لفتت الجزائر أنظار العالم باستقبال بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر، في زيارة وُصفت بالتاريخية لما تحمله من رسائل وأبعاد روحية وحضارية.
كما حظيت هذه الزيارة باهتمام واسع من قبل الصحافة الدولية، ما يعكس أهميتها الدبلوماسية والحضارية والدينية أيضًا، لاسيما أنها تأتي في ظرف إقليمي ودولي يشهد تحديات متزايدة.
ولفهم طبيعة هذه الزيارة البابوية وأبعادها الجيوحضارية، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا هاتفيًا مع الأستاذ شادي منصور، مدير مجلة “بوليتيكا” اللبنانية، الذي أكد خصوصية هذه الزيارة، مشيرًا إلى أنها تتجاوز بعدها الرمزي لتشمل أبعادًا أوسع تُكرّس قيم التعايش والسلام.
زيارة تتجاوز البعد البروتوكولي نحو رهانات دولية أعمق
أكد الأستاذ شادي منصور على أن زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر تأتي في سياق دولي يتعاظم فيه البحث عن القواسم المشتركة بين الأديان. وأضاف قائلا” لكنها في الوقت نفسه تسلط الضوء على دور جزائري متنامٍ في هذا المجال، يتجاوز حدود الاستقبال إلى المساهمة الفعلية في ترسيخ ثقافة التقارب.” وهو ما يجعل الزيارة تتجاوز الإطار البروتوكولي نحو رهانات أعمق تتصل بإعادة بناء جسور الثقة بين الشعوب.
التجربة الجزائرية… من الأزمة إلى نموذج التعايش السلمي
وأضاف الأستاذ شادي منصور قائلا “فالجزائر، التي عرفت خلال تسعينيات القرن الماضي تجربة قاسية، اختارت منذ ذلك الحين مسارًا قائمًا على المصالحة الوطنية وإعادة بناء التوازن داخل المجتمع. مضيفا بأن ” هذا المسار لم يكن داخليًا فحسب، بل تحوّل تدريجيًا إلى جزء من صورة الجزائر في محيطها الإقليمي والدولي: بلد يسعى إلى تثبيت الاعتدال، ويقدم نموذجًا في إدارة التعدد الديني ضمن إطار الدولة الوطنية”.
فالجزائر من خلال هذه المحطة التاريخية تعكس مسارًا متدرجًا في ترسيخ ثقافة التعايش.
تقاطع المسارات.. بين توجه الفاتيكان والرؤية الجزائرية
ويرى الأستاذ منصور هذه الزيارة” بأنها تلتقي مع رؤية أوسع انتهجها الفاتيكان، تجسدت حسبه في انفتاحه على العالم الإسلامي من خلال زيارات إلى تركيا والإمارات العربية المتحدة ومصر، حيث تم التأكيد على الحوار كخيار استراتيجي”.
ولكن خصوصية المحطة الجزائرية حسبه ” تكمن في كونها لا تقتصر على بعدها الرمزي، بل تعكس تقاطع مسارين، الأول مسار دولي تقوده الكنيسة الكاثوليكية نحو التقارب، والثاني مسار وطني جزائري يسعى إلى ترسيخ ثقافة التسامح بعد تجربة تاريخية معقدة”.
رصيد تاريخي يؤهل الجزائر لدور فاعل محوري في حوار الأديان
كما أبرز الأستاذ منصور، أن الرصيد التاريخي الذي تمتلكه الجزائر في مجال التعايش بين مختلف المكونات الدينية والثقافية يمنحها هامشًا أوسع للعب دور فاعل في دعم الحوار بين الأديان، حيث قال في هذا الصدد” لقد راكمت الجزائر، عبر تاريخها، رصيدًا مهمًا في التعايش بين مكونات دينية وثقافية مختلفة، وهو رصيد يعود اليوم إلى الواجهة، لا بوصفه ماضيًا يُستحضر، بل كإمكانٍ يُبنى عليه.
وأضاف “ومن هذا المنطلق، يمكن للجزائر أن تلعب دورًا أكثر فاعلية في دعم الحوار بين الأديان، ليس فقط من خلال استضافة اللقاءات، بل عبر الإسهام في صياغة خطاب متوازن ينبع من تجربتها الخاصة”.




