اتفق المغرب والكيان الإسرائيلي على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما إلى مستوى “سفارات كاملة وتبادل السفراء”، إلى جانب استئناف الرحلات الجوية المباشرة بينهما قبل نهاية العام الجاري، وذلك وفق بيان مشترك صدر، امس، عقب اجتماع ثلاثي ضم مسؤولين من الولايات المتحدة والمغرب و الكيان الاسرائيلي.
ويفتح هذا الاتفاق، الذي تم برعاية أمريكية، الباب أمام جملة من التساؤلات بشأن توقيته، وما الذي يمكن أن تستفيده الرباط من هذه الخطوة، وانعكاساتها على عدد من الملفات الإقليمية والدولية.
وللحديث عن خلفيات هذا الاتفاق وتوقيته، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا بالباحث في الدراسات الاستراتيجية والأمنية كمال مصطفى دماني، لتسليط الضوء على أبعاد هذه الخطوة ودلالاتها.
زوبعة مغربية
اعتبر الباحث في الدراسات الاستراتيجية والأمنية كمال مصطفى دماني أن الخطوة الشكلية الأخيرة التي أقدمت عليها الرباط لا تحتاج إلى طرف ثالث، في إشارة إلى واشنطن، واصفًا إياها بـ”زوبعة مغربية” تحاول من خلالها الرباط التحرك استباقيًا، عقب التحول الإسباني في الموقف من الصحراء الغربية، وبعد تقارب مدريد مع الجزائر.
وأوضح الأستاذ كمال دماني في حديثه لـ”شرشال نيوز” أن مجلس النواب الإسباني أصدر تشريعًا يقضي بمنح الجنسية للصحراويين، وهو ما يعني ضمنيًا، -حسب تقديره-، اعترافًا إسبانيًا باستقلال الصحراء الغربية عن الرباط، بالتزامن مع تصاعد حدة الخطاب الأوروبي تجاه المغرب، على لسان رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين، في خطاب حالة الاتحاد الأوروبي.
وأشار الباحث إلى أن التأكيد على أوروبية “سبتة وإسبانيتها” يمثل الورقة التي يوظفها القصر بالرباط لابتزاز مدريد، إلى جانب التلويح الضمني بتعليق اتفاقيات التعاون مع المغرب، فضلًا عن الموقف السابق لهيئة الطيران الأوروبية في المتوسط، التي لم تشمل الصحراء الغربية، بما يعكس، موقفًا أوروبيًا واضحًا بعدم إقرار الاتحاد الأوروبي بمغربية الصحراء.
ويرى الأستاذ دماني أن الرباط تحاول، من خلال خطوتها، مواجهة التصعيد الأوروبي بواشنطن، و”بخدمة الاحتلال نظير شرعنة احتلال بشرعنة احتلال آخر”.
أيادي إماراتية تطال لتخريب استقرار المنطقة
كما لم يستبعد الباحث “الايادي الإماراتية” في الدفع بالرباط نحو هذه الخطوة، خاصة في ظل ما وصفه بوجود تقارير عديدة عن ضغوط إماراتية مكثفة على موريتانيا لجرها إلى التطبيع ومنع تقاربها مع الجزائر.
وفي هذا الصدد، أشار الأستاذ دماني إلى تغريدة مسعد بولس بشأن استثمار أبوظبي في واشنطن، وهو ما يجعل، حسب قوله، “الإيعاز الإماراتي واردًا وغير مستبعد”، لا سيما أن لأبوظبي دورًا سابقًا، وفق طرحه، في الدفع بالمجلس العسكري بالخرطوم نحو التطبيع، معتبرًا ذلك رد فعل على قطع العلاقات الجزائرية مع أبوظبي.
الاحتلال الإسرائيلي المستفيد الأول
وأضاف الباحث في الدراسات الاستراتيجية والأمنية كمال مصطفى دماني قائلًا إن “الاحتلال الإسرائيلي هو المستفيد الأول من هذه الخطوة”، في ظل ما وصفه بالعزلة الإقليمية والدولية التي يشهدها.
وأضاف أن خطوة الرباط تمثل “مكافأة وفك طوق عن عزلته”، فضلًا عن خدمة التمدد الصهيوني في الساحل وتوظيف الرباط للنفاذ إلى الإيكواس، إلى جانب محاصرة الجزائر بعد الموقف الجزائري في مجلس الأمن، وكذلك الدور الجزائري في الاتحاد الإفريقي بمنع عضوية الاحتلال كمراقب في الاتحاد الإفريقي.
وفي السياق ذاته، اعتبر الباحث كمال دماني أن الخطوة تكرس “التناقض الصارخ” بين الخطاب الملكي المعلن، من خلال رئاسة العاهل المغربي للجنة القدس، والسلوك الإجرائي المساند للاحتلال، بل وحتى ما وصفه بالتورط في الدعم اللوجستي للكيان في ذروة النزيف الفلسطيني وتصعيد المستوطنين في الضفة الغربية، و”ابتلاع الجغرافيا اللبنانية والسورية”، والانخراط في تفكيك الصومال، فضلًا عن دور آخر خفي في الاقتتال الداخلي بالسودان.
كما يرى الأستاذ دماني أن الرباط والكيان وواشنطن تتقاطع في العداء لمدريد، خاصة بعد رفض مدريد مساندة واشنطن في الانخراط في الحرب على طهران، إلى جانب المواقف السياسية من الاحتلال، معتبرًا أن هذه القواسم المشتركة تجعل الخطوة الأخيرة موجهة إلى مدريد، بوصفها “تقاسمًا مشتركًا بين الأطراف الثلاثة في مناوأة إسبانيا”.
محاولات بائسة للتغطية
ومن جهة أخرى، اعتبر الباحث أن الخطوة تمثل توظيفًا مغربيًا لمحاولة تسويق “انتصار وهمي” للداخل، بهدف التغطية على ما وصفه بالإخفاقات والفشل الداخلي والوضع الكارثي الذي فضحته.
معتبرًا أن موجة الهروب الجماعي الأخيرة باتجاه الأراضي الإسبانية كشفت عمق الأزمة الداخلية بالرباط، التي يحاول القصر ، من خلال قضية الصحراء، توجيه الرأي العام عن القضايا الأساسية التي تهم المواطن.
وخلص الباحث في الدراسات الاستراتيجية والأمنية حديثه لـ”شرشال نيوز” بالقول “إن الرباط تسعى أيضًا إلى حسم ملف الصحراء قبل انعقاد مجلس الأمن بخصوص الموضوع، غير أن عدم وجود سفارة أمريكية في الصحراء، إلى جانب تأكيدات سابقة لمسعد بولس بشأن الحل الأممي، تعكس الموقف “الرمادي” لواشنطن من قضية الصحراء، وإن كان التأكيد الحالي يبقى “ظرفيًا”، خاصة في ظل إدراج الأمم المتحدة للصحراء على لوائح تصفية الاستعمار.”
مهدي الباز




