بحلول رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، إلى الجزائر، دخلت العلاقات الجزائرية الإسبانية مرحلة جديدة عنوانها استعادة الثقة وبناء شراكة استراتيجية أكثر توازنًا، تجعل من الصداقة والاحترام المتبادل أساسًا لتعاون يخدم المصالح المشتركة للبلدين.
ولا تقتصر هذه الزيارة على بعدها الدبلوماسي التقليدي، بل تحمل رسائل سياسية واقتصادية وجيوسياسية، تؤكد رغبة الطرفين في طي صفحة الخلافات والانطلاق نحو آفاق أوسع للتعاون والشراكة الثنائية.
مسار جديد وآفاق واعدة
تأتي هذه الزيارة في سياق حرص قيادتي البلدين على إعادة بعث العلاقات الثنائية وتوسيع مجالات التعاون في الملفات الاقتصادية والاستراتيجية والأمنية، بما يعكس إرادة مشتركة لترجمة المصالحة السياسية إلى مشاريع وشراكات عملية تخدم مصالح الجزائر وإسبانيا، وتؤسس لعلاقة أكثر استقرارًا واستدامة.
طي صفحة الخلافات الدبلوماسية
شهدت العلاقات الجزائرية الإسبانية أزمة غير مسبوقة في مارس 2022، عقب انحراف مدريد عن موقفها التقليدي و الواقعي من قضية الصحراء الغربية، وإعلانها دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي، وهو ما اعتبرته الجزائر خروجًا عن الشرعية الدولية وانحيازًا مفضوحا للموقف المغربي. وردّت الجزائر بتعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة بين البلدين، لتدخل العلاقات الثنائية مرحلة من الفتور السياسي الذي يشبه القطيعة الدبلوماسي مع تراجع ملحوظ في المبادلات التجارية والاقتصادية.
غير أن الطرفين شرعا لاحقًا في إعادة بناء الثقة تدريجيًا، بداية بعودة السفير الجزائري إلى مدريد في ديسمبر 2023، ثم استئناف المبادلات التجارية، وصولًا إلى إعلان رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في 26 مارس 2026، إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون.
كما شكّل اختيار إسبانيا ضيف شرف لمعرض الجزائر الدولي، في جوان الماضي، مؤشرًا واضحًا على عودة العلاقات إلى مسارها الطبيعي.
الاقتصاد… الرهان الحقيقي لنجاح المصالحة
إذا كانت الأزمة بين البلدين سياسية في جوهرها، فإن نجاح المصالحة سيُقاس بقدرة الطرفين على تحقيق نتائج اقتصادية ملموسة. فالعلاقات الجزائرية الإسبانية تدخل اليوم اختبارًا حقيقيًا يتمثل في تحويل التوافق السياسي إلى استثمارات وشراكات صناعية وتجارية تعود بالنفع على البلدين.
وتسعى مدريد إلى استعادة مكانتها داخل السوق الجزائرية، التي تعد من أهم أسواقها في الضفة الجنوبية للمتوسط، بعد أن فقدت جزءًا من حصتها خلال سنوات الأزمة.
كما تطمح الشركات الإسبانية إلى العودة بقوة إلى السوق الجزائرية عبر مشاريع استراتيجية في مجالات البنية التحتية، والصناعة، والفلاحة، والخدمات، بما يعزز حضورها الاقتصادي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون والاستثمار.
أما الجزائر، فتنظر إلى هذه المرحلة بمنظور مختلف عما كان عليه في السابق، إذ لم تعد عودة العلاقات تعني استئناف المبادلات التجارية وفق النمط التقليدي القائم على الاستيراد، بل توظيف هذا الانفتاح لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتشجيع المشاريع المنتجة التي تنسجم مع الإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها الدولة.
كما تسعى الجزائر إلى جذب المؤسسات الإسبانية لإنشاء وحدات إنتاج محلية، ونقل التكنولوجيا والخبرة، وإدماج المؤسسات الجزائرية في سلاسل القيمة والإنتاج، بما يسهم في خلق مناصب شغل، ورفع نسبة الإدماج الصناعي، وتعزيز الصادرات خارج قطاع المحروقات، وتنويع القاعدة الاقتصادية الوطنية.
وفي المقابل، تمثل السوق الجزائرية، في ظل قانون الاستثمار الجديد وما يوفره من حوافز متعددة، فرصة واعدة للمؤسسات الإسبانية الراغبة في الدخول الى السوق الوطنية و تعزيز نشاطها الاقتصادي من خلال اتخاذ الجزائر قاعدة صناعية ولوجستية للتوجه نحو الأسواق الإفريقية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، ومن مشاريع تطوير البنية التحتية، وعلى رأسها الموانئ التي تشهد اعادة توسعة كبرى وشبكات النقل، والربط مع العمق الإفريقي.
ويكتسب هذا الطرح أهمية أكبر في ظل التحركات الدبلوماسية التي قادتها الجزائر خلال الأشهر الماضية لإعادة بعث شراكاتها مع عمقها الإفريقي، من خلال تعزيز التعاون مع النيجر وتشاد، والعمل على استكمال مسار تطبيع العلاقات مع مالي، إلى جانب العمل على بعث و توسيع التعاون مع بوركينا فاسو. ومن شأن هذا التوجه أن يعزز مكانة الجزائر باعتبارها حلقة وصل محورية بين منطقة الساحل والفضاء الأورو-متوسطي، بما يخدم المصالح المشتركة بعيدًا عن الحسابات الجيوسياسية للقوى الكبرى.
الطاقة… من الغاز إلى الهيدروجين الأخضر
ظل قطاع الطاقة الركيزة الأساسية للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، إذ حافظت الجزائر على مكانتها كمورد موثوق للغاز الطبيعي إلى إسبانيا، حتى في أصعب مراحل التوتر السياسي.
غير أن المرحلة الجديدة تفتح آفاقًا أوسع للتعاون، فلم يعد الأمر يقتصر على ضمان إمدادات الغاز، بل يمتد إلى الاستثمار في مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي، وهي قطاعات تراهن عليها أوروبا لتعزيز أمنها الطاقوي خلال العقود المقبلة.
وفي المقابل، تعمل الجزائر على تطوير قدراتها في مجال الطاقات النظيفة، مع الحفاظ على موقعها كمورد رئيسي للطاقة التقليدية، بما يؤهلها للعب دور جيوسياسي وجيوطاقوي متنامٍ في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي متعدد الأقطاب.
شراكة أمنية تفرضها تحديات المتوسط
تدرك مدريد أن استقرار الضفة الغربية للمتوسط لا يمكن تحقيقه دون شراكة قوية مع الجزائر، التي تعد فاعلًا أساسيًا في ملفات الأمن الإقليمي والهجرة غير النظامية ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
وقد أظهرت سنوات الفتور السياسي أن التعاون الأمني بين البلدين يمثل عنصرًا محوريًا في مواجهة شبكات تهريب البشر والمخدرات، والتصدي لتمويل الجماعات الإرهابية الناشطة في منطقة الساحل، وهو ما يجعل الارتقاء بالتنسيق الأمني والاستخباراتي أحد أبرز رهانات المرحلة المقبلة.
شراكة استراتيجية تتجاوز الماضي وتستعد للمستقبل
تكشف زيارة رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، إلى الجزائر أن البلدين اختارا تجاوز منطق الأزمة والانطلاق نحو مرحلة جديدة تقوم على البراغماتية الاقتصادية والشراكة الاستراتيجية.
غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرهونًا بقدرة قيادة البلدين على ترجمة الإرادة السياسية المشتركة إلى مشاريع استثمارية حقيقية، وشراكات صناعية منتجة، وتعاون أمني مستدام، بما يكرس علاقة تقوم على مبدأ “رابح – رابح”، ويمنح العلاقات الجزائرية الإسبانية بعدًا استراتيجيًا يتماشى مع التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة البحر الأبيض المتوسط، والتغيرات العميقة في البيئة الأمنية والاقتصادية الدولية.
مهدي الباز




