أكدت أستاذة العلوم السياسية و العلاقات الدولية بجامعة الجزائر 03، نبيلة بن يحيى، أن القطيعة الدبلوماسية الجزائرية مع دولة الإمارات العربية المتحدة لم تأتِ من فراغ، ولم تكن قراراً وليد الساعات الأخيرة، وإنما جاءت، تتويجاً لمسار طويل من التراكمات، انتقل تدريجياً من اختلاف في الرؤى إلى تباعد في المصالح، ثم إلى أزمة ثقة، وصولاً إلى استنفاد أدوات الاحتواء الدبلوماسي.
وأوضحت البروفيسور، نبيلة بن يحيى ، في مداخلة لها لـ”شرشال نيوز”، إلى أن الجزائر قررت قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، معلنة أن القرار جاء بعد “استنفاد كل الوسائل للحفاظ على العلاقات الثنائية”، لافتة إلى أن البيان لم يدخل في تفاصيل الأسباب، وهو أمر مهم في حد ذاته، لأن لغة الدولة الجزائرية تركت الباب مفتوحاً لقراءة المسار الكامل بدلاً من اختزاله في حادثة واحدة.
وأضافت البروفيسور نبيلة بن يحيى، أن القرار جاء بعد خطوة سابقة ذات دلالة، ففي فيفري الماضي ،2026 شرعت الجزائر في إجراءات إنهاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة بين البلدين سنة 2013، بينما أكدت الهيئة الإماراتية للطيران المدني آنذاك استمرار الرحلات خلال فترة الإشعار القانونية، معتبرة أن القطيعة لم تبدأ في 10 سبتمبر وحسب، بل انتقل مسار التباعد إلى مستوى دبلوماسي معلن.
من الخلاف الثنائي إلى أزمة الثقة
وأكدت البروفيسور بن يحيى أن العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما أيضاً بمستوى الثقة الاستراتيجية بين مؤسساتها.
وأوضحت أنه عندما تبدأ دولة في مراجعة اتفاقيات قائمة، ثم تتزايد التصريحات المتبادلة، وتتسع مساحة الاتهامات المتعلقة بالتدخل في الشؤون الداخلية أو الإقليمية، فإن العلاقة تكون قد تجاوزت مرحلة الخلاف العابر، مشيرة إلى أن هذا تحديداً ما يجعل عبارة “استنفاد كل الوسائل” شديدة الدلالة.
وترى البروفيسور نبيلة بن يحيى أن الجزائر، عملياً، تعتبر أن قنوات الحوار والاحتواء لم تعد كافية للحفاظ على العلاقة في صيغتها السابقة.
الجزائر لا تنظر إلى الإمارات بمعزل عن محيطها
وفي هذا الصدد، شددت البروفيسور نبيلة على أن من الخطأ اختزال المسألة في سؤال، ماذا حدث بين الجزائر وأبوظبي؟ وإنما الأهم هو كيف أصبحت الجزائر تقرأ نمط السياسة الخارجية الإماراتية في المنطقة.
وأشارت إلى أن هناك ملفات متعددة تظهر فيها هذه القراءة، منها ليبيا والسودان واليمن والقرن الإفريقي والبحر الأحمر والساحل وفلسطين، إلى جانب شبكات النفوذ الاقتصادي والأمني.
وأضافت أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية نبيلة بن يحيى، أنه في عدد من هذه الملفات، لم يعد الجدل حول الإمارات مقتصراً على خصومها الإقليميين، فقد أصبحت طبيعة الدور الإماراتي موضوعاً لدراسات وتحقيقات وانتقادات من مؤسسات غربية وأممية.
وفي هذا السياق، ذكرت أن المؤسسة الألمانية SWP، المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، نشرت في ماي 2026 دراسة حول الدور المزعزع للاستقرار للإمارات العربية المتحدة في الصراعات الإفريقية، وتحديداً في إثيوبيا وليبيا والصومال والسودان، وخلصت، وفق تحليل الباحثين، إلى أن الدور الإماراتي يعوق جهود تسوية النزاعات ويزيد من الأزمات الإنسانية وعدم الاستقرار الإقليمي، كما تناولت مسألة الالتفاف على أنظمة حظر الأسلحة في ليبيا والسودان.
ويمكن، حسبها، قراءة الخلاف الجزائري مع الإمارات حول العقيدة الجزائرية، باعتبار أن الجزائر ليست دولة محايدة في مسألة سيادة الدول، موضحة أن العقيدة الدبلوماسية الجزائرية، منذ تاريخ الاستقلال، تشكلت حول مجموعة من المبادئ، تتمثل في عدم التدخل، واحترام سيادة الدول، ورفض تغيير الأنظمة بالقوة، ودعم الحلول السياسية، واحترام الحدود، ودعم حركات التحرر.
ولفتت البروفيسور بن يحيى إلى أن الجزائر لا تنظر إلى الصراعات الإقليمية فقط من زاوية ضيقة الأفق والمسار، بل من زاوية الاستقرار والأمن والتنمية.
كما أكدت أن الجزائر تستند إلى منطق أن التعاون ممكن، والاختلاف ممكن، والمنافسة ممكنة، لكن المساس بالأمن القومي والسيادة ليس مجالاً للتفاوض.
وترى أستاذة العلوم السياسية و العلاقات الدولية، نبيلة بن يحيى، أن هذه النقطة تفسر لماذا جاءت القطيعة بعد الحديث الرسمي عن استنفاد كل الوسائل، معتبرة أن القرار، بهذا المعنى، ليس مجرد عقوبة دبلوماسية، بل إعادة رسم لحدود العلاقة.
هامش المناورة الاستراتيجي
وأشارت البروفيسور بن يحيى إلى أن الجزائر تختار مرة أخرى “هامش المناورة” من خلال رسم محكم لسياستها الخارجية على أساس تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمحور واحد، موضحة أن روسيا تمثل شريكاً في المجال العسكري، والصين في الاقتصاد والاستثمار، وأوروبا في الطاقة والتجارة، والولايات المتحدة في ملفات استراتيجية، بينما يحضر العالم العربي والإفريقي في المجال السياسي والدبلوماسي.
واعتبرت أن القطيعة مع أبوظبي تعني إعادة ترتيب علاقات الجزائر دون أن تخسر خياراتها الدولية الأخرى، وهذه هي فلسفة “هامش المناورة الاستراتيجي”.
وفي قراءة أكثر عمقاً لما حدث، قالت البروفيسور نبيلة بن يحيى “إن الجزائر لم تتخذ قراراً بسبب حادثة منفردة، بل يمكن قراءة القرار باعتباره نتيجة تراكم بين ثلاثة مستويات.”
ويتعلق المستوى الأول بالسيادة الوطنية، من خلال رفض أي سلوك تعتبره الجزائر تدخلاً في شؤونها الداخلية.
أما المستوى الثاني، فيرتبط بالأمن الإقليمي، من خلال رفض سياسات ترى الجزائر أنها تساهم في إنتاج أو إطالة النزاعات عبر دعم قوى محلية أو شبكات نفوذ خارج الدولة المركزية.
ويتمثل المستوى الثالث في النظام الدولي، حيث تتمسك الجزائر بمبدأ أن العلاقات الدولية لا يمكن أن تتحول إلى إدارة مناطق النفوذ على حساب سيادة الدول.
وأضافت، بن يحيى أن المفارقة الكبرى تتمثل في أن الجدل حول الدور الإماراتي لم يعد جزائرياً فقط، بل أصبح موضوعاً لتقارير أممية، وإجراءات أمريكية ضد شبكات مرتبطة بالحرب السودانية، ودراسات أوروبية تنتقد جوانب من السياسة الإماراتية في إفريقيا.
وترى أن الجزائر، بقرار القطيعة، تعيد ترتيب دوائر الثقة والمصالح، وهي نقطة حاسمة في فهم السياسة الخارجية الجزائرية الحالية.
دبلوماسية الرؤية في مواجهة دبلوماسية رد الفعل
وأكدت أن “الدبلوماسية ليست كثرة الأصدقاء، بل وضوح الرؤية والمصالح”، معتبرة أن الدرس الأهم من القرار الجزائري اليوم هو أن الدول لا تقيس نجاح دبلوماسيتها بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا بعدد العواصم التي تزورها، لأن السيادة والأمن القومي ليسا مجالاً للمساومة.
وأضافت البروفيسور بن يحيى أن القطيعة تصبح، في هذا السياق، جزءاً من لغة الردع الدبلوماسي، وهو ما يبرز الفارق بين دبلوماسية رد الفعل ودبلوماسية الرؤية.
وأوضحت أن دبلوماسية رد الفعل تتحرك تحت ضغط الحدث، أما دبلوماسية الرؤية فتراقب المسار، وتقرأ الاتجاهات، وتراكم المعطيات، وتحسب الكلفة، ثم تتخذ القرار عندما تصبح الصورة الاستراتيجية مكتملة.
كما أكدت البروفيسور بن يحيى بن نبيلة، أنه يمكن فهم القرار باعتباره جزءاً من هامش المناورة الاستراتيجي الجزائري، لأن الجزائر تتعاون مع من تتوافق معه، وتختلف مع من تختلف معه، وتفاوض عندما يكون التفاوض ممكناً، وتعيد رسم حدود العلاقة عندما تصبح المصالح العليا للدولة في الميزان.
وخلصت البروفيسور نبيلة بن يحيى، بالقول” أن هذا هو جوهر النضج في الدبلوماسية، “ألا تقطع بسرعة… وألا تبقى أسيراً لعلاقة انتهت شروطها الاستراتيجية”.
مهدي الباز




