شرع رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، الأربعاء، في زيارة رسمية إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية تدوم يومين، بدعوة من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير؛ في خطوة تعكس إرادة البلدين للارتقاء بعلاقاتهما الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، لا سيما في المجالات الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية، وسط توقعات بأن تتوج الزيارة بتوقيع أكثر من 30 اتفاقية ومذكرة تفاهم تعزز مسار التعاون البيني، وتفتح آفاقاً جديدة للاستثمار ونقل التكنولوجيا وبناء شراكة استراتيجية عميقة.
زيارة تحمل أبعاداً جيواقتصادية
تأتي هذه الزيارة الرسمية لرئيس الجمهورية إلى ألمانيا في مشهد جيواقتصادي بارز، يتمثل في اضطرابات اقتصادية عالمية جراء الحرب الأمريكية الإيرانية، وما أفرزته من أزمات اقتصادية وطاقوية عالمية نتيجة غلق مضيق هرمز الذي أثّر كثيراً على إمدادات الطاقة.
هذه المعطيات تعطي لهذه الزيارة بُعداً يتجاوز كونها مجرد محطة بروتوكولية في مسار العلاقات الثنائية بين الجزائر وألمانيا، بل ستكون محل اهتمام إقليمي ودولي لما تحمله من نتائج، لا سيما وأن البلدين لهما ثقل جيوسياسي في المنطقة الأورومتوسطية.
وتُعد المنطقة الأورومتوسطية إحدى أكثر المناطق أماناً اليوم، والرهان عليها يزداد أكثر بعد أن أصبحت معظم المناطق في حالة من عدم الأمن والاستقرار بفعل تنامي الصراعات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، والخليج العربي، وفي القرن الأفريقي؛ مما يجعل هذه المنطقة الأكثر أمناً واستقراراً سياسيا واقتصاديا.
هذا المشهد الجيواقتصادي ينعكس أيضاً على الجزائر داخلياً؛ إذ تسعى الجزائر -انطلاقاً من رؤيتها الاستراتيجية 2030- إلى تعزيز مكانتها كدولة ناشئة في العالم، وذلك من خلال الاستفادة من كل المتغيرات الحاصلة على مختلف المستويات بما يؤهلها لقيادة المشهد الإقليمي ولعب أدوار كبرى على المستوى الدولي. فالجزائر في ظل هذه الرؤية تتجه إلى إعادة صياغة شراكاتها الخارجية وفق منطق نقل التكنولوجيا وجذب الاستثمار المنتج، بدلاً من الاكتفاء بالعلاقات التجارية التقليدية التي طالما كان الطرف الآخر فيها أكثر استفادة من المؤهلات التي تزخر بها.
كما تكتسب هذه الزيارة -بالنظر إلى المنطق الجيواقتصادي الحالي- أهمية خاصة؛ فألمانيا هي الدولة رقم واحد اقتصادياً في الكتلة الأوروبية، وأحد أبرز الفاعلين الصناعيين والتكنولوجيين في العالم، ما يجعلها شريكاً قادراً على مواكبة الرؤية الجزائرية الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على عائدات المحروقات، وهو الهدف الاستراتيجي الذي تشتغل عليه الجزائر اليوم لتحرير اقتصادها من كل الأزمات الجيواقتصادية التي ينتجها النظام الدولي الحالي.
من العلاقات التقليدية إلى الشراكة الاستراتيجية
كما تشير أجندة الزيارة إلى رغبة مشتركة في الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وهو تحول يعكس إدراك البلدين لحجم الفرص الاقتصادية التي يوفرها الظرف الدولي، سواء في مجال أمن الطاقة أو إعادة تشكيل سلاسل الإنتاج العالمية.
كما تمثل الزيارة فرصة لإعادة تنشيط آليات التعاون السياسي والاقتصادي بين الجزائر وبرلين، عبر توسيع مجالات التنسيق لتشمل الصناعة، والابتكار، والطاقات المتجددة، والتكنولوجيا المتقدمة، بما يمنح العلاقات الثنائية بعداً أكثر استدامة.
التكنولوجيا في صدارة الأولويات اللافت في الزيارة هو أن البعد التكنولوجي يحتل موقعاً محورياً، وهو ما ينسجم مع الاستراتيجية الاقتصادية الجديدة للجزائر التي تراهن على بناء اقتصاد قائم على الإنتاج والمعرفة، وتعزيز الاقتصاد الوطني بالاعتماد على اقتصاد المعرفة.
فالتعاون مع ألمانيا لا يقتصر على استقطاب الاستثمارات التقليدية فقط، بل يستهدف أيضاً نقل الخبرات والتكنولوجيا وتوطين الصناعات ذات القيمة المضافة، خاصة في مجالات الصناعة التحويلية، والهندسة، والصناعة الصيدلانية، والرقمنة، والصناعة الذكية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي بالدرجة الأولى.
وبالنظر إلى ما تحمله الزيارة أيضاً من لقاءات بين رجال الأعمال في البلدين خلال “المنتدى الاقتصادي الجزائري-الألماني” المقرر تنظيمه على هامش الزيارة، فإنها تمثل منصة عملية لترجمة هذا التوجه لبحث مشاريع مشتركة قابلة للتجسيد.
الطاقات المتجددة.. شراكة تتجاوز المحروقات
ورغم استمرار التعاون في قطاع المحروقات، فإن أجندة الزيارة تعكس توجهاً واضحاً نحو توسيع الشراكة في مجال الانتقال الطاقوي، خاصة وأن الجزائر تمتلك إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر.
كما تسعى الجزائر لإقامة اقتصاد أخضر يعزز مكانتها كدولة رائدة في مجال الطاقات النظيفة، وهي مؤهلات تسمح لها بأن تكون دولة فاعلة في ظل النظام الدولي المتشكل الذي يعتمد على التعدد والتنوع، مستفيدة بما تمتلكه ألمانيا من خبرة صناعية وتكنولوجية متقدمة في هذا المجال.
ويمنح هذا التقاطع في المصالح البلدين فرصة لبناء مشاريع استراتيجية طويلة المدى، تتجاوز مفهوم التبادل التجاري أو التعاون الاقتصادي الثنائي نحو شراكات إنتاجية استراتيجية تعتمد على الابتكار والتصنيع وتوظيف جيد للقيمة المضافة في ظل نظام اقتصادي عالمي جديد يرتكز على الابتكار والتصنيع النظيف.
الجالية الجزائرية.. رهان القيادة العليا في خدمة التنمية
يتضمن برنامج الزيارة أيضاً لقاء رئيس الجمهورية بأفراد الجالية الجزائرية المقيمة في ألمانيا؛ في رسالة تؤكد أهمية الكفاءات الجزائرية بالخارج باعتبارها شريكاً في التنمية الوطنية، وقادرة على نقل الخبرات والمعارف وربط المؤسسات الجزائرية بمحيطها العلمي والاقتصادي الأوروبي.
رؤية اقتصادية طموحة
في المحصلة، تعكس زيارة رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، إلى ألمانيا توجهًا جزائريًا يقوم على بناء شراكات قائمة على الاستثمار ونقل التكنولوجيا والتصنيع، بما ينسجم مع أهداف التحول الاقتصادي الوطني، ويجسد في الوقت نفسه شراكة استراتيجية متعددة القطاعات.
وبالنظر إلى أن عدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم المرتقب توقيعها يتجاوز ثلاثين (30) اتفاقية ومذكرة تفاهم، تشمل قطاعات الطاقة، والطاقات المتجددة، والصناعة التحويلية، والصناعة الصيدلانية، والتكنولوجيا المتقدمة، فإن هذه الاتفاقيات تمثل مكسبًا مهمًا للطرفين، لاسيما الجانب الجزائري لما تحققه من قيمة مضافة تسهم في خلق مناصب الشغل، وتعزيز الإنتاج المحلي، ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني.
كما يُنتظر أن تجسد هذه الزيارة مسارًا جديدًا للتعاون الثنائي بين الجزائر وألمانيا، يمتد إلى مجالات واعدة تكون فيها التكنولوجيا والصناعة والابتكار ركائز أساسية لشراكة استراتيجية قادرة على دعم التنمية الاقتصادية وتعزيز مكانة الجزائر كشريك محوري في جنوب المتوسط.
ومن المرتقب أيضًا أن تفتح هذه الزيارة آفاقًا جديدة للعلاقات الجزائرية الأوروبية، بالنظر إلى مكانة ألمانيا وثقلها الجيوسياسي داخل الكتلة الأوروبي (الاتحاد الأوروبي).
ويبقى نجاح هذه الرؤية مرهونًا بإرادة قائدي البلدين في إرساء شراكة استراتيجية عميقة ومستدامة، قوامها المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة وفق مبدأ “رابح–رابح”.
مهدي الباز




