الأولى الوطني تحاليل وآراء

الكشافة الإسلامية الجزائرية من معركة التحرير الى معركة التحصين

تُحيي الجزائر في الـ27 من ماي كل سنة، ذكرى استشهاد الأب الروحي للكشافة الإسلامية الجزائرية، الشهيد البطل محمد بوراس؛ الرجل الذي أسّس لأول نواة كشفية إسلامية في الجزائر، ليبقى اسمه خالدًا في الذاكرة الكشفية والوطنية على مرّ الأجيال. ولا تكمن ميزة إحياء هذه الذكرى هذه السنة في دلالتها الزمنية ببلوغها العام الـ85 فحسب، بل في السياق الوطني الراهن الذي تشهده الجزائر، والمتميز بالإرادة القيادية والشعبية والنخبوية على مواصلة مسيرة البناء والوفاء لرسالة الشهداء.

الانطلاقة كانت “الفلاح

من رحم الاحتفالية الاستفزازية التي أقامها العدو الفرنسي عام 1930 بمناسبة مئوية احتلال الجزائر، انبثقت شعلة الوطنية في قلب الشاب محمد بوراس. وهو يشاهد الأطفال الأوروبيين بزيّهم الكشفي يحتفلون فوق أرض أجداده المحتلة، تفجرت في وجدانه فكرة إنشاء فوج كشفي جزائري الهوية يضاهي الأفواج الأوروبية .

بقي هذا المشهد محفوراً في ذاكرة الشاب محمد بوراس، ليترجمه عملياً في سنة 1935 بتأسيس أول فوج كشفي إسلامي جزائري تحت اسم “فوج الفلاح”، فكانت البداية حقاً هي “الفلاح”.

وعرفت الجزائر في تلك الفترة بروزاً لافتاً للعديد من الأفواج الكشفية المحلية عبر مختلف ربوع الوطن، مثل “فوج الحياة” بسطيف، و”فوج النجوم” بقالمة، واللذين كان لهما دور بارز ومحوري لاحقاً في تأطير أحداث 8 ماي 1945.

 

من أرض “العوفية” انبثقت الكشافة الإسلامية الجزائرية

أمام التنامي السريع للأفواج الكشفية المستقلة عبر مختلف مناطق الوطن، أدرك الشهيد البطل ببعد نظره ضرورة توحيد الجهود؛ فقرر في جويلية 1939 جمع هذه الأفواج التي ظهرت في مدن قسنطينة، سطيف، الجزائر العاصمة، وهران، قالمة، والأغواط تحت راية واحدة سُميت “جامعة الكشافة الإسلامية الجزائرية”.

وتم تنظيم المؤتمر التأسيسي الأول للمنظمة بمدينة الحراش، لتنطلق الكشافة من هناك في مسار تاريخي ونضالي متناغم مع تطلعات الحركة الوطنية، متحولة مع مرور السنين إلى مدرسة حقيقية لتربية النشء على القيم الأخلاقية، والروح النوفمبرية الوطنية.

الشهيد محمد بوراس.. رمز التضحية والإخلاص

لقد كان الشهيد محمد بوراس رجلاً يؤمن بأن الحرية والاستقلال هدف لا يمكن أن يتحقق إلا بالعمل والنضال والكفاح المسلح ضد المستعمر. تميز بوراس بذكاء حاد ونشاط ميداني دؤوب، مما جعله سريعاً تحت مجهر ومتابعة مصلحة مكافحة الجوسسة الفرنسية.

وأمام تزايد التضييق وبتهمة تعاونه مع الألمان واستغلال هزيمة فرنسا عام 1940 للتخطيط للثورة، فضّل القائد محمد بوراس تقديم استقالته من رئاسة الكشافة الإسلامية الجزائرية، في خطوة شجاعة لحماية هذا التنظيم الفتي من الحل والمتابعة القضائية بعدما استشعر خطر الاعتقال الوشيك.

وفي 8 ماي 1941، ألقي القبض عليه ليتعرض لاستنطاق رهيب وعذب عسكرياً، ثم أحيل على المحكمة العسكرية التي أصدرت في حقه قراراً جائراً. وفي فجر 27 ماي 1941، نُفّذ فيه الحكم رمياً بالرصاص بتهمة “الخيانة العظمى”، لتسقي دماؤه الزكية زهرة الياسمين البيضاء وتعبق رائحتها بالحرية، تركا ارثا خالدا شعاره “كن مستعدا”.

الكشافة ومجازر 8 ماي 1945

قبل اندلاع الثورة التحريرية المباركة بعشر سنوات، كانت مظاهرات 8 ماي 1945 بمثابة المنعطف التاريخي الذي أدرك فيه الشعب الجزائري عقم الوعود الفرنسية، واستحالـة العيش تحت سوط الاستعمار. وكانت الكشافة الإسلامية الجزائرية في طليعة القوى الوطنية التي أطّرت وقادت تلك المسيرات السلمية التي تحولت بفعل همجية المستعمر إلى مجزرة دموية رهيبة.

وعلى إثر سقوط أول شهيد في هذه المجازر، الكشاف البطل “بوزيد سعال”، وهو رافع الراية الوطنية بكل فخر في شوارع سطيف، جنّ جنون الإدارة الاستعمارية التي سارعت إلى حظر المنظمة الكشفية وحلّ أفواجها عبر الوطن، بعدما أدركت خطورة هذا الخزان البشري الواعي.

قادة الـ 22 وفجر الثورة.. خريجو “المدرسة الكشفية

لم يكن الحظر ليوقف عقيدة الكتمان والسرية والانضباط العسكري التي زرعتها الكشافة في أبنائها؛ بل تجلى هذا التكوين الصارم في نجاح التخطيط التاريخي لمجموعة الـ 22. فمن تنظيم “السكوت الكشفي” والعمل السري، التقى القادة في منزل المناضل إلياس دريش بالمدنية بالجزائر العاصمة، وكان من بينهم قادة بارزون تخرجوا من أفواج الكشافة، كالشهيد العربي بن مهيدي (ابن فوج الرجاء بقسنطينة) الذي تميز بشغفه بالمسرح الكشفي لبث الوعي، والشهيد ديدوش مراد (ابن فوج الأمل بالمرادية) الذي صقلت المسؤولية الكشفية روحه القيادية الصارمة.

ومع اندلاع الثورة التحريرية سنة 1954، انخرط العديد من أفراد الكشافة في دعم الثورة، سواء من خلال نقل الرسائل أو المساهمة في العمل السري أو مساندة المجاهدين، لتؤكد الكشافة مرة أخرى ارتباطها العميق بالقضية الوطنية.

 

الكشافة بعد الاستقلال.. مواصلة مسيرة بناء الإنسان

بعد استرجاع السيادة الوطنية سنة 1962، لم ينتهِ دور الكشافة الإسلامية الجزائرية؛ بل واصلت مسيرتها كمدرسة وطنية بامتياز للتربية المدنية وتأطير الشباب. وساهمت المنظمة بقوة في معارك البناء والتشييد، وترسيخ قيم المواطنة، والانضباط، والعمل التطوعي، فضلاً عن تعزيز قيم الديمقراطية والمسؤولية الاجتماعية في اعداد أجيال واعية و متشبعة بالروح الوطنية.

واليوم، تواصل الكشافة الجزائرية انتشارها ونشاطها عبر كافة ولايات الوطن، مجددة العهد في ذكرى الأب الروحي محمد بوراس، ومحافظة على روحها التربوية والوطنية لتظل الشعلة التي لا تنطفئ في مشروع بناء الوعي وتحصين الإنسان الجزائري والوفاء لرسالة نوفمبر الخالدة.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام