الأولى الاقتصادي الوطني

الجزائر تعرض على التشيك بوابة صناعية نحو إفريقيا.. ومفاوضات لتوطين صناعات النقل والعتاد الفلاحي والمناجم

تسعى الجزائر إلى استقطاب جزء من الخبرة الصناعية التشيكية نحو مشاريع إنتاج محلية، في قطاعات تمتد من معدات النقل والآلات الفلاحية إلى المناجم والتكنولوجيات المتقدمة، ضمن توجه اقتصادي يستهدف تحويل الشراكات الأجنبية إلى أدوات لتطوير الصناعة الوطنية ورفع نسبة الإدماج المحلي. ويضع هذا المسار الشركات التشيكية أمام فرصة لتوسيع حضورها خارج السوق الأوروبية، عبر الاستثمار في الجزائر والاستفادة من موقعها للوصول إلى الأسواق الإفريقية.

وتصدّر هذا التوجه أشغال منتدى الأعمال الجزائري–التشيكي، المنعقد يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026 بالجزائر العاصمة، تحت إشراف الوزير الأول سيفي غريب ونظيره التشيكي أندريه بابيش، وبمشاركة نائب رئيس الوزراء ووزير الصناعة والتجارة التشيكي كاريل هافليتشيك، إلى جانب مسؤولين ومتعاملين اقتصاديين من البلدين.

وتكشف طبيعة الملفات المطروحة خلال المنتدى عن توجه جزائري نحو استقطاب استثمارات صناعية تستجيب لاحتياجات السوق الوطنية، وتفتح في الوقت نفسه مجالًا أمام المؤسسات الأجنبية لإقامة أنشطة إنتاجية قابلة للتوسع والتصدير. ويبرز هذا التوجه خصوصًا في الصناعات التي تمتلك فيها التشيك خبرة متراكمة، مقابل إمكانات جزائرية تشمل الموارد الطبيعية والطاقة والطلب المحلي والموقع الجغرافي.

وتمنح هذه المقاربة العلاقات الاقتصادية الثنائية بعدًا يتجاوز حركة السلع بين البلدين. فالجزائر تعرض فرصًا للاستثمار في حلقات إنتاج صناعية محددة، بينما تبحث المؤسسات التشيكية عن أسواق جديدة وفرص لتوسيع نشاطها الدولي. ويتوقف التقدم في هذه الشراكات على قدرة الطرفين على تحويل المصالح المشتركة إلى مشاريع تتضمن التزامات واضحة في التصنيع والتكنولوجيا والتمويل.

من معدات النقل إلى الجرارات.. الجزائر تستهدف حلقات صناعية جديدة

تحتل صناعة معدات النقل موقعًا بارزًا في المباحثات الجزائرية–التشيكية، بالنظر إلى الإمكانات التي تتيحها الشراكة مع المؤسسات المتخصصة في تصنيع التجهيزات والأنظمة المرتبطة بالنقل الحضري.

وفي هذا السياق، كشف الوزير الأول عن مشاريع تعاون بين شركة «Škoda Transportation» التشيكية و«سيترام»، معربًا عن تطلعه إلى تتويجها بشراكة صناعية واستثمارية في مجال تصنيع معدات النقل داخل الجزائر.

وتحمل هذه الإشارة أهمية صناعية تتجاوز اقتناء المعدات الجاهزة، إذ تفتح المجال أمام بحث إمكانية نقل بعض مراحل التصنيع والتجميع وإنتاج المكونات إلى السوق الجزائرية، إلى جانب أنشطة الصيانة والخدمات التقنية. غير أن هذه الاحتمالات تظل مرتبطة بنتائج المفاوضات، في غياب إعلان عن عقد صناعي نهائي أو مصنع محدد المواصفات.

ومن شأن تطوير نشاط محلي في هذا المجال، إذا تجسدت الشراكة، أن يوفر فرصًا للمؤسسات الجزائرية المتخصصة في الصناعات الميكانيكية والكهربائية والخدمات الهندسية، خصوصًا إذا شملت الاتفاقات برامج لتأهيل الموردين ونقل الخبرة الصناعية.

ويمتد الرهان نفسه إلى قطاع العتاد الفلاحي، الذي يشهد اتصالات سابقة بين مؤسسات البلدين. فقد أسفر منتدى الأعمال المنعقد في فيفري 2025 عن توقيع مذكرة تفاهم بين شركة «Zetor Tractors» التشيكية ووحدة «Unia DZ» لإنتاج العتاد الفلاحي في الجزائر.

وتبرز أهمية هذا المسار في ارتباطه المباشر بتحديث النشاط الزراعي وتوسيع استخدام المكننة، بما يرفع الطلب على الجرارات والمعدات وقطع الغيار وخدمات الصيانة. وتتيح الشراكة الصناعية، إذا انتقلت إلى التنفيذ، إمكانية تطوير سلسلة محلية تشمل الإنتاج والتوزيع والخدمات التقنية، بدل الاعتماد الكامل على استيراد التجهيزات الجاهزة.

ويكتسب هذا التوجه بعدًا إضافيًا بالنظر إلى حاجة القطاع الفلاحي إلى معدات تتلاءم مع طبيعة الاستغلاليات الزراعية والظروف التشغيلية المحلية. ولذلك، فإن القيمة الاقتصادية للمشروع ستتحدد بحجم العمليات الصناعية المنجزة في الجزائر، ونسبة المكونات المنتجة محليًا، ومدى مساهمته في تكوين اليد العاملة وتطوير شبكة الموردين.

وفي قطاع التكنولوجيا، سبق أن وقّعت شركة «SVCS Process Innovation» التشيكية مذكرة تفاهم مع مركز تنمية التكنولوجيات المتطورة، ما يوفر أرضية للتعاون في مجالات البحث والتطوير والابتكار الصناعي.

ويطرح هذا التعاون فرصة لربط المؤسسات الإنتاجية بالقدرات العلمية والتقنية، خاصة في المجالات التي تتطلب حلولًا هندسية وتكنولوجية متقدمة. لكن تحويل التعاون البحثي إلى أثر اقتصادي يستوجب تحديد تطبيقات صناعية قابلة للتنفيذ وآليات واضحة للاستفادة من نتائج البحث.

غارا جبيلات وبلاد الحدبة يدخلان حسابات التعاون الصناعي

تفتح المشاريع المنجمية الكبرى في الجزائر مجالًا آخر أمام الشركات التشيكية المتخصصة في المعدات والتكنولوجيا والخدمات الهندسية.

وقد ربط الوزير الأول فرص التعاون المنجمي بالتقدم المسجل في مشروعي غارا جبيلات وبلاد الحدبة، مشيرًا إلى مباحثات تستهدف استكشاف مساهمة المؤسسات التشيكية في عصرنة النشاط المنجمي وتحسين مردوديته وتنافسيته.

ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الاحتياجات الصناعية التي ترافق تطوير المشاريع المنجمية، بدءًا من معدات الاستخراج والمعالجة، وصولًا إلى أنظمة النقل والمراقبة والصيانة والحلول التقنية المرتبطة بتحسين الإنتاجية.

وتتيح هذه الأنشطة فرصًا للشراكة مع المؤسسات الأجنبية التي تمتلك خبرة في صناعة المعدات والهندسة الصناعية، كما يمكن أن تفتح مجالات جديدة أمام المناولة الجزائرية، متى تضمنت المشاريع التزامات بإشراك الموردين المحليين وتطوير قدراتهم.

وتعزز مذكرة التفاهم الموقعة في قطاع المناجم خلال الزيارة الإطار المؤسساتي لهذا التعاون، غير أن طبيعة المشاريع المرتقبة وحجم الاستثمارات ستظل مرهونة بالاتفاقات التنفيذية التي قد تنبثق عن المباحثات.

ويبرز هنا أحد أهم أبعاد العرض الاقتصادي الجزائري: توجيه الاستثمار الأجنبي نحو القطاعات التي تتوافر فيها مشاريع وطنية كبرى واحتياجات صناعية محددة، بما يسمح بربط استقطاب التكنولوجيا الأجنبية ببرامج التنمية والإنتاج المحلي.

323 مليون دولار من المبادلات.. لكن الرهان أكبر من التجارة

تأتي هذه التحركات في ظل تسارع ملحوظ للمبادلات التجارية بين الجزائر والتشيك، التي بلغت نحو 323 مليون دولار خلال عام 2025، مقابل قرابة 139 مليون دولار في 2024، بزيادة تناهز 132 بالمئة.

وتعكس هذه القفزة توسع العلاقات التجارية خلال فترة قصيرة، لكنها تكشف أيضًا عن فجوة بين وتيرة نمو المبادلات ومستوى التعاون الصناعي المنشود.

وقد أقر الوزير الأول بأن حجم التجارة وتركيبتها ما يزالان دون الإمكانات المتاحة، في إشارة إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع مجالات التعاون وإقامة مشاريع إنتاجية تستفيد من الموارد الجزائرية والخبرة الصناعية التشيكية.

