كشفت دراسة استراتيجية حديثة أنّ نسبة النمو في النشاط خارج المحروقات بلغ نسبة 5.4% وازدادت نسبة الاستثمار بـ13.2% خلال النصف الأول من عام 2025، مقابل ارتفاع الواردات بـ25.2%؛ هذه الأرقام تضعها الدراسة في صلب تقييم مسار التنويع الاقتصادي الجزائري، معتبرة أن زيادة الإنتاج خارج النفط والغاز لا تكفي إذا ظلت المصانع والمشاريع الجديدة تعتمد بوتيرة مرتفعة على المعدات والمدخلات المستوردة والعملات الصعبة التي توفرها المحروقات.
وحسب الدراسة التي نشرها «المعهد الدولي للشؤون الاستراتيجية» عبر منصة IStrategies في 12 سبتمبر 2026 تحت عنوان From Hydrocarbon Wealth to Productive Power، فإن التحول الاقتصادي في الجزائر لا يتطلب البحث عن قطاع يعوّض النفط والغاز، بل استخدام عائدات الطاقة والبنية التحتية والموقع الجغرافي وقدرات الدولة لبناء شركات قادرة على المنافسة والتصدير والاستمرار بعد انتهاء الحوافز والحماية.
وتنطلق الدراسة من ثقل المحروقات في الاقتصاد، إذ وفّرت في المتوسط 82.6% من الصادرات و45.8% من إيرادات الميزانية بين 2020 و2024. لكنها لا تعتبر هذا الاعتماد سببًا للتخلي عن القطاع، بل ترى أن التحدي يتمثل في تحويل جزء أكبر من هذه الموارد إلى أصول إنتاجية وتكنولوجية ترفع قدرة القطاعات الأخرى على توليد العملة الصعبة.
وتستند هذه القراءة إلى بنية الصادرات خارج المحروقات، التي ارتفعت إلى نحو 5.1 مليارات دولار في 2023، أي ثلاثة أضعاف مستواها مقارنة بـ2017، مدفوعة بالأسمدة والحديد والصلب والإسمنت وبعض المنتجات الزراعية. غير أن الدراسة تعتبر أن هذه السلة لا تزال محدودة نسبيًا ومركزة في منتجات كثيفة الاستخدام للطاقة ورأس المال والمواد الأولية.
ولهذا تقترح قياس المشاريع الجديدة بأربعة مؤشرات رئيسية: صافي العملة الصعبة التي يولدها المشروع بعد خصم وارداته، تطور الإنتاجية، حجم المهارات والشهادات والخبرة التي يتركها داخل الاقتصاد، ثم كفاءته في استهلاك الطاقة والمياه والانبعاثات. ويصبح المشروع أكثر قيمة كلما ارتفعت نسبة الموردين المحليين فيه وزادت صادراته وقدرته على المنافسة دون دعم دائم.
الطاقة والمناجم في قلب التحوّل
تضع الدراسة قطاع الطاقة في مقدمة المجالات القادرة على توسيع قاعدة الإنتاج خارج المحروقات. فالغاز الطبيعي وفّر نحو 99% من إنتاج الكهرباء الجزائرية في 2023، ما يعني أن رفع الكفاءة الطاقوية في المصانع والمباني والشبكات يمكن أن يوفّر كميات إضافية من الغاز للصناعة أو التصدير.
وتقترح في هذا السياق دعم النتائج بدل دعم اقتناء التجهيزات فقط، من خلال تمويل المؤسسات بحسب كمية الطاقة التي توفّرها فعليًا، بما يخلق سوقًا لخدمات المراجعة الطاقوية والعدادات الذكية والعزل والمحركات الصناعية والصيانة والهندسة.
كما تدعو إلى تقييم مشاريع الطاقة الشمسية وفق كمية الغاز التي تسمح بتوفيرها ونسبة المهارات المحلية التي تنشئها، وليس وفق قدرات الإنتاج المركبة فقط.
ويمتد المنطق نفسه إلى الصناعات القائمة على الغاز والمعادن. فالدراسة ترى أن الأسمدة والإسمنت والحديد تحتاج خلال السنوات المقبلة إلى خفض بصمتها الكربونية والحصول على شهادات تتّبع وقياس تسمح لها بالحفاظ على قدرتها التنافسية في الأسواق، خصوصًا الأوروبية.
وتمنح الدراسة لسوناطراك وسونلغاز والمجمعات الصناعية العمومية دورًا إضافيًا يتمثّل في تطوير الموردين المحليين. فالشركة الجزائرية التي تنجح في توفير معدات أو خدمات صيانة أو معالجة مياه أو برمجيات أو حلول صناعية لمؤسسة تعمل بمعايير سوناطراك يمكنها استخدام هذا المرجع للوصول لاحقًا إلى أسواق خارجية. وبهذه الطريقة يصبح قطاع الطاقة مصدرًا لتصدير الخدمات والهندسة إلى جانب تصدير النفط والغاز.
وتظهر الفكرة بصورة أوضح في المشاريع المنجمية الجديدة. فالدراسة تعتبر أن المنجم لا يحقّق كامل أثره الاقتصادي إذا ظل منفصلًا عن وحدات المعالجة والسكك والطاقة والمياه والموانئ.
وتستشهد بمشروع غارا جبيلات وخطهّ السككي الممتد على نحو 950 كيلومترًا، وبمشروع الفوسفات المدمج في الشرق، الذي يربط منجم بلاد الحدبة بوحدات التحويل في وادي الكبريت والمنشآت الحديدية والمينائية في عنابة.
ويستهدف مشروع الفوسفات معالجة 5.5 ملايين طن من الخام سنويًا لإنتاج 3.2 ملايين طن من المركز، ثم تحويله إلى 2.4 مليون طن من الأسمدة الفوسفاتية و570 ألف طن من الأسمدة الآزوتية، ما يرفع القيمة المضافة المحلية مقارنة بتصدير المادة الخام وحدها.
الزراعة والخدمات ضمن مصادر الصادرات الجديدة
في الزراعة، تدعو الدراسة إلى إدخال الإنتاجية المائية ضمن تقييم المشاريع، بحيث يقاس النشاط الزراعي بالقيمة والوظائف الناتجة عن كل متر مكعب من المياه، وليس فقط بمساحة الأراضي أو حجم المحصول.
وتضع ضمن المجالات القابلة للتطوير البذور الملائمة للمناخ الجاف، والري الدقيق، والخدمات البيطرية، والتبريد، والتوضيب، والمخابر، والميكنة والصناعات الغذائية، مع إمكانية تحويل الخبرة الجزائرية في الزراعة الجافة لاحقًا إلى خدمات قابلة للتصدير نحو الساحل والشرق الأوسط.
وفي موازاة الصناعة والزراعة، تحدّد الدراسة مجالًا آخر لا يحتاج إلى استثمارات مادية ضخمة، يتمثّل في الهندسة والبرمجيات والأمن السيبراني والمحاسبة والصيانة عن بعد والخدمات الصحية والتعليمية والإدارية.
وتعتبر أن هذه الأنشطة تستطيع إدماج الكفاءات الجامعية والجالية الجزائرية في صادرات الخدمات، شريطة تطوير أنظمة المدفوعات الدولية والاتصال والثقة التعاقدية.
ربط الدعم بالنتائج
وعلى مستوى السياسة الصناعية، لا تدعو الدراسة إلى انسحاب الدولة من الاقتصاد، بل إلى ربط الامتيازات بنتائج قابلة للقياس.
وتقترح إبرام «عقود قدرة تصديرية» مع المؤسسات المستفيدة من العقار أو القروض المدعمة أو الطاقة أو الإعفاءات أو الطلبية العمومية، تتضمن أهدافًا مرتبطة بالصادرات والقيمة المضافة المحلية والإنتاجية وتكوين العمال واستهلاك الطاقة والمياه. ويكون الدعم محدّد المدة وقابلًا للمراجعة إذا لم تتحقق النتائج المتفق عليها.
كما تقترح استخدام سعر مرجعي محافظ للنفط في تمويل الإنفاق الجاري، وتوجيه جزء من الإيرادات الإضافية إلى صندوق للتحول الإنتاجي يمول البنية التحتية للتصدير والبحث التطبيقي والتكوين والاستثمارات المشتركة.
وتدعو كذلك إلى إعداد «ميزانية سنوية للتنويع» تقارن بين ما تقدمه الدولة من إعفاءات وقروض ودعم وطاقة ورأسمال عمومي وبين ما تحصل عليه في المقابل من صادرات واستثمار خاص وإنتاجية ووظائف ووفورات في الطاقة.
وتكتسب هذه المقترحات أهمية إضافية مع برمجة الجزائر استثمارات تقارب 60 مليار دولار في قطاع الطاقة بين 2025 و2029، يوجه نحو 80% منها إلى الاستكشاف والإنتاج، إلى جانب برنامج للطاقات المتجدّدة بقدرة 3200 ميغاواط. وتعتبر الدراسة أن الأثر الاقتصادي لهذه الاستثمارات لن يتحدّد فقط بحجم الإنتاج الجديد، بل أيضًا بمقدار ما تخلقه من شركات ومهارات وخدمات محلية قابلة للتصدير.
ولا تمثّل هذه المقترحات برنامجًا رسميًا للحكومة الجزائرية، بل إطارًا تحليليًا لتقييم السياسات والمشاريع القائمة. غير أن خلاصة الدراسة واضحة: التنويع لا يعني تراجع أهمية النفط والغاز بحد ذاته، وإنما ارتفاع قدرة القطاعات الأخرى على إنتاج العملة الصعبة وزيادة الإنتاجية وتمويل نموّها بصورة أقل اعتمادًا على عائدات المحروقات.
وبهذا المعيار، يصبح الدور الاقتصادي للمحروقات أوسع من تمويل الميزانية والصادرات؛ إذ يمكن لعائداتها واستثماراتها وسلاسل توريدها أن تستخدم في بناء مؤسسات جزائرية تعمل بمعايير دولية، قبل الانتقال من السوق الوطنية إلى إفريقيا والمتوسط والأسواق العالمية.
وردة جزائري




