الأولى الاقتصادي الوطني

الجزائر ترسم خريطة جديدة للطاقة بين إفريقيا وأوروبا.. 30 مليار متر مكعب من الغاز وممر للهيدروجين نحو ألمانيا

30 مليار متر مكعب سنويًا من الغاز الإفريقي تمثل القدرة التصديرية المستهدفة لمشروع الأنبوب العابر للصحراء، في وقت تعمل فيه الجزائر على تطوير ممر آخر للهيدروجين نحو أوروبا، ضمن استراتيجية أوسع لتحويل موقعها الجغرافي إلى مركز للربط الطاقوي والتجاري بين القارتين. ويعتبر البروفيسور عبد القادر بريش أن هذه المشاريع تضع الجزائر أمام فرصة لبناء قوة جيواقتصادية تتجاوز تصدير المحروقات، لتشمل شبكات النقل واللوجستيات والتكنولوجيا والاستثمارات العابرة للحدود.

وتستند هذه القراءة إلى المشاريع التي عرضها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في الكلمة التي ألقاها نيابة عنه الوزير الأول سيفي غريب، خلال القمة الثامنة لمنتدى البلدان المصدرة للغاز بموسكو، يوم 27 أكتوبر 2026، والتي أبرزت توجه الجزائر نحو تطوير منظومة متكاملة للربط الطاقوي بين إفريقيا وأوروبا.

وتكمن أهمية هذا التوجه في الانتقال من استغلال الموقع الجغرافي باعتباره ميزة طبيعية إلى تحويله إلى بنية اقتصادية منتجة، تقوم على ربط مناطق الإنتاج الإفريقية بمراكز الاستهلاك والتصنيع والتصدير.

ويأتي أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالنيجر ثم الجزائر، في مقدمة المشاريع التي تجسد هذه الاستراتيجية، بالنظر إلى قدرته المستهدفة البالغة 30 مليار متر مكعب سنويًا، وما يوفره من إمكانية لربط الموارد الغازية النيجيرية بمنظومة النقل والتصدير الجزائرية.

ويتيح المشروع، عند استكماله وتشغيله، توسيع دور الجزائر في سلسلة إمدادات الغاز الإفريقي، مستفيدة من خبرتها الصناعية وشبكاتها القائمة وعلاقاتها التجارية مع الأسواق الدولية، خاصة الأوروبية.

لكن البروفيسور بريش يلفت إلى أن القيمة الاقتصادية للمشروع لا ترتبط بالكميات المنقولة وحدها، وإنما بما يمكن أن ينشأ حوله من استثمارات في البنية التحتية والخدمات الصناعية والنقل والصيانة، فضلًا عن فرص التنمية في البلدان التي يعبرها.

ويمنح هذا البعد المشروع أهمية خاصة بالنسبة إلى دول الساحل الإفريقي، حيث يمكن أن يساهم تطوير المنشآت الطاقوية في توسيع النشاط الاقتصادي وتحسين فرص الاستثمار وتعزيز الترابط بين الأسواق.

غير أن تحقيق هذه المكاسب يظل مشروطًا باستكمال الأشطر الوطنية للأنبوب، وتأمين التمويل والاتفاقات التجارية، وضبط تكاليف الإنجاز والتشغيل، إلى جانب إدارة المخاطر الأمنية والسياسية المرتبطة بالمشاريع العابرة للحدود.

ولا تنحصر الرؤية الجزائرية في أنبوب الغاز، إذ تتكامل معه مشاريع أخرى تشمل الطريق العابر للصحراء، وتطوير شبكات السكك الحديدية نحو الجنوب، والطريق الرابط بين تندوف والزويرات في موريتانيا، فضلًا عن شبكة الألياف البصرية العابرة للصحراء.

وتكمن أهمية هذا التكامل في أن كل مشروع يؤدي وظيفة اقتصادية مختلفة؛ فالطرق والسكك الحديدية تتيح نقل السلع والأشخاص، بينما يدعم الربط الرقمي الخدمات والتجارة والاتصالات، في حين يوفر أنبوب الغاز مسارًا للاستثمارات والإمدادات الطاقوية.

وعندما تتطور هذه المنشآت ضمن منظومة مترابطة، فإنها تتيح إنشاء ممرات اقتصادية تجمع الإنتاج والنقل والخدمات ومنافذ التصدير، بدل التعامل مع كل مشروع باعتباره بنية تحتية معزولة.

ومن هذا المنطلق، يرى بريش أن الجزائر تستطيع تعزيز دورها حلقة وصل بين البحر المتوسط والعمق الإفريقي، عبر توفير مسارات متعددة للوصول إلى الأسواق والموانئ ومراكز الإنتاج.

ويعني ذلك أن المردود الاقتصادي للمشاريع لا ينبغي أن يُقاس فقط بعائدات النقل والعبور، بل كذلك بقدرتها على استقطاب المؤسسات وتطوير المبادلات وخلق أنشطة إنتاجية وخدمية على امتداد الممرات الجديدة.

وفي موازاة هذه المشاريع القارية، تتجه الجزائر إلى تطوير مسار استراتيجي آخر يرتبط بمستقبل الطلب الأوروبي على الطاقة، من خلال مشروع الممر الجنوبي للهيدروجين «SoutH2 Corridor».

ويستهدف هذا المشروع إنشاء سلسلة لإنتاج الهيدروجين المتجدد ونقله من الجزائر عبر تونس وإيطاليا، وصولًا إلى النمسا وألمانيا، مع دراسة إمكانية الاستفادة من أجزاء من البنية التحتية الغازية القائمة بعد تكييفها تقنيًا.

ويمثل هذا المسار فرصة لتنويع المنتجات الطاقوية الجزائرية وتوسيع حضورها في الأسواق الأوروبية، بالتوازي مع تطوير استثمارات في الكهرباء المتجددة والتجهيزات الصناعية والتكوين والتكنولوجيا.

وتبرز الأهمية الاقتصادية للهيدروجين في إمكانية الانتقال من تصدير موارد الطاقة التقليدية إلى بناء سلاسل إنتاج جديدة تشمل المعدات والخدمات الهندسية والتقنيات المرتبطة بالتحليل الكهربائي والنقل والتخزين.

غير أن بريش يشدد على ضرورة التمييز بين المشاريع المختلفة، إذ إن نقل الهيدروجين عبر الأنابيب لا يعني تلقائيًا توفر قدرات لتصدير الكهرباء، التي تحتاج إلى وصلات مستقلة، كما أن تصدير الأمونيا يتطلب منشآت خاصة للإنتاج والتخزين والنقل.

ويعكس هذا التمييز أهمية التعامل مع المشاريع الطاقوية وفق متطلباتها التقنية والتجارية الفعلية، بدل جمعها ضمن أهداف تصديرية عامة لا تستند إلى البنية التحتية نفسها.

كما يرتبط نجاح الممر الجنوبي للهيدروجين بعدة عوامل حاسمة، في مقدمتها تكلفة الإنتاج، وتوافر الكهرباء المتجددة والمياه، وتأمين المشترين والعقود طويلة الأجل، والامتثال للمعايير الأوروبية الخاصة بالتصديق والاستدامة.

وبالتالي، فإن الانتقال من الطموح الاستراتيجي إلى التصدير التجاري يستلزم بناء منظومة استثمارية متكاملة، تجمع بين الإنتاج والتمويل والتكنولوجيا وضمان الطلب.

وفي هذا الإطار، يوفر البرنامج الوطني للطاقات المتجددة ركيزة لتطوير أنشطة جديدة، يمكن أن تتكامل مع قدرات الجزائر الغازية، بما يسمح بتنويع المزيج الطاقوي وتعزيز القيمة المضافة المحلية.

وتكشف هذه المشاريع مجتمعة عن توجه نحو توسيع الوظيفة الاقتصادية للموقع الجزائري، من خلال الجمع بين الغاز والهيدروجين والكهرباء والنقل البري والسككي والربط الرقمي.

فبدل أن تظل الجزائر نقطة انطلاق لصادرات الطاقة فقط، يمكن لهذه الممرات أن تجعلها مركزًا لتجميع التدفقات التجارية والطاقوية وتقديم الخدمات الصناعية واللوجستية المرتبطة بها.

لكن تحقيق هذا التحول يتطلب، وفق قراءة بريش، الانتقال من إطلاق المشاريع إلى ضمان قابليتها للتنفيذ، من خلال تعبئة التمويلات، والتنسيق مع الشركاء الإقليميين، وتطوير الخدمات اللوجستية، وإشراك المؤسسات الوطنية في مراحل الإنجاز والتشغيل.

كما يقتضي ربط هذه الاستثمارات باحتياجات الاقتصاد الوطني، حتى تتحول البنية التحتية العابرة للحدود إلى مصدر لنشاط إنتاجي محلي، بدل اقتصار الاستفادة على رسوم العبور أو عائدات تصدير الطاقة.

ويخلص البروفيسور عبد القادر بريش إلى أن الجزائر تمتلك مقومات جغرافية وطاقوية وصناعية تؤهلها لتطوير دور اقتصادي يتجاوز حدودها الوطنية، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة جيواقتصادية مستدامة يتوقف على نجاح الربط بين المشاريع والأسواق والاستثمارات.

وعليه، فإن الرهان المقبل لا يتمثل في إنجاز أنبوب غاز أو ممر للهيدروجين بصورة منفردة، بل في بناء شبكة اقتصادية متكاملة تجعل الجزائر محورًا لحركة الطاقة والتجارة والتكنولوجيا بين إفريقيا وأوروبا، وتمنح الاقتصاد الوطني فرصًا أوسع للنمو والتصنيع وتنويع الصادرات.

وردة جزائري

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام