الأولى الوطني تحاليل وآراء

زيارة الرئيس تبون إلى تركيا.. شراكة استراتيجية تتجاوز الاقتصاد نحو إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية

أنهى رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون،الجمعة، زيارته الرسمية إلى جمهورية تركيا، في محطة عكست عمق العلاقات التاريخية الراسخة بين البلدين، وأكدت الإرادة المشتركة للارتقاء بالتعاون الثنائي إلى آفاق أوسع وأكثر شمولية.

وقد عرفت هذه الزيارة زخما إعلاميا لافتا، بما يعكس أهميتها في ظل التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة، خاصة وأنها جاءت في سياق دولي يشهد تحولات عميقة على مستوى موازين القوى وإعادة تشكيل مراكز النفوذ.

وبالعودة إلى تفاصيل هذه الزيارة، يتضح أنها تحمل أبعادا تتجاوز الجانب الاقتصادي الذي طغى على خطاب وسائل الإعلام الجزائرية والتركية، إذ إن حجم الاتفاقيات الموقعة وطبيعة الملفات التي نوقشت يعكسان توجها نحو بناء شراكة استراتيجية متكاملة الأركان، قائمة على رؤية سياسية واضحة وأهداف دقيقة، مع توفر الإمكانيات الضرورية لتحقيقها.

وخلال هذه الزيارة، أجرى الرئيسان عبد المجيد تبون ورجب طيب أردوغان محادثات معمقة تناولت عددا من الملفات المرتبطة بواقع العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها والارتقاء بها إلى مستويات أعلى، بما يليق بتاريخ البلدين ويعكس إرادتهما في التكيف مع التحولات التي يشهدها النظام الدولي، في ظل صعود قوى دولية جديدة وتراجع أخرى كانت لعقود من أدوات تثبيت التوازنات التقليدية التي تشكلت عقب نهاية الثنائية القطبية.

كما تبادل الجانبان وجهات النظر حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وعلى رأسها ملفات الشرق الأوسط الكبير، الذي يمتد في مفهومه الجيوسياسي من الشرق الأوسط التقليدي إلى القرن الإفريقي والساحل الإفريقي، وهي مناطق تشهد تنافسا دوليا متزايدا على النفوذ والطاقة والممرات الاستراتيجية.

فالجزائر وتركيا، بحكم إرثهما الدبلوماسي وثبات مواقفهما في السياسة الخارجية، إلى جانب مكانتهما الجيوسياسية والحضارية، مؤهلتان للعب أدوار أكبر في العديد من القضايا الراهنة، بما يخدم السلم والأمن الدوليين.

وفي هذا السياق، يبرز التصريح الصحفي المشترك لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون مع نظيره التركي، حيث أكد أن العلاقات الجزائرية التركية تشهد “ديناميكية متزايدة تدعونا إلى الارتياح وتثمين الخطوات التي قطعناها للوصول إلى هذا المستوى”، مضيفا أن اللقاء جاء من أجل “تطوير شراكة استراتيجية عميقة وشاملة”، ومشددا على أن هذه الزيارة تمثل “تثمينا للإرث التاريخي والحضاري المشترك”.

كما أبرز الرئيس تبون البعد الجيوسياسي لهذه الشراكة، عندما أشار إلى أنها تمثل دلالة واضحة على “قرار بلدينا بأن يصبحا فاعلين مساهمين في جهود الأمن والسلام”، خاصة في ظل التحديات التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي.

من جهته، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عزم بلاده على تطوير التعاون الثنائي مع الجزائر، مشيدا بالدعم الذي قدمته الجزائر للقضية الفلسطينية، لاسيما خلال عضويتها غير الدائمة بمجلس الأمن الدولي خلال السنتين الماضيتين.

وفي السياق ذاته، أكد الرئيس التركي أن العلاقات الثنائية بين الجزائر وتركيا “بلغت، بفضل الدعم الصادق لأخي العزيز عبد المجيد تبون، أعلى مستوياتها في تاريخ الجمهورية”، مضيفا أن بلاده تتابع “باهتمام كبير رؤية الجزائر الجديدة”، وأن الجزائر “تلمع في منطقتها كنجم”، في إشارة تعكس إدراكا تركيا لتنامي الدور الإقليمي والدولي للجزائر خلال السنوات الأخيرة.

ومن خلال هذه الزيارة والاتفاقيات الموقعة، ترتقي العلاقات الجزائرية التركية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الوثيقة، بما يفتح أمام الجزائر آفاقا جديدة للاستثمار في فضاءات النفوذ التركي، خاصة في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، وهو ما يمنح الدبلوماسية الجزائرية هامشا أوسع للتحرك في فضاءات جيوسياسية جديدة.

ويبرز في هذا الإطار البعد المتعلق بتعزيز العلاقات مع دول العالم التركي، وعلى رأسها اذربيجان ، التي تعد فاعلا مهما في معادلة الأمن الطاقوي العالمي، بالنظر إلى مكانتها كمنتج ومصدر للنفط والغاز، ما يؤكد أن هذه الزيارة تحمل حسابات جيوسياسية دقيقة مرتبطة بطبيعة الظرف الدولي الراهن.

كما تعكس هذه التحركات الديناميكية التي باتت تميز الدبلوماسية الجزائرية، من خلال حضورها المتزايد في القضايا الدولية والإقليمية، وهو ما تؤشر عليه المكاسب المحققة على مستوى مجلس الأمن الدولي، إلى جانب الحضور المتنامي للجزائر داخل المؤسسات الإفريقية والدولية.

وعليه، فإن زيارة رئيس الجمهورية إلى تركيا تندرج ضمن توجه جزائري نحو تنويع الشراكات الدولية وتوسيع هامش التحرك الدبلوماسي، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي وإعادة تشكل موازين القوة والنفوذ.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام