دشّنت عهدا جديدا في عملها القاري: الجزائر تتوجّه نحو عمق الديار الإفريقية.. من بوابة التصنيع والدبلوماسية الاقتصادية

• من بين الالتزامات الـ54 للرئيس تبون .. الجزائر تستعيد ثقلها الدبلوماسي والإقليمي في القارة الإفريقية

إفريقيا أو القارة السمراء .. تلك الصورة النمطية التي تختزلها عقولنا ، عن أرض بكر وبدائية تعيش عليها قبائل متصارعة وعادة ما يترافق ذكرها مع الجوع والحروب والفقر والأوبئة، مخيالنا الجماعي صنعته الأفلام والسينما ولكن الواقع مختلف تماما.. إفريقيا تلك الأرض المترامية الأطراف التي تتراوح بين الصحراي والسهول ، باطنها يحوي ثروات طبيعية هائلة تتراوح بين النفط والذهب والألماس وكثير من المعادن النفيسة، علاوة على الطاقات المتجددة التي تسيل لعاب أكبر الاقتصاديات.

قارة لها كل إمكانيات النهوض ولكنها لا تزال رهينة للتنافس والاستقطاب ومع كل هذا الكّم من المقوّمات تحاول القارة السمراء الانبعاث من خلال مشاريع الشراكة والتعاون للحاق بركب التصنيع و لتحقيق التنمية، في هذا السياق تشارك الجزائر اليوم في أشغال القمة الاستثنائية 17 للاتحاد الإفريقي حول التصنيع والتنوع الاقتصادي ومنطقة التجارة الحرة في إفريقيا التي تحتضنها نيامي عاصمة النيجر، مؤكدة على مساعيها في الذهاب الى عمق الديار الافريقية من بوابة التصنيع والتنمية الاقتصادية..

فايزة سايح

عانقت أغلب دول القارة السمراء ، أحلام التحرر وكسرت قيود الاستعمار منذ خمسينات وستينات القرن العشرين ، الا أن الحرية الفعلية وآمال النمو الاقتصادي والتنمية لا تزال لم تتحقق بعد، وفيما يرجح البعض التخلف الى أسباب داخلية تقف وراءها الحروب والنزاعات وعدم الاستقرار السياسي واستفحال الفساد إلى جانب تغييب الخبرات التي كان لها تداعيات سلبية انعكست على غياب التنمية في القارة السمراء، فان البعض الاخر يرجع أسباب التخلف إلى التدخلات الأجنبية التي تقف كحجر عثرة في وجه اي محاولة للنهوض أو إقامة المشاريع التي من شأنها ، معللين ذلك بعمليات النهب الممنهج الذي تتعرض له ثروات القارة من القوى الكبرى وخصوصا من قوى الاستعمارية القديمة وهذا ما زاد من غرق القارة في دوامة التخلف والتبعية .

القارة السمراء “مقومات وامكانيات”

ورغم صورة الفقر والجوع والأوبئة التي ترسخت في المخيال الجماعي ، الا ان القارة السمراء تحوي إمكانيات ومقومات وقدرات قل نظيرها في قارات العالم أجمع.

قارة أفريقيا تاتي في المرتبة الثانية بعد قارة آسيا من ناحية عدد السكان والمساحة حيث يشكّل عدد سكانها 17.8 بالمئة من إجمالي سكان العالم بناء على التقديرات في 1/7/2021، ووفقاً لتوزيع سكان العالم عام 2050 حسب القارات فمن المتوقع أن تمثل قارة إفريقيا (26.1%) من سكان العالم مما يدل على ارتفاع معدل النمو السكاني لقارة افريقيا بخلاف قارات العالم الأخرى التي من المتوقع انخفاض معدل النمو السكاني لها خلال نفس الفترة.

كما تشكل مساحة القارة ما يقارب 30 مليون كلم2، وشعوب هذه القارة لديهم ثقافات ولغات مختلفة، ولها من الامكانيات الطبيعية والثروات المتعددة مايسيل لعاب اكبر الاقتصاديات العالمية، ثرواتها تتراوح بين النفط والغاز والمعادن المتنوعة علاوة على طاقات متجددة نظيفة مثل الطاقة الشمسية..

ورغم كل هذه المقومات الجغرافية والديموغرافية لا تزال هذه القارة البكر تعيش على هامش العالم خصوصا من الجانب الاقتصادي والصناعي، وتحتاج الى دفعة نوعية في اتجاه التصنيع والتنويع الاقتصادي.

الجزائر في نيامي بوفد هام

تشارك الجزائر ممثلة في الوزير الأول، أيمن بن عبد الرحمان، نيابة عن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، اليوم الجمعة 25 نوفمبر 2022، في أشغال القمة الاستثنائية السابعة عشر (17) للاتحاد الإفريقي حول التصنيع والتنوع الاقتصادي ومنطقة التجارة الحرة في إفريقيا التي تحتضنها نيامي، عاصمة النيجر، وسيكون الوزير الأول مرفوقا بوفد وزاري هام وكان قد شارك وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، رمطان لعمامرة، الاربعاء في اجتماع المجلس التنفيذي للاتحاد الافريقي، في إطار التحضير للقمة الاستثنائية المنعقدة اليوم .

بهذه المناسبة، ناقش وزراء الدول الأعضاء في الاتحاد الافريقي التقارير الموضوعاتية ومشاريع القرارات التي رفعت للقمة الاستثنائية لرؤساء دول وحكومات الاتحاد من أجل المصادقة عليها.

التصنيع والتنويع الاقتصادي وتجديد الالتزام الجماعي…أهداف قمة نيامي

وتنعقد اليوم قمة نيامي للتصنيع والتنمية الاقتصادية رافعة شعار ” تصنيع أفريقيا.. تجديد الالتزامات بالتصنيع الشامل والمستدام والتنويع الاقتصادي.

وجاءت هذه القمة الافريقية الاستثنائية محملة بعدة أهداف وعلى رأسها تجديد الالتزام الجماعي للقادة الأفارقة لصالح تحقيق التحول الهيكلي والتنوع الاقتصادي وتسريع مسار تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الافريقية، في إطار مقاربة متكاملة ترمي إلى المساهمة في تحقيق أهداف أجندة 2063.

و حسب تقارير الأمم المتحدة فإن التنمية الصناعية تكتسي أهمية حيوية في تحقيق النمو الاقتصادي المطرد والشامل للجميع في البلدان الأفريقية. ويساعد التصنيع، البلدان الأفريقية على تحقيق معدلات نمو عالية، وتنويع اقتصاداتها، والحد من تعرضها للصدمات الخارجية ، وبالتالي سيساهم ذلك بشكل كبير في القضاء على الفقر من خلال احداث العمالة والثروة.

يذكر أنه في عام 1989، عقدت منظمة الوحدة الأفريقية دورتها العادية الخامسة والعشرين لرؤساء الدول والحكومات في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وفي هذه الدورة، أُعلن عن اعتبار يوم 20 نوفمبر من كل عام بوصفه “يوم التصنيع في أفريقيا”. وفي إطار عقد التنمية الصناعية الثاني لأفريقيا (1991-2000)، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1989، يوم الـ 20 نوفمبر كيوم للتصنيع في أفريقيا .

مضمون جدول أعمال 2063

ويتمحور جدول أعمال 2063 حسب الأمم المتحدة في الجدول الذي تبناه رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا في جانفي 2015، هو مخطط أفريقيا وخطة رئيسة لتحويل أفريقيا إلى قوة عالمية في المستقبل. ويستند جدول الأعمال هذا إلى 7 تطلعات و 20 أولوية ليكون بذلك هو المخطط العام والشامل للقارة الذي يرمي إلى تحقيق هدفها المتمثل في التنمية الشاملة والمستدامة، وهو كذلك تعبير ملموس عن حملة أفريقيا للوحدة ولتقرير المصير وللحرية وللتقدم وللازدهار الجمعي الذي يُسعى إليه في ظل الوحدة الأفريقية والنهضة الأفريقية. يشار إلى أنه تتشابك أجندة 2063 مع أهداف التنمية المستدامة حيث يهدف البرنامجان إلى مستقبل مشترك أكثر استدامة.

ما أحرزته الجزائر في نهج تنمية اقتصادها

اغتنمت الجزائر فرصة الاجتماع للاتحاد لإبراز التقدم الذي أحرزته على نهج تنمية اقتصادها وتنويع صادراتها خارج المحروقات ودعمها اللامحدود لقطاعات أخرى وعلى رأسها القطاع الزراعي .

وفي هذا الشأن قام وزير الخارجية لعمامرة بتسليط الضوء على مساهمات الجزائر في تحقيق أهداف أجندة 2063، خاصة التكامل الاقتصادي من خلال هيكلة المشاريع التي ستساهم في تعزيز التجارة بين البلدان الإفريقية، كما اكد على التزام الجزائر بالوحدة الإفريقية مؤكدا على الأثر الإيجابي لبرنامج الإنعاش الاقتصادي لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون.

تاريخ عميق من مد الجسور بين الجزاىر وافريقيا

تاريخيا ، ترتبط الجزائر مع دول القارة السمراء بعلاقات راسخة من خلال دورها الكبير في دعم حركات التحرر في عديد من البلدان الافريقية وبالمقابل تسعى لتعزيز علاقاتها الراهنة خصوصا من الجانب الاقتصادي لاستكمال مسار التحرر ، وفي هذا السياق لها عدة اسهامات في القضايا المتعلقة بتنفيذ الأجندة القارية من أجل السلام والأمن والتنمية في السياق الحالي للعلاقات الدولية.

وكانت النيباد “الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا”، حين تم إعلانها قد تضمنت رؤية الاتحاد الأفريقي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للقارة الافريقية.

هذه المبادرة صاغها وتبناها رؤساء خمس دول أفريقية، تتقدمهم الجزائر الى جانب مصر ونيجيريا وجنوب أفريقيا والسنغال ‏وأقرتها قمة منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي فيما بعد) التي عقدت في لوساكا عاصمة زامبيا في 2001.

الجزائر التي تعدّ من إحدى ركائز الشراكة الأفريقية قد عبرت مرارا “عن قناعتها الراسخة بضرورة تعزيز مسار الاندماج القاري في افريقيا، وسارعت الى تبني مقاربة اقليمية، سواء تعلق الأمر بمشاريع البنى التحتية الوطنية أو المشاريع الاقليمية ، من أجل دعم التوجه التكاملي والاندماجي في افريقيا بشكل فعال و ملموس.

عهد تبون… الجزائر في الطريق الى العمق الافريقي

أكّد الرئيس عبد المجيد تبون في اغلب تصريحاته على أن العمل على عودة الجزائر إلى الساحة الإفريقية يندرج ضمن الأولويات، هذه التصريحات أكدتها مساع فعلية برهنت على عودة الجزائر في الفترة الأخيرة محققة مكاسب دبلوماسية في القارة السمراء .

وفي أحد تصريحاته قال الرئيس تبون “يجب على الجزائر أن تأخذ حصتها في كيانها الإفريقي ولا تبقى منعزلة عن القارة”. وأضاف أن “الجزائر مصيرها إفريقي، وامتدادها إفريقي، ولمّ شمل إفريقيا لا يكون إلا بمساعي الدول الإفريقية”. يذكر ان أن سعي الجزائر لاستعادة ثقلها الدبلوماسي والإقليمي في القارة الإفريقية كان من بين الالتزامات الـ54 التي تضمنها برنامج تبون بعد وصوله إلى السلطة نهاية 2019.

وهذا ما يفسر أهمية البعد الإفريقي في السياسة الخارجية الجزائرية منذ وصول الرئيس تبون إلى سدة الحكم، خصوصاً في ملفات دول الجوار الافريقي خصوصا في مالي. وكان قد ركّز الرئيس تبون على ضرورة تعزيز الجزائر وجودها الاقتصادي في القارة الإفريقية، مشيرا إلى ضرورة تنفيذ مشاريع مشتركة مع دول القارة، مثل أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي سينقل الغاز من نيجيريا إلى أوروبا مروراً بالجزائر والنيجر، والذي اعتبره “عملاً إفريقياً عملاقاً”.

وأضاف تبون أن الجزائر تتطلع إلى تموين إفريقيا بالكهرباء وإقامة مشاريع سكك حديدية تربط الدول الإفريقية التي ليس لديها سواحل بالحوض المتوسط، كما ستعمل على تدارك التأخر المسجَّل في خطوط النقل بالدول الإفريقية، حيث فتحت مؤخراً خطّاً بحريّاً نحو السنغال. وهو ما جعل الرئيس تبون يصرح بأن الاقتصاد هو المتحكم اليوم.

ورغم ان الاحصائيات حول التعاون التجاري بين الدول الافريقية والجزائر لا يتعدى 4 ملايين دولار عام 2019 ، الا ان المؤكد أن المؤشرات تثبت أن التعاون يأخذ منحى تصاعدي مقارنة بالسنوات الماضية ، وسيتعزز أكثر بانهاء المشاريع الراهنة.

أكدت الجزائر مرارا بأن مساهمتها تتجلى اقليميا من خلال مشروع الطريق العابر للصحراء الرابط بين الجزائر ولاغوس (في نيجيريا)، والمضاعف بخط انابيب الغاز والربط بالألياف البصرية على نفس المسار، ووطنيا من خلال العديد من البنى التحتية، لا سيما ميناء الوسط بالحمدانية في شرشال وهي مشاريع ستؤدي بالضرورة الى تعزيز البنية التحتية القارية وتضاعف الامكانيات اللوجستية وتحفز التجارة البينية في القارة السمراء.

سياق دولي يتميز بتنامي الأزمات

إن هذا الاستحقاق القاري، المتمثل في قمة نيامي، جاء في سياق دولي يتسم بتنامي الأزمات والتوترات الجيوسياسية، كما يكتسي في الوقت نفسه أهمية خاصة بالنسبة للجزائر التي لا يزال التزامها الإفريقي ثابتا وسط دعواتها المتجددة إلى تعزيز العمل الأفريقي المشترك لوضع إفريقيا في منأى عن التوترات الدولية المتكررة وحمايتها من مناخ الاستقطاب الناجم عن ذلك.

رغم الصعوبات …آفاق واعدة تلوح في سماء القارة السمراء

ورغم هذه العقبات والعراقيل الواقعية التي تواجه القارة السمراء لاتزال العديد من دول القارة وشعوبها تمني النفس وتعلق الامال على تعاون اقتصادي وسياسي يحمل القارة الافريقية إلى مصاف تجارب ناجحة على غرار تجربة الوحدة الأوربية.

ان فكرة الدخول في تعاون وشراكة افريقية بات حتمية لا ينبغي تجاهلها بحكم التطورات الجيوسياسية وبفعل العولمة التي يطغى على مشهدها العام التكتلات الاقتصادية.

على بلدان القارة التي تجمعها جغرافيا واحدة وتاريخ مشترك ومصير واحد أن تواجه مشاكلها و تسير معا في طريق الشراكة والتعاون والتكتل معتمدة أولا وقبل كل شيء على طاقاتها ومقدراتها ومؤهلاتها الهائلة حتى تتمكن من الانعتاق من دوامة التخلف والخروج من دائرة التهميش والتبعية وضمان مشاركتها في السياسة الدولية، بعيدا عن كونها فقط أراضي استهلاكية ومخزن للثروات الطبيعية ومواكبة عصر العولمة الذي نعيش فيه والذي تطغى عليه التكتلات خاصة الاقتصادية.

فايزة سايح

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى