صادق الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون على قانون جديد يسهّل إعادة الأعمال الفنية والقطع الأثرية المنهوبة خلال فترة الاستعمار الفرنسي للدول، ويمنح الحكومة الفرنسية صلاحية إعادة القطع الموجودة ضمن الملك العام إلى دولها الأصلية عبر وثيقة رسمية، دون الحاجة إلى إصدار قانون خاص لكل قطعة على حدة.
وحسبما جاء في نص القانون المنشور في الجريدة الرسمية الفرنسية، فإن “القانون يسمح بإخراج الممتلكات الثقافية من الملك العام بقرار حكومي مباشر، لكنه يشترط الحصول على موافقة الجهة المالكة إذا كانت القطعة تعود إلى مؤسسة عامة غير تابعة للدولة”.
ويشمل القانون الممتلكات الثقافية التي دخلت فرنسا بين 20 نوفمبر 1815 و23 أفريل 1972، وهي الفترة الممتدة من بداية التوسع الاستعماري الفرنسي الحديث وحتى دخول اتفاقية اليونسكو الخاصة باسترداد الممتلكات الثقافية حيّز التنفيذ ضمن القانون الدولي.
وسبق وأن أشارت “شرشال نيوز” إلى هذا الملف من خلال قراءة قدّمها الكاتب الصحفي محمد لكحل للجريدة، وصف فيها هذا التحول باللافت في السياسة الفرنسية تجاه تاريخها الاستعماري، قبل أن تتم المصادقة عليه، بما يفتح مساراً جديداً من مسارات الذاكرة الاستعمارية بين فرنسا ومستعمراتها القديمة.
وقد وُصفت هذه الخطوة بالتاريخية، باعتبارها قراراً طال انتظاره من قبل العديد من الدول الإفريقية والآسيوية منذ سنوات طويلة، فيما اعتُبر الترحيب الدولي الواسع بها، خاصة من الصين وعدد من العواصم الإفريقية، دليلاً على أن هذا القانون يحمل دلالات سياسية وتاريخية تتجاوز الإطار الفني والقانوني لتلك الممتلكات.
وفي هذا الشأن، يؤكد مدير جريدة “المقال” الإلكترونية محمد لكحل في تصريح خاص لشرشال نيوز أن هذا القانون يعد تحولاً لافتاً في طريقة تعامل فرنسا مع ملف الذاكرة الاستعمارية، بعدما كانت عملية استرجاع القطع الأثرية تتطلب سابقاً إصدار قانون خاص لكل قطعة أو مجموعة فنية، بسبب تصنيفها ضمن “الملك العام الفرنسي” الذي يمنع التفريط فيها قانونياً.
وأضاف المتحدث أن النص الجديد يمنح الحكومة الفرنسية إمكانية إخراج الأعمال المنهوبة من الملك العام عبر مرسوم حكومي مباشر، ما يفتح الباب أمام تسريع عمليات الإرجاع.
كما يرى أن القانون يحمل في طياته اعترافاً غير مباشر بحجم النهب الثقافي الذي تعرضت له الشعوب المستعمَرة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، حين تحولت الحملات العسكرية الأوروبية إلى عمليات استحواذ واسعة على المخطوطات والتحف والتماثيل والقطع الأثرية التي نُقلت إلى المتاحف الغربية.
وأشار محمد لكحل إلى أن هذا القانون يعيد إلى الواجهة ملف الممتلكات الثقافية الجزائرية التي نُقلت إلى فرنسا خلال فترة الاحتلال التي دامت 132 سنة، سواء تعلق الأمر بالمخطوطات النادرة أو التحف التاريخية أو المقتنيات ذات الطابع الرمزي المرتبط بالمقاومة الجزائرية.
وفي هذا الإطار، يؤكد محمد لكحل أن القانون الجديد يمنح فرصة وهامشاً دبلوماسياً وقانونياً أوسع لفتح حوار جدي مع الطرف الفرنسي للمطالبة باسترجاع عدد من الكنوز التاريخية الموجودة داخل المتاحف والأرشيفات الفرنسية، خصوصاً في ظل تنامي الخطاب الرسمي الجزائري الداعي إلى معالجة ملفات الذاكرة بعيداً عن الانتقائية.
أما بخصوص هذا التحول في الخطاب الفرنسي من خلال سن قانون يتيح ويسهّل إعادة الأعمال الفنية المنهوبة خلال الحقبة الاستعمارية، فيوضح محمد لكحل أن الأمر لا يمكن قراءته فقط من زاوية ثقافية، بل يُنظر إليه أيضاً كجزء من محاولة باريس إعادة ترميم علاقتها المتوترة مع عدد من الدول الإفريقية التي باتت تنظر بعين الريبة إلى الإرث الاستعماري الفرنسي.
وأشار إلى أن فرنسا، التي فقدت خلال السنوات الأخيرة جزءاً من نفوذها التقليدي في الساحل وغرب إفريقيا، تدرك أن ملف الذاكرة أصبح عاملاً حاسماً في العلاقات الدولية الجديدة، وأن الاحتفاظ بممتلكات ثقافية منهوبة لم يعد يُنظر إليه كرمز حضاري، بل كامتداد لهيمنة تاريخية مرفوضة.
ويخلص بالقول إنه، وبرغم الترحيب الواسع بالقانون، إلا أن العديد من الأصوات تعتبره مجرد بداية لمسار طويل، لأن إعادة القطع الفنية وحدها لا تكفي لمعالجة الجراح والندوب التاريخية التي خلّفها الاستعمار.
ومع ذلك، يبقى هذا القرار مؤشراً على تغير تدريجي في النظرة الأوروبية إلى الماضي الاستعماري، وعلى أن معارك الذاكرة لم تعد تقتصر على الاعتراف السياسي فقط، بل أصبحت تشمل أيضاً استرجاع الرموز الثقافية والهوية التاريخية للشعوب التي تعرضت للنهب والتهميش لعقود طويلة.
مهدي الباز