وتُظهر المقارنة بين البلدين طبيعة المصالح التي يمكن البناء عليها؛ فالتشيك تمتلك قاعدة صناعية متخصصة في الصناعات الميكانيكية ومعدات النقل والتجهيزات التقنية، بينما توفر الجزائر سوقًا وطنية واسعة وموارد طاقوية ومعدنية، فضلًا عن مشاريع استثمارية في قطاعات متعددة.

وتسعى الجزائر إلى توظيف هذه المقومات لاستقطاب مؤسسات أجنبية قادرة على إقامة أنشطة إنتاجية داخل البلاد، مع إمكانية توجيه جزء من الإنتاج إلى أسواق خارجية، ولا سيما الإفريقية.

وتستند هذه الرؤية إلى مؤشرات النمو التي عرضها سيفي غريب خلال المنتدى، إذ بلغ نمو الاقتصاد الجزائري 3.9 بالمئة في عام 2025، مقابل 4.9 بالمئة للأنشطة خارج المحروقات، وفق الأرقام الواردة في كلمته.

وتعكس هذه المعطيات أهمية القطاعات غير النفطية في النشاط الاقتصادي، لكنها تضع في الوقت نفسه تحديًا أمام السياسة الاستثمارية يتمثل في تحويل فرص النمو إلى قاعدة إنتاجية أكثر تنوعًا، تستوعب التكنولوجيا وتنتج قيمة مضافة محليًا.

ولهذا، شمل العرض الجزائري فرصًا في صناعة المركبات ومكوناتها، والصناعات الغذائية والصيدلانية، والطاقات المتجددة، والسياحة، والصيد البحري والاقتصاد الرقمي، إلى جانب القطاعات الصناعية التي تشكل محور التعاون الحالي مع المؤسسات التشيكية.

ويمنح هذا التنوع الشركات التشيكية خيارات متعددة للاستثمار، غير أن فرص التجسيد ستكون أوضح في الأنشطة التي تتوافر فيها احتياجات إنتاجية محددة وشركاء محليون قادرون على المساهمة في تنفيذ المشاريع.

وفي الجانب التنظيمي، أكد الوزير الأول مواصلة تحديث الإطار التشريعي للاستثمار وتبسيط الإجراءات وتعزيز الضمانات، إلى جانب استكمال التدابير المتعلقة بتفعيل الشباك الوحيد.

وتكتسب هذه الإصلاحات أهمية مباشرة بالنسبة إلى المستثمر الصناعي، الذي ترتبط قراراته بآجال الحصول على العقار والتراخيص والربط بالشبكات، فضلًا عن وضوح الإجراءات وتكاليف التشغيل وإمكانية الوصول إلى الأسواق.

مجلس أعمال جديد لاختبار جدية الشراكات

أسفر المنتدى عن توقيع مذكرات تفاهم في مجالات المناجم والثقافة والحماية المدنية، إلى جانب مذكرة بين الغرفة الجزائرية للتجارة والصناعة والغرفة التجارية التشيكية لإنشاء مجلس أعمال مشترك.

ويمثل هذا المجلس إحدى أبرز النتائج المؤسساتية للزيارة، بالنظر إلى الدور المنتظر منه في تقريب المؤسسات الاقتصادية ومتابعة فرص الشراكة وتسهيل الاتصالات بين المستثمرين.

وقد دعا الوزير الأول إلى الإسراع في تفعيله، بما يسمح بانتقال العلاقات بين المتعاملين من اللقاءات الظرفية إلى آلية متابعة منتظمة.

وستكون أهمية المجلس مرتبطة بقدرته على تحديد المشاريع ذات الأولوية، وجمع المؤسسات المعنية، ومرافقة المفاوضات حول التمويل والتكنولوجيا والشراكات الإنتاجية، وصولًا إلى إطلاق استثمارات قابلة للتنفيذ.

وتمنح زيارة أندريه بابيش، بحضور مسؤولين حكوميين واقتصاديين تشيكيين، دفعًا سياسيًا لهذا المسار، لكنها تضع المؤسسات المعنية أمام مرحلة أكثر تعقيدًا تتعلق بتحويل التفاهمات إلى عقود ومشاريع صناعية.

وبينما تؤكد قفزة المبادلات التجارية وجود نشاط اقتصادي متنامٍ بين الجزائر والتشيك، فإن التحول الأهم الذي تستهدفه الجزائر يتمثل في الانتقال من استيراد المنتجات الصناعية التشيكية إلى استقطاب جزء من عمليات إنتاجها داخل السوق الوطنية.

وردة جزائري

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام