تُعدّ العلاقات الجزائرية-النيجيرية ثمرة تراكمات تاريخية وأبعاد روحية وثقافية عميقة، تعود جذورها إلى قرون طويلة، حيث شكّل الامتداد الديني والعلمي بين البلدين معبراً أصيلاً للتواصل المستدام، تُتوّجه اليوم بوادر دبلوماسية هادئة تعيد ترتيب أوراق التعاون المشترك في فضاء الساحل والصحراء.
وفي هذا الاطار أجرت شرشال نيوز اتصالًا بالبروفيسور بومدين بوزيد، باحث مختص في قضايا الهوية والدين، لفهم أهمية هذه الزيارة من منظور شامل يجعل من المدخل الثقافي و الحضاري اطارا علميا لفهمها.
يرى البروفيسور بومدين بوزيد، أن زيارة رئيس النيجر، الجنرال عبد الرحمن تياني، المرتقبة إلى الجزائر، تمثل نافذة أمل لإحياء تعاون استراتيجي على أساس الهدوء الدبلوماسي والاحترام المتبادل.
ويؤكد البروفيسور بوزيد على أن المرحلة الراهنة تقتضي من دول المنطقة، وعياً جماعياً بخطورة استباحة المجال الحيوي الإفريقي من قبل قوى خارجية تسعى لتكريس الهيمنة بأشكالٍ جديدة، داعياً إلى تعزيز ثفافة السلم، وتكريس مبدأ الحوكمة الرشيدة، والتداول السلمي على السلطة كمدخل أساسي لنهضة حقيقية.
جذور حضارية وروابط روحية
العلاقات بين الجزائر والنيجر ليست وليدة ظرف آني، بل هي تعبير عن امتداد حضاري تجسّد في مراكز علمية وروحية شكلت شرايين تواصل عبر الصحراء، حيث لخصها البروفيسور بوزيد في حاضرتان بارزتان وهما أغاديس في النيجر، وتوات في جنوب الجزائر.
وقد شكلت هذه المدن معابر للعلماء والفقهاء والمتصوفة، ولعل أبرزهم حسب البروفيسور الإمام محمد بن عبد الكريم المغيلي التواتي، الذي أسس شبكة من المدارس القرآنية ومراكز العلم في منطقة آير خلال القرن الخامس عشر، وما يزال تأثيره حاضرًا في التقاليد الدينية للمنطقة من النيجر مرورا بنيجريا الى مالي.
كما تطرق البروفيسور الى المقاومة المشتركة، التي تجمع الشعبيين الشقيقين الجزائري و النيجيري، قائلا” لا يمكن إغفال رموز المقاومة المشتركة، مثل المجاهد محمد كاوسن ورفيقه آمون بن الختار الجزائري، في وجه الاستعمار الفرنسي”. وهي محطات تُعيد إلى الذاكرة الجماعية صوراً من الصمود المشترك والوعي بوحدة المصير.
نحو تكامل تنموي على قاعدة روحية
اليوم، تطرح التحولات الجيوسياسية والطاقوية تحديات وفرصًا جديدة. وفي هذا الصدد اشار البروفيسور بوزيد الى المشاريع الاستراتيجية مثل أنبوب الغاز العابر للصحراء، والطرق العابرة، وتطوير البنية التحتية للطاقة في النيجر، ومع دعم جزائري متزايد، توفّر أرضية اقتصادية خصبة لبناء تعاون مستدام، يعكس قيمة “البركة” الروحية والتاريخية في عمق هذه العلاقة.
وفي هذا الصدد، يشير بوزيد إلى “المرافئ الروحية” التي ما تزال حتى اليوم تستقطب طلبة العلم والمريدين من النيجر وعموم غرب إفريقيا، ومنها: عين ماضي، تماسين، الهامل، توات، ورقلة، مستغانم. وهي زوايا تمثل قاعدة ثقافية وروحية لتكوين الأئمة والإطارات الدينية المشتركة، على أرضية من القيم السلمية والفقه المالكي والتصوف السُني الوسطي.
الزوايا… الجسور الهادئة لوحدة إفريقيا الروحية
تتمثل الثروة الروحية الحقيقية، بحسب البروفيسور بوزيد، في انتماء البلدين إلى المنظومة المالكية، وما تحمله من رموز علمية وتربوية وصوفية مشتركة، من “التيجانية”، إلى “القادرية” و”السنوسية” و”الرحمانية”، وما يرافقها من أنماط شعرية وفنية وموسيقية حافظت على انسجامها عبر القرون.
إن هذا الامتداد لا يُترجم فقط في الجانب الرمزي، بل ينعكس في نوع من “الدبلوماسية الثقافية الصامتة”، القادرة على إرساء مشروعات للتنمية الروحية والاقتصادية المتكاملة، بعيدًا عن ضجيج الخطابات الرسمية.
إن تعميق العلاقات بين الجزائر والنيجر، في ضوء زيارة الرئيس تياني، يشكّل لحظة استراتيجية لإعادة الاعتبار للروح الإفريقية الهادئة، التي لطالما كانت قادرة على بناء الجسور بين منارات التاريخ ومشروعات المستقبل. فالثروة الحقيقية، كما يرى البروفيسور بوزيد، لا تُختزل في الموارد، بل في الذاكرة الحية، والوحدة الرمزية، والرؤية المشتركة للعالم، وهي الأسس التي يُمكن أن تنهض عليها تنمية شاملة عادلة ومستدامة.




