الأولى الدولي الساحل الافريقي الوطني
✒️ ياسمين بوعلي

تمويل الحرب في السودان تقرير أممي يضع الإمارات في قلب شبكات دعم قوات الدعم السريع

لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع داخلي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بعدما كشف تقرير أممي جديد عن شبكة واسعة من الدعم الخارجي أسهمت في تعزيز القدرات العسكرية للأطراف المتحاربة وإطالة أمد النزاع، في وقت تتفاقم فيه الكلفة الإنسانية للحرب، خصوصاً في إقليم دارفور.
ويضع التقرير الإمارات العربية المتحدة في قلب جانب مهم من شبكات الدعم المرتبطة بقوات الدعم السريع، من خلال أفراد وكيانات وشركات تعمل من الأراضي الإماراتية أو ترتبط بها، إلى جانب مسارات لوجستية عابرة للحدود تمر عبر عدد من الدول الإفريقية.
تقرير أممي يرسم خريطة لشبكات الحرب
التقرير، الذي يحمل الرقم A/HRC/63/23، أعدته البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، ويحمل عنوان: «تأجيج الحرب في السودان: الأسلحة والمقاتلون وشبكات الدعم الخارجي».
وتقول البعثة إنها جمعت معلومات توفر أسباباً معقولة للاعتقاد بأن شبكات خارجية أسهمت في تعزيز القدرات العسكرية للأطراف المتحاربة، الأمر الذي ساعد على استمرار القتال وتفاقم تكلفته الإنسانية.
ويرصد التقرير شبكة متعددة المسارات تضم وسطاء وكيانات ومجندين وشركات نقل، مع مسارات تنطلق أو ترتبط بالإمارات، وتمر عبر تشاد وجنوب شرق ليبيا وبوصاصو في الصومال، قبل أن تصل الأسلحة والمعدات والمقاتلين إلى قوات الدعم السريع.
ولا يقدم التقرير هذه العمليات باعتبارها حوادث منفصلة، بل يرصد منظومة دعم عابرة للحدود تجمع بين النقل الجوي والبري والبحري، وتضم التمويل والتجنيد والإمداد ونقل المعدات والخبرات العسكرية.
وبذلك، تتحول الحرب السودانية إلى صراع تتداخل فيه الحسابات الداخلية مع شبكات إقليمية ودولية، فيما يبقى المدنيون، ولا سيما في دارفور، الطرف الأكثر دفعاً للثمن.
نحو ألفي متعاقد كولومبي في صفوف الدعم السريع
ومن أبرز المعطيات التي أوردتها البعثة الأممية، توثيق نشر ما يصل إلى ألفي متعاقد عسكري كولومبي سابق إلى جانب قوات الدعم السريع.
وبحسب التقرير، شارك بعض هؤلاء في تشغيل طائرات مسيّرة قتالية ومدفعية وأنظمة تسليح متطورة في دارفور وكردفان، فيما مرت عمليات تجنيد ونقل عدد منهم عبر مسارات مرتبطة بالإمارات.
وتكشف هذه المعطيات، وفق قراءة التقرير، عن اتساع البعد الخارجي للحرب السودانية، بعدما أصبحت بعض الأطراف تستفيد من مقاتلين وخبرات عسكرية قادمة من خارج البلاد.
كما يشير التقرير إلى العثور على معدات بحوزة قوات الدعم السريع تحمل خصائص تتطابق مع معدات سبق تصديرها إلى الإمارات، وهو ما دفع المحققين إلى تتبع مسارات الإمداد والجهات المرتبطة بها.
وبهذا يظل إقليم دارفور في قلب الكارثة الإنسانية. فقد وثقت البعثة الأممية أعمالاً قالت إنها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وفي ما يتعلق بالأحداث التي شهدتها مدينة الفاشر، أشارت البعثة إلى مؤشرات على أفعال تحمل سمات مرتبطة بجريمة الإبادة الجماعية، ارتكبتها قوات الدعم السريع وحلفاؤها ضد مجموعات سكانية مستهدفة.
ومع استمرار وصول الأسلحة والمقاتلين، تتسع العمليات العسكرية وتتراجع فرص المدنيين في الوصول إلى مناطق آمنة، بينما تتواصل موجات النزوح وتتفاقم الأزمة الإنسانية.
وفي مواجهة هذه التطورات، دعت البعثة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة للتحقيق في الشركات والوسطاء والأفراد الذين يعملون من الأراضي الإماراتية أو يخضعون لاختصاصها، وملاحقة الأنشطة التي يمكن أن تسهم في استمرار الحرب
ويرى الخبير في القضايا الأمنية والاستراتيجية، الدكتور أحمد ميزاب، أن التقرير يمثل تحولاً مهماً في فهم طبيعة الأزمة السودانية، لأن اختزالها في مواجهة داخلية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لم يعد كافياً لتفسير استمرارها.
ويقول ميزاب إن الحرب أصبحت مرتبطة بشبكات دعم خارجية تحولت إلى منظومة متكاملة تشمل التمويل والنقل والإمداد والتجنيد ونقل الخبرات العسكرية.
وبحسب قراءته، فإن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط في ساحات القتال، وإنما أيضاً بمدى قدرة الأطراف على تأمين خطوط الإمداد وتعويض الخسائر البشرية والعسكرية، وهو ما يجعل شبكات الدعم الخارجي عاملاً حاسماً في موازين القوى.
كما يشير إلى أن التقرير الأممي يرصد روابط بين شبكات مرتبطة بقوات الدعم السريع وكيانات وأفراد وشركات تنشط من الإمارات أو ترتبط بمسارات لوجستية وتجارية تمر عبرها.
في المقابل، تواصل أبوظبي نفي تقديم أي دعم عسكري لقوات الدعم السريع، كما تنفي تسهيل نقل مقاتلين أو أسلحة إلى أطراف النزاع عبر أراضيها.
ليبيا مسار آخر في شبكة الإمداد
ولا تبدو الحالة السودانية منفصلة، في هذا السياق، عن الحضور الإماراتي الأوسع في عدد من الساحات الإفريقية.
فمنذ أحداث الربيع العربي عام 2011، اتجهت السياسة الإماراتية إلى تعزيز تحالفاتها مع قوى سياسية وأمنية ترى فيها ضمانة للاستقرار ومواجهة الحركات الإسلامية والثورية، وهو ما جعل أبوظبي لاعباً مؤثراً في عدد من الأزمات الإقليمية.
وفي ليبيا، دعمت الإمارات قوات خليفة حفتر في مواجهة الحكومة المعترف بها دولياً، في سياق الحرب والانقسام السياسي والعسكري الذي عرفته البلاد.
وفي السودان، تطورت علاقات الإمارات مع أطراف سودانية مختلفة عبر السنوات، فيما أصبحت قوات الدعم السريع شريكاً مهماً في شبكة العلاقات الإقليمية المرتبطة بالملف السوداني.
ويشير التقرير الأممي إلى مسارات إمداد مرتبطة بقوات الدعم السريع تمر عبر جنوب شرق ليبيا، في وقت تسيطر فيه قوات حفتر على أجزاء واسعة من شرق وجنوب البلاد.
من كولومبيا إلى السودان شبكة عابرة للحدود
كما تتقاطع هذه المعطيات مع تحقيقات صحفية سابقة، بينها تحقيق نشرته فايننشال تايمز، تحدث عن شبكة إقليمية للتجنيد والنقل والتدريب تمتد من كولومبيا إلى الإمارات، ثم إلى بوصاصو في الصومال، و ليبيا، وصولاً إلى نيالا والفاشر في السودان.
وتعكس هذه المسارات، في حال استمرارها، طبيعة التحول الذي طرأ على الحرب السودانية، حيث لم يعد السلاح والمال والمقاتلون يتحركون فقط داخل حدود الدولة، بل عبر شبكة إقليمية معقدة تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية.
سياسة نفوذ تتكرر في أكثر من ساحة
من مالي واليمن إلى ليبيا والصومال والسودان
برز خلال السنوات الماضية حضور إماراتي متزايد في ملفات سياسية وأمنية واقتصادية إفريقية وعربية.
ويقوم هذا الحضور على مزيج من الاستثمارات الاقتصادية، وبناء التحالفات، وتوسيع شبكات النفوذ، ودعم قوى محلية مختلفة، في إطار مصالح استراتيجية تتجاوز الحدود الوطنية للدول التي تنشط فيها أبوظبي.
وهذا النوع من التدخلات ظل محل انتقاد من أطراف إقليمية، بينها الجزائر، التي تؤكد في مقاربتها للأزمات الإفريقية والعربية على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ورفض تحويل القارة إلى ساحة لتصفية الحسابات أو التنافس على النفوذ.
حرب بلا حدود
الرسالة الأهم التي يحملها التقرير الأممي هي أن إنهاء الحرب السودانية لن يكون ممكناً عبر جمع أطراف النزاع وحدها إلى طاولة المفاوضات، إذا استمرت في الوقت نفسه شبكات التمويل والتجنيد والتسليح والإمداد عبر الحدود.
فالحرب التي بدأت داخل السودان تحولت إلى نزاع تتداخل فيه مصالح ومسارات إقليمية، وأصبح وقف تدفق السلاح والمقاتلين جزءاً أساسياً من أي مسار جاد نحو وقف إطلاق النار.
وبينما يدفع المدنيون ثمن الحرب بالنزوح والموت والجوع، تتزايد أهمية التحقيق في الشبكات التي توفر التمويل والسلاح والرجال للأطراف المتحاربة.
وفي النهاية، فإن تقرير الأمم المتحدة لا يقدم حكماً قضائياً نهائياً بشأن مسؤولية دولة بعينها، لكنه يضع أمام المجتمع الدولي خريطة مفصلة لشبكات الدعم الخارجي التي ساهمت في استمرار النزاع، ويطرح سؤالاً أكبر من حدود السودان من يموّل الحرب، ومن يسلّحها، ومن يستفيد من استمرارها؟

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام