، حيث يصبح الرقابة جزءًا من تكوين الذات نفسها.

— النخبة المتواطئة، خيانة المثقف: من أبرز محاور النقد الاجتماعي في الرواية: خيانة النخبة، فالمثقفون الذين كان يُفترض أن يكونوا ضمير المجتمع، اختار بعضهم الصمت، وبعضهم التملق، وبعضهم الهرب، في العشرية السوداء لم يعد الناس يفرقون بين بين المثقف والسياسي والشرطي والمُخبر، الكل يلبس نفس العباءة، يغيّر فقط في طريقة الخطابة، هذا التلون في السلوك ، واعتزال النخب في أداء وظيفة الإصلاح والبناء يُحيل إلى تفكك المشروع الثقافي في الجزائر ما بعد الاستقلال، وتحوله إلى طبقة منزوعة القدرة النقدية.
— تفكك البنية الاجتماعية: الشك بدل الثقة، أكبر ما تكشفه الرواية هو تفكك الروابط الاجتماعية، الصديق لا يُؤمَن، الجار يُراقب، والأخ قد يُبلّغ، تصبح الثقة عبئًا ولم يعد يعرف الإنسان إن كان هذا الذي أمامه صديقًا، أم عدوًا متقنًا للدور، صار يخاف من الابتسامة أكثر مما يخاف من الرصاصة، وهكذا تنشأ مجتمعات الخوف، حيث تغيب المبادئ، ويهيمن الشك، وتنهار القيم المشتركة.
يقول سي أحمد محافظ الشرطة مستجوبا رشيد والد نبيل الإرهابي المتوفى بحضور المحامي عبدالقادر بن صدوق ، والمحافظ يسأل عن المسدس كيف وصل إلى يد نبيل وهو لأحد أفراد الشرط الذين تم اغتيالهم، فيقول له رشيد قد يكون وضعه أحد الإرهابيين بعد اغتيال ابني ليبين بأنه انتحر ، فيرد محافظ الشرطة سي أحمد إن ذلك مستحيل و «الإرهابيون بحاجة ماسة إلى الأسلحة. يبيدون عرشا كاملا من أجل بندقية صيد، فكيف يتركون مسدسا آليا من آخر طراز وبعبوة مليئة بالرصاص ؟ نحن شبه مقتنعين بأن ابنك قد انتحر، ولكننا نجهل السبب، من خلال لباسه، يبدو أنه كان ينتمي إلى الجماعات الإسلامية. استدعيتك لتحدّثني عن ابنك، ماذا تعرف عنه؟ عن علاقاته ؟ عن أصدقائه ؟ سنبعث فرقة تفتش أغراضه في بيتك لعله ترك وثائق تفيدنا في التحقيق.
طأطأ رشيد رأسه مغمغما:
«الطامة الكبرى … في آخر عمري يتحول ابني إلى إرهابي … وبيتي مأوى للإرهابيين ……»
لم نقل ذلك بعد. نريد أن نعرف كيف وصل مسدس شرطي مقتول إلى ابنك ؟ ونطلب منك مساعدتنا.(ص.1046)
يقول المحامي عبدالقادر بن صدوق صديق رشيد والد نبيل: «تدخلت قائلا :
– يا سي أحمد، أنا أعرف عائلة رشيد منذ سنوات ولا أظن أن لها علاقة مع هؤلاء المجرمين.
– ومن اتهم العائلة بشيء؟ نحن نتكلم عن الابن وقد مات وانتهى أمره. ما نريده هو معلومات توصلنا إلى قتلة الشرطي. وهذا المسدس هو خيطنا الوحيد الآن. هيا سي رشيد تكلم….
بعد صمت ثقيل، قال المحافظ :
حدثني عن أصدقاء ابنك ؟ أقصد الأصدقاء الملتحين.
– الأصدقاء الملتحون؟ لا أعرفهم ولا أريد معرفتهم.
– لا تستعجل … فكر قليلا … ربما ….
طأطأ رشيد رأسه مفكرا بضع ثوان
– آه، صحيح … فيه واحد قصير القامة، شديد السمرة، بشاشية وبالطو فوق عباءة. رأيته مرة واقفا قرب سياج المتوسطة المغلق. كانت الساعة حوالي السادسة مساءً. سألته عن حاجته. قال بأنه ينتظر نبيل تفحصني من تحت العين كما لو أنه كان يضمر شيئًا مريبا، سألت ابني في المساء عن هويته. قال صاحبي. قلت: وهل يدرس معك في الجامعة ؟ قال: وما يهمك من أمره، صاحبي وخلاص.
منذ متى حدث هذا اللقاء؟
منذ بضعة شهور فقط .
– وهل رأيته بعد ذلك ؟
– لا … ولكن ذات مرة، حينما عدت إلى البيت مساءً، قالت لي زوجتي بأن نبيل سيتغيب بعضة أيام. وحينما سألتها عن السبب، قالت إنه ذهب مع ياسين لزيارة جده من أمه في منطقة البويرة. فسألت عن هوية ياسين هذا؟ قالت: ذلك الكحلوش الذي عادة ما يأتي للبحث عنه . قلت : أتعرفينه ؟ قالت: استقبلته مرة مع نبيل. كان ينتظره بالساحة، وبما أنني كنت قد حضرت فطورًا جيدًا ، طلبت منه أن يدعوه للأكل» (ص.1046- 1047).
ويتم اكتشاف أن الشاب نبيل كان مكلفا باغتيال والده، ولكنه لم يفعل ذلك لاعتبارات ومبررات المح لها في مذكراته.
— الوطن ككذبة مؤجلة: في النهاية تُسائل الرواية الوطن ذاته، لا كجغرافيا بل كـ”مشروع أخلاقي”، فالوطن الذي لم يحمِ أبناءه، ولم يضمن لهم الكرامة، يغدو مجرد شعار، هنا تتقاطع الرواية مع ما قاله “فرانز فانون”: “حين يكون الوطن هو القامع، لا تعود الوطنية فضيلة، بل استسلام.”
— تمثيل الوعي الممزق: قراءة خارج الخطاب المألوف: شخصيات الرواية ليست عنصرا سرديا فحسب، بل حالة وجودية مركّبة، تُجسد ما يُمكن تسميته بـ”الوعي المعذَّب في عصر الانهيارات”، فالبطل لا هو بطل تراجيدي، ولا هو ضحية خالصة، بل شخصية تمشي على الحافة، مترددة بين الانتماء والانفصال، بين الإرادة والعجز، بين الاعتراف والتمرد.
— الذات المنكسرة: هايدغر و”الوجود-نحو-الفناء”
ضمن التصور الوجودي عند مارتن هايدغر، تتحدد الذات من خلال إدراكها الحادّ للفناء، البطل لا يخاف الموت، لكنه يعي هشاشته كوجود مُلقى في عالم غير مأهول بالمعنى، هذه الهشاشة لا تُقابلها إرادة وجود، بل انكماش في الهوية، لم يعد يخاف الموت، صار يخاف من أن يعيش دون سبب، دون أثر، دون أحد، ما نراه هنا هو الوعي بالزوال لا كمصير، بل كحالة داخلية، إنه “الوجود-نحو-العدم”، ولذا فإن القرارات التي تتخذها بعض شخصيات الرواية، وترددها، وركضها، وسكوتها، ليست ضعفًا، بل وعيًا وجوديًا موجعًا بفقدان الجذور.
— القلق الوجودي كيركغارد و”الحرية كعبء”:
بحسب سورين كيركغارد، فإن القلق ليس مرضًا، بل تجربة روحية للحرية، عبدالقادر يعيش هذا القلق بكثافة، فهو دائمًا على عتبة قرار لا يُتخذ، وعلى هذه المفارقة التي تتموضع في قلب الفلسفة الكيركغاردية: أن تختار يعني أن تُوجِع ذاتك، وهكذا يصبح التردد في الرواية ليس جبنًا، بل علامة وعي فلسفي أمام عبثية الحسم.
— الذات المتشظية: غياب “النواة الصلبة”: عبدالقادر يملك مركزًا ثابتًا لهويته، ولا يتنقل بين أقنعة متعددة، بل نحن أمام هوية منجزة، ومفتوحة على عوالم وأحداث ، وهنا تختلف الرواية جذريًا عن نماذج الشخصيات ذات البناء التراكمي.
— عدمية هادئة؛ ما بعد الغضب: ما يميّز شخصية عبدالقادر بن صدوق أنه لا يصرخ، لا يثور، لا يُلقي الخطابات، بل يدخل في نوع من العدمية الصامتة، هو لم يعد ينتظر شيئًا، ولا يريد أن يبرّر أي شيء، بهذا المعنى، يسبق الرواية خطاب ما بعد الحداثة، حيث لم تعد الذات مصدرًا للمعنى، بل مجالًا للانهيار المراقب.
— جمالية الفشل وتفكيك البطولة: خطاب الانكسار في مواجهة سرديات الانتصار:
في “القلاع المتآكلة”، لا نجد بطلاً ينتصر، ولا فعلاً يُتوَّج بالخلاص، كل ما تقدمه الرواية هو منظومة من الفشل المتعدد الطبقات: فشل الفرد، فشل الجماعة، فشل التاريخ، وفشل اللغة، غير أن هذا الفشل لا يُقدَّم بوصفه عجزًا ساذجًا، بل هو اختيار جمالي ورؤية فلسفية واعية، تستبدل البطولة بالخسارة، والحسم بالتردد، والنجاح بالصمت.
— ضد ملحمة البطل؛ تحطيم النموذج التأسيسي:
تتفادى الرواية كل عناصر البناء التقليدي للبطل؛ لا أهداف واضحة، لا إرادة مصمّمة، لا صعود سردي، لا نهاية مُنقذة، إنها رواية بلا بطل منجز، بل بشخصيات مهمَّشة، مهزومة، مأزومة، تفقد حتى الرغبة في المحاولة، بهذا تشتغل الرواية ضمن ما يمكن تسميته بـتفكيك “الميثولوجيا الوطنية” التي طالما صنعت أبطالاً من ورق والحقيقة أن وجهة نظر الرواية تعبر عن وجهة نظر ساردها، حيث أحاطت شخصيات الرواية بهالة فارغة، إذ كل ما في النص يُسائل: من هو البطل اليوم؟ من هو الإنسان النبيل في زمن الخيانة؟
— الإخفاق بوصفه بنية سردية: لا تنتهي مشروعات الشخصيات بالفشل فقط، بل كل سردية فرعية تتآكل من داخلها، فالحب لا يتحقق، النضال ينهار، الصداقة تتآكل، وحتى الهرب لا يُكتمل، وهذه الفوضى ليست عشوائية، بل مُحكمة ، كل شيء يبدأ متأخراً، ويموت باكراً، لا شيء يكتمل في هذا البلد… حتى الحكايات تُفقد ختامها، بهذا يُصبح الإخفاق نفسه شكلاً من أشكال المقاومة السردية: مقاومة السرد المتماسك، المقاوم، المتفائل، ذي البنية الدرامية المغلقة.
— جمالية الرماد، الانهيار كمشهد وجودي:
لا تُقدَّم النهايات في الرواية كـ”كارثة”، بل كاستمرار طبيعي لما سبق، لا توجد “ذروة”، بل تشظي سردي هادئ، موحش، خفيض النبرة، المشهد الأخير، لا يختزل النهاية، بل يُكرّسها بوصفها منطقًا، جمالية الفشل هنا تُعيدنا إلى كتابات “بيكيت” و”فن الانهيار”: “أن نفشل، لا بأس، أن نفشل من جديد، لا بأس، أن نفشل بشكل أفضل؟ لا يهم، فقط افشل، كما تفعل الحياة دائمًا” (بارافريز عن بيكيت).
— “اللامخرج” لا تُقدّم رواية “القلاع المتآكلة” وعدًا بـ”الخروج من المتاهة”، بل تُعلن أن المتاهة هي الوجود ذاته، بهذا تتخطى الرواية الأمل، أو حتى التشاؤم، لتُقيم في ما يمكن تسميته بـحياد الخراب، وهو حياد مخيف لأنه لا يمنحك لا عدواً واضحاً ولا أفقاً للخلاص، ربما نحن لسنا ضحايا، ولا جلادين. فقط وجوه تتكرّر في مرآة مشروخة.
— تفكيك الخطابات المهيمنة: السلطة، الدين، الأخلاق في مرآة السرد المضاد في “القلاع المتآكلة”، لا تُقدَّم الشخصيات والمؤسسات بوصفها كيانات ذات سلطة فحسب، بل بوصفها خطابات تنتج المعنى وتفرضه، الرواية تُمارس نقدًا ضمنيًا وعميقًا لما يُعرف بـ”الخطاب المهيمن”، وذلك عبر تفكيكه، وفضح آلياته، وكشف هشاشته الداخلية، دون الوقوع في المباشرة أو الشعاراتية.
— السلطة السياسية: من المشروعية إلى الابتذال
الخطاب الرسمي ـ الذي طالما ادّعى حماية الوطن وبناء الدولة ـ يظهر في الرواية كواجهة زائفة تبرّر القمع والعجز، لا تصفه الشخصيات، بل تتجنبه، تسخر منه، تصمته، واللافت أن أقوى نقد سياسي في الرواية لا يأتي عبر اتهام مباشر، بل عبر التعرية الصامتة: مجتمع يتحرك بمؤسسات ذات شرعية رمزية، حيث تُستبدل المواطنة بالخوف، والمسؤولية بالشك، والأمن بالمراقبة، هكذا تُظهر الرواية أن السلطة فقدت رمزيتها، وصارت مجرد “أثر إداري” بلا سلطة معنوية.
— الدين كخطاب تطويع لا تحرير: الرواية لا تهاجم الدين، بل تفكك توظيفه الخطابي السلطوي، حين يتحوّل إلى أداة إخضاع وتبرير للعنف، الإرهابي لا يقتل كارهًا، بل “يُنفّذ حكمًا”، كأن النص يُحذر من دوغمائية “الحقيقة المطلقة” حين تنزل إلى الواقع بسكين، الإرهابي لم يكن يفكر، كان يتلو، لم يكن يناقش، كان يُنفّذ، كل شيء بدا كأن الفتوى أقدس من الروح، الرواية تُبقي المسافة مفتوحة بين الإيمان والتدين، وتؤكد أن الإيمان لا يُقاس بالكلمات بل بالسلوك الحر غير الخاضع لآلة القتل.
ترصد معظم مشاهد الرواية أحوال التوتر النفسي والاضطراب الاجتماعي والثقافي والقيم الذي عاشها المجتمع الجزائري في فترة التسعينات فهذا نبيل بن رشيد الذي التحق بالجماعات الإسلامية المتطرفة، يأمره قاعده عبدالجبار بقتل أبيه، ويرافقه صديقه ياسين لتنفيذ جريمة القتل، وهي قتل أبيه، يقول نبيل: «بمجرد التفكير فيها، يصرخ صوت بداخلي موبخا : أنت مجنون يا نبيل، كيف تسمع لكلام أولئك المعتوهين وتقتل أباك ؟ أيقتل الأولاد آباءهم؟ الأولاد يقدسون آباءهم ويقتدون بهم ويفتخرون بهم ، يرد عليه صوت آخر مدوّيًا : إنه كافر مرتد، وجزاؤه القتل، وحظوتي عند الله ستكون عظيمة».(ص.1168) يواصل نبيل سرد كيف خطط الإرهابيون لتنفيذ الجريمة، ومرافقة نبيل لتحريض على أداء المهمة المكلف بها ، يقول نبيل: «عندما افترقنا قبل المغرب، اقترب مني ياسين، ألقى علي نظرة صارمة شلت حركاتي وقال: هذه الليلة … لا نريد تأخيرا … عبد الجبار ينتظرنا قبيل صلاة الفجر، سأنتظرك هنا ابتداء من منتصف الليل عندنا مهمة أخرى سننفذها غدا صباحا، وستكون أنت جنديا معنا، ستشارك معنا في أول عملية جهادية لك، نحن جنود الله الجدد ولنا غزواتنا التي لا تقل أهمية من غزوات بدر وأحد وغيرهما من غزوات المسلمين الأوائل سنتقرب إلى الله برؤوس أخرى من الكفرة الطغاة، أسمعت جيدا ما أقوله لك ؟ أمسكني من كتفي وثبت بصره في بصري: هذه الليلة، لا تتأخر، أنتظرك هنا، لن أتحرك من هذا المكان إلى حين عودتك، اذهب الآن والله معك، يحميك ويعينك مثلما يحمي جماعتنا ويعينها»(ص1168)، يعيش نبيل حالة من الاندهاش، والذعر ، والحيرة والمعاناة، والصراع النفسي، ويتساءل كيف يجرؤ على الاقدام على هذا الفعل الشنيع، والجريمة النكراء، إنه والده، أقرب خلق الله إليه، كيف يجرؤ، وظل يتساءل في حيرة مؤلمة، إنها لحظات فارقة كيف يكون فيها الفصل، ويتساءل نبيل: «ماذا أفعل الآن؟ ها هو أبي قد دخل والتحق بغرفته حينما فتح باب الصالون هممت بإخراج المسدس من جيب سترتي وإطلاق الرصاص عليه، عقلي يأمرني بأن أفعل، ولكن قلبي يرفض ويشل جسدي، لم أسمع ما قاله لي، أهو سلام أم كلام آخر ؟ لا أعرف ولم أعد أعرف، قلبي منقبض، وأشعر بأحشائي تتمزق، لأقم الآن وأر ماذا بإمكاني أن أفعل.»(ص1168)
ويأتيه الصوت مرددا: «أقتله … لا أقتله… أقتله … لا أقتله… وياسين ظرني … ماذا أقول له ؟
رأسي يغلي وبصري مشوّش … سأخرج حالا … أستطيع البقاء هنا… لا أستطيع …”(ص1168)
وتستمر عملية السرد للتعبير عن هول ما وصل إليه المجتمع من تفكك وتدمير للقيم، وتشويه أسس الحياة ، وتفكك الروابط الأسرية، وانهيار علاقة الأبناء بالأباء، إنه وضع مريب فعلاً ، تسعى هذه الرواية إلى إدانته بطريقتها، من خلال مواقف الشخصيات، وخاصة شخصية عبدالقادر بن صدوق السارد المهيمن في هذا الخطاب السردي الجرئ: «ضغطت بأصابعي على الأوراق بقوة، وأغمضت عيني من شدة الحزن والغضب معا، المني وضع نبيل الضعيف الذي وقع فريسة سائغة في أيدي أولئك الحاقدين الذين لم يجدوا من بين جميع العمليات الإجرامية إلا أن يأمروه بقتل أبيه، هل فكر عبد الجبار، القاسي القلب لحظة في أن يقتل أباه ؟ لا أظن، لو فكر ثانية واحدة لما كلف نبيل بهذه الجريمة البشعة، ولجنبه الانتحار، نعم لقد انتحر نبيل لأنه رفض قتل أبيه صوب الرصاصة المخصصة لرشيد باتجاه صدره، رفض أن يعود إلى ياسين بدون» (ص.1168).
— الأخلاق المُفرغة؛ الانزلاق من القيمة إلى الشعار: في هذا العالم السردي، تتحول الكلمات النبيلة ـ الوطن، العدالة، الواجب، الوفاء، المبدأ ـ إلى أصداء فارغة، تستخدمها الشخصيات إما في لحظة تبرير قاتلة، أو كقناع لضعف داخلي، وهنا يظهر نوع من الوعي ما بعد الأخلاقي، حيث لا تُمارَس القيم بل تُذكر كما تُذكر الأساطير، الرواية لا تسقط في العدمية الأخلاقية، لكنها تسائل مشروعية الأخلاق حين تنفصل عن الإنسان، وتُختزل إلى تعليمات جوفاء.
— الرواية كخطاب مضاد: في مواجهة هذه الخطابات المغلقة، تنتج القلاع المتآكلة خطابًا سرديًا تفكيكيًا، مفتوحًا، ناقدًا، لا يقترح بدائل جاهزة، بل يزعزع “البداهات”، وهنا تتجاوز الرواية وظيفة “المرآة”، لتغدو مخربًا ناعمًا للسرديات الكبرى.
— نحو أمل يتخلق من الرماد، رؤية تفاؤلية في قلب الخراب:
إن القيمة الفنية والفكرية لهذه لرواية “القلاع المتآكلة” بوصفها عملًا تأسيسيًا في أدب ما بعد الكارثة، ونقدًا ضمنيًا لأخلاقيات الوعي العربي في لحظته المنكسرة، وعلى الرغم من كل ما تنسجه القلاع المتآكلة من مشاهد الانهيار والتشظي، والحفر العميق الذي مارسته في ليل الذات الممزقة والمجتمع المتهاوي، فإنها لا تُغلق النص على العدم، ولا تترك القارئ في اليأس الخالص، بل بالعكس، إن أعمق ما في هذه الرواية ليس الفشل، بل الاعتراف الشجاع به تمهيدًا لتجاوزه، وهذا ما يمنحها عظمتها.
— الحطام ليس نهاية، بل بداية الأسئلة الحقيقية:
حين تتآكل القلاع، لا يعني ذلك فقط سقوطها، بل انكشاف هشاشتها القديمة، السقوط هنا، كما في الفلسفة الشرقية، ليس نكبة فقط، بل أيضًا تحريرٌ من الوهم، لا يمكن للذات أن تنبعث إلا إذا تحررت من سطوة الصور الكاذبة عن نفسها.
بعض مواقف عبدالقادر التي يساير فيها الظروف ، تعد مواقف المفصلية في مساره، وهي لا تُترجم الاستسلام، بل تعلن تصالحًا عميقًا مع الزمن الداخلي، مع الفراغ بوصفه إمكانًا، ومع السقوط بوصفه إلغاءً لنرجسية لم تعد تنفع.
— إعادة اكتشاف الإنسان في هشاشته: الرواية تُعرّي الإنسان، لا لتُحقّره، بل لتُعيد له تواضعه الكينوني، لقد جُرّدت الشخصيات من البطولة، ولكنها كُشفت في إنسانيتها المتعثرة، الخائفة، المشتهاة للضوء، ولو من فتحة صغيرة، وفي لحظة نادرة من الصفاء، ربما الخلاص ليس في الخروج، بل في أن نصير شفافين لهذا الألم… أن نُضيئه بدل أن نحاول طرده، هنا ترتقي الرواية إلى أفق فلسفي نيتشوي رفيع: أن تقبل مصيرك، أن تحب معاناتك، لأنها الشيء الوحيد الصادق في عالم مقلوب.
— من المعنى المنهار إلى الحكمة البديلة:
لا تدّعي الرواية تقديم أجوبة، لكنها تفتح أفقًا على حكمة بديلة، أكثر تواضعًا، لكنها أكثر رسوخًا: أن يكون الإنسان صادقًا مع ألمه، ألا يختبئ خلف الشعارات، وألا يرفع رأسه بلا أساس، وهنا تتقاطع رواية “القلاع المتآكلة” مع الرؤية الوجودية في أرقى تجلياتها: أن المعنى لا يُمنح، بل يُصنع، وأن الفلسفة ليست امتلاكًا للحقيقة، بل استعداد دائم للإنصات إلى هشاشة الوجود دون أن نكفر به.
في هذه الدوامة تتحول الكتابة إلى فعل للشفاء، وتتحول الرواية نفسها إلى فعل مقاومة، لا ضد سلطة خارجية فقط، بل ضد الخرس الداخلي، لقد اختار محمد ساري أن يكتب، لا ليُدين مرحلة مؤلمة من تاريخ الوطن فقط، بل ليُضمّد جراحه، وكل جملة كتبت في هذا النص، وكل صمتٍ داخله، هو بذرة أمل في التئام قادم،
إن الكتابة عند محمد ساري هي نشاط يؤكد لذاته أنه يكتب لأنه لا يريد أن يموت في صمت، ولأنه يؤمن بأن تحت الركام… ما زالت شظايا ضوء، تملأ الدنيا فرحا ونورا.
في نهاية هذه القراءة أريد أن أسجل بتشوف أن الأجيال قد فهمت الدرس ولن تسمح بتكرار سيناريو فيلم التدمير ، ولن تنطلي عنها لعبة المتآمرين، وهي تسير نحو بناء قلاع جديدة، تعزز أركانها من الداخل والخارج معا.
قد تتآكل القلاع، لكن الإنسان يستطيع أن يُعيد بناءها، لا من حجر فقط، بل من فكر، صدق، وفهم أكثر إنصافًا للذات والآخر.
إن رواية “القلاع المتآكلة” لا تصرخ، لا تُعبّئ، بل تهمس بحكمة هادئة: أن التعافي ممكن، ليس في نفي ما جرى، بل في قبوله، وتأمله، وصنع بدائل صغيرة، متدرجة، متجذرة في العمق.
هكذا، تُصبح “القلاع المتآكلة” نصًا مؤسسًا لأدب الحكمة بعد الألم، وتجربة سردية تستحق أن تُقرأ لا فقط كمأساة، بل كدعوة نادرة إلى الشفاء الداخلي الأبدي..
—————-انتهي——————————-
— قراءة في رواية “القلاع المتآكلة” للروائي محمد ساري.
— رواية “القلاع المتآكلة” للروائي محمد ساري متوفرة في “الأعمال الكاملة” من (ص969 إلى ص 1176) ، منشورات دار التنوير ، سنة 2017، الجزائر .
د.نورالدين السد – الجزائر

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام