أكدت الدكتورة المصرية غادة محمد عامر، خبيرة الذكاء الاصطناعي في الوطن العربي، أن الذكاء الاصطناعي يطرح اليوم سؤالًا أكثر جذرية في العلاقات الدولية، يتعلق بما إذا كان العالم يقف أمام فاعل من نوع مختلف كليًا، يتحول تدريجيًا من التأثير في القرار الدولي إلى المشاركة الفعلية فيه، بل وربما إلى العنصر الحاسم الذي يعيد رسم موازين القوى بين الدول ذاتها.
وأوضحت الدكتورة عامر، في مداخلة لـ”شرشال نيوز”، أنه منذ معاهدة وستفاليا عام 1648 وحتى نهاية الحرب الباردة، ظلت الدولة القومية هي الفاعل المركزي الذي تدور حوله نظرية العلاقات الدولية وممارستها، سواء بوصفها وحدة سيادية في الفكر الواقعي، أو طرفًا في شبكة من المؤسسات والمنظمات في الفكر الليبرالي.
صعود فواعل من غير الدول
وأضافت أن العقود الأخيرة شهدت صعود فاعلين من خارج الدولة، كالشركات العابرة للقوميات والمنظمات غير الحكومية والفضاء الرقمي، أعادوا تشكيل بنية القوة الدولية من دون أن يزيحوا الدولة عن مركزها، غير أن الذكاء الاصطناعي يطرح اليوم سؤالًا مختلفًا حول تحوله من مجرد أداة للتأثير إلى طرف يشارك فعليًا في صناعة القرار.
وبيّنت الخبيرة محمد عامر أن المدارس النظرية الكبرى تختلف في قراءة هذا الموقع، فالواقعية تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه مضاعفًا للقوة يعزز قدرة الدول الكبرى على فرض إرادتها، من دون أن يخرج عن كونه أداة بيد الدولة صاحبة السيادة، فيما ترى الليبرالية المؤسسية فيه حافزًا للتعاون متعدد الأطراف، مع خطر تشرذم النظام الدولي في غياب إطار ملزم.
وأضافت أن البنائية تذهب إلى أنه لا يكتفي بخدمة مصالح موجودة سلفًا، بل يشارك في “صناعة” هذه المصالح والهويات عبر خوارزميات تشكل الرأي العام وتعيد تعريف مفاهيم كالتهديد والأمن والعدو، معتبرة أن هذا التفاوت النظري يمثل دليلاً على أن الذكاء الاصطناعي أصبح محورًا تتقاطع عنده حسابات القوة والمصلحة والهوية معًا.
وفي حديثها عن مؤشرات هذا الصعود، أشارت الخبيرة إلى سباق القوى الكبرى على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، حيث تحول التنافس بين واشنطن وبكين إلى سباق على امتلاك الرقائق المتقدمة ومراكز البيانات والطاقة اللازمة لتشغيلها، إلى جانب مساعي أوروبا لبناء بنية سحابية سيادية ونماذج صينية منخفضة الكلفة أعادت رسم قواعد الكفاءة الحاسوبية.
الدبلوماسية و الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي
كما توقفت خبيرة الذكاء الاصطناعي في الوطن العربي عند ما وصفته بـ”الدبلوماسية الخوارزمية”، مشيرة إلى شروع وزارات خارجية ومراكز تفكير في توظيف الذكاء الاصطناعي لتحليل السيناريوهات التفاوضية ورصد المزاج الشعبي، بما يقلص مساحة الاجتهاد البشري في اللحظة الأولى لصنع القرار.
وتحدثت دكتورة محمد عامر عن الأسلحة ذاتية التشغيل التي، بحسبها، تفكك المفهوم الكلاسيكي للقرار السيادي بالحرب وتحوله إلى قرار موزع بين الإنسان والخوارزميات، إلى جانب حرب معرفية توظف فيها شبكات مؤتمتة لضخ محتوى مضلل، قد يؤثر في الذاكرة الجماعية والإدراك العام.
وفي ما يتعلق بحوكمة الذكاء الاصطناعي، أشارت إلى أن الواقع ما يزال يشهد تشرذمًا في الحوكمة العالمية، رغم تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2024 بإجماع 193 دولة أول قرار شامل حول الذكاء الاصطناعي الآمن والموثوق، معتبرة أن الواقع ما يزال محكومًا بثلاثة نماذج تنظيمية متنافسة: نموذج أوروبي قائم على الحقوق والإلزام، وآخر أمريكي يفضل المعايير الطوعية، وثالث صيني يمنح الدولة سيطرة مركزية.
وشددت الخبيرة المصرية غادة محمد عامر على ضرورة التمييز بين “الفاعلية” بمعناها الكامل و”التأثير” الكبير، موضحة أن الذكاء الاصطناعي، خلافًا للدولة، لا يملك إرادة أو مصلحة ذاتية بالمعنى القانوني أو السياسي، ولا يوقع معاهدات ولا يُساءل أمام مؤسسة دولية، وبذلك يظل، وفق التعريفات الكلاسيكية للعلاقات الدولية، أداة قوة فائقة الكفاءة أكثر من كونه فاعلًا مستقلًا.
غير أنها أكدت أن ما يميز الذكاء الاصطناعي عن أدوات القوة السابقة، من السلاح النووي إلى الإنترنت، هو اجتماع سرعة اتخاذ القرار التي تتجاوز قدرة المراجعة البشرية، والانتشار الأفقي الذي يجعله متاحًا لفاعلين من غير الدول، وطبيعة “الصندوق الأسود” التي تجعل حتى مطوريه عاجزين أحيانًا عن تفسير مخرجاته الحرجة.
واعتبرت أن هذا المزيج يجعل الذكاء الاصطناعي يتصرف عمليًا في لحظات الأزمة بوصفه “شبه فاعل” يحدث نتائج لا ترد إلى إرادة دولة بعينها.
الذكاء الاصطناعي و سيادة الدولة
وخلصت خبيرة الذكاء الاصطناعي في الوطن العربي غادة محمد عامر في مداخلتها إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الدولة كوحدة تحليل مركزية في العلاقات الدولية في المدى المنظور، لأن الدولة تبقى صاحبة السيادة القانونية والمسؤولية الدولية، لكنها شددت على أن قواعد اللعبة تغيرت، فمن يملك القدرة الحاسوبية والخوارزمية بات يملك جزءًا متزايدًا من مقومات القوة التي كانت حكرًا على الدولة وحدها.
وأضافت أن العقود المقبلة قد تشهد ولادة ما يمكن تسميته بـ”سيادة مركبة”، تتقاسم فيها الدولة القرار مع البنى الحاسوبية التي تغذي مؤسساتها.
وختمت مداخلتها،بالتأكيد على أن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار العرب لم يعد هل سيصبح الذكاء الاصطناعي فاعلًا رئيسيًا في العلاقات الدولية؟ بل هل ستشارك الدول العربية في صياغة قواعد هذا الفاعل الجديد، أم ستكتفي بتلقي قواعد وضعها آخرون؟ معتبرة أن موقع المنطقة في النظام الدولي القادم لن تحدده التقنية نفسها، بل الإجابة عن هذا السؤال بالذات.
مهدي الباز




