تحيي الجزائر وتونس، اليوم الأحد، الذكرى الثامنة والستين لأحداث ساقية سيدي يوسف (ولاية الكاف)، التي اندلعت يوم 8 فيفري 1958، وسقط خلالها عشرات الشهداء والجرحى من البلدين، جراء العدوان الغاشم الذي شنه المستعمر على هذه القرية الحدودية، بما جسّد واحدة من أسمى صور التلاحم النضالي بين شعبين، من أجل الانعتاق من الاستعمار الغاشم، دفاعا عن قيم الحرية والعزّة والكرامة الإنسانية.
وتعود وقائع أحداث ساقية سيدي يوسف، إلى يوم السبت 08 فبراير 1958 أين هاجمت الطائرات الفرنسية القرية في يوم السوق الأسبوعية، حيث يتجمع كثير من السكان في السوق لشراء احتياجاتهم، وكان بعض اللاجئين الجزائريين الهاربين من هول المعارك داخل الجزائر يصطفون لتلقي مساعدات من الصليب الأحمر الدولي والهلال الأحمر التونسي.
انتشر الهلع بين الأهالي، وتفرقوا في أنحاء مختلفة، لكن هذا لم يمنع الطائرات الفرنسية من مطاردتهم على ارتفاعات منخفضة، مستخدمة أسلحتها الرشاشة، وفي الوقت نفسه هاجمت منجما قريبا من القرية كانت تعده مركزا لتدريب الثوار الجزائريين.
أسفر القصف، الذي استمر أكثر من ساعة وحول القرية إلى خراب، عن مقتل نحو 70 من التونسيين واللاجئين الجزائريين بينهم 9 نساء وكثير من الأطفال، وإصابة ما يقرب من مائة جريح، بالإضافة إلى تدمير معظم مباني القرية وعدد من المباني الإدارية، شملت مدرستين ومركزين للحرس الوطني ومركزا للبريد وعدة سيارات، منها سيارتان تتبعان “الصليب الأحمر الدولي”.
واعتبر هذا الهجوم العسكري آنذاك، “سابقة خطيرة”، لما اتسم به من قمع وحشي مارسه المستعمر على أبناء البلدين، لكنّه عزز من جهة أخرى، روح المقاومة لدى أبناء الشعبين، وساهم في تشكيل ردود فعل قوية في الأوساط الشعبية والسياسية، لتنطلق على إثرها موجة التنديدات بهذا العمل الغاشم، ويصبح الحدث لاحقا رمزاً للمقاومة والتضحية في سبيل الوطن، وانعكاسا للتحديات الكبرى التي واجهها الشعبان التونسي والجزائري خلال فترة الاستعمار.
موقع الحادثة
تقع ساقية سيدي يوسف على الحدود الجزائرية التونسية على الطريق المؤدّي من مدينة سوق أهراس بالجزائر إلى مدينة الكاف بتونس وهي قريبة جدًا من مدينة لحداداة الجزائرية التابعة إداريا ولاية سوق أهراس، وبذلك شكلت منطقة إستراتيجية لوحدات جيش التحرير الوطني المتواجد على الحدود الشرقية في استخدامها كقاعدة خلفية للعلاج واستقبال المعطوبين. ما جعلفرنسا تلجأ إلى أسلوب العقاب الجماعي وذلك بضرب القرية الحدودية الصغيرة.
ويؤكد البلدان، أهمية إحياء هذه الذكرى الخالدة سنويا (08 فيفري)، التي امتزجت فيها الدماء الجزائرية بالتونسية، والتي مثلت اللبنة الأولى للتعاون المشترك القائم بين البلدين الشقيقين، وعلى روح التآخي والتضامن التي تميز العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، كما تظل منارة ملهمة للأجيال القادمة وتذكرها بالبطولات الملحمية للشعبين
وفي هذا الإطار، يشرف الوزير الأول سيفي غريب، اليوم، مع رئيسة الحكومة التونسية سارة الزعفراني الزنزري على الاحتفالات الرسمية بالذكرى الـ68 لمجزرة ساقية سيدي يوسف. وهذا يعتبر دليلا على أنها ليست مجرّد تفاصيل تاريخية، وإنّما درس في الوطنية والهويّة، يثبت أهمية توحد الشعوب من أجل مواجهة التحديات، وأهمّية مواصلة التشاور في مختلف المجالات والتنسيق المشترك، لتجسيم القرارات المشتركة ومتابعتها، خاصّة في المجالات ذات الأولوية للبلدين، على غرار التجارة والأمن وتنمية المناطق الحدودية والطاقة والموارد المائية والنقل.
ومنذ هذه الأحداث وحتى يومنا هذا، تظل ساقية سيدي يوسف شاهدة على عمق الترابط بين الشعبين التونسي والجزائري، وتظل “أرض الأخوة” كما كتب على لافتة في القرية.




